نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

المطويات  (  سعادة النساء ) 

Post
5-2-2009 3889  زيارة   

وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

 

سعادة النساء
في التسليم لشرع رب الأرض والسماء

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله.. أمّا بعد:

أختنا الحبيبة.. هذا حديث خاص بك، مختص بمصلحتك جالب لسعادتك، ضامن لنجاحك وفلاحك محقق لآمالك ومنتهى أمنياتك.

أختي الحبيبة.. يا من رضيت بالله ربا خالقا ومالكا وحاكما مشرعا، يحكم ما يريد لا معقب لحكمه، ويقضي ما يشاء لا راد لمشيئته.

أختي الحبيبة.. يا من أحبت مولاها الذي خلقها فسواها وبالعقل السليم حلاها وإلى الصراط المستقيم هداها.

يا من عرفت أنّ سيدها بها رحيم ولطيف ورفيق ورؤوف، إذا شرع لها وأمرها فإنما ذلك لنفعها بتحقيق مصالح آخرتها ودنياها، وإذا هو نهاها فإنما عن الشر يبعدها وعن الضر حفظها وحماها.

فمالها لا ترضى به حاكما آمرا وناهيا وهو الحكم الذي لا يحكم إلا بالحق والحاكم الذي يحكم بين الخلق ويحكم فيهم بما شاء والحكيم الذي لا يفعل إلا الفعل الصواب المتقن السديد.

ومالها تلك المسلمة المؤمنة لا ترضى عن ربها فيما قضى وقدر لها وهو الذي لا يقضي لعبده إلاّ الخير.

قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «لا يقضي اللهُ للمؤمن قضاءً إلا كان خيراً له إن أصابته سراء شكر كان خيراً له وإن أصابته ضراءّ صبر كان خيراً له وليس ذلك إلا ّللمؤمن» [رواه مسلم].

نعم ومالها تلك المؤمنة لا ترضى بما حكم الله وشرّع وهي تعلم ما لله تعالى من حق التعظيم والتبجيل والتوقير قال تعالى: {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} [نوح: 13].

وهو سبحانه إذا حكم حكما أو قضى قضاء أحب أن يرضى عبده بذلك فلا يقول غير {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}عند سماع حكمه و {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} عند قضائه قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «إنّ الله إذا أحبّ قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فعليه السخط» [رواه الترمذي]، والله تعالى قد أمر المسلمين بأخذ شرائع الإسلام كافة دون ردّ لها أو اعتراض عليها أو كراهة لها أو حرج منها إذ أن هذا هو حقيقة الإسلام.

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (208) َفإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209)} [البقرة: 208-209].

يقول الشيخ السعدي - رحمه الله -: "هذا أمر من الله تعالى للمؤمنين أن يدخلوا {فِي السِّلْمِ كَآفَّةً} أي في جميع شرائع الدين ولا يتركوا منها شيئا وأن لا يكونوا ممّن اتخذ إلهه هواه إن وافق الأمر المشروع هواه فعله وإن خالفه تركه بل الواجب أن يكون الهوى تبعاً للدين وأن يفعل كل ما يقدر عليه من أفعال الخير، وما يعجز عنه يلتزمه وينويه فيدركه بنيّته، ولما كان الدخول في السلم كافة لا يمكن ولا يتصور إلاّ بمخالفة طرق الشيطان قال تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} أي في العمل بمعاصي الله والعدو المبين لا يأمر إلاّ بالسوء والفحشاء وما به الضرر عليكم ولما كان العبد لا بد أن يقع منه خلل أو زلل قال تعالى: {فإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ} أي: على علم ويقين {فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} وفيه من الوعيد الشديد والتخويف ما يوجب ترك الزلل فإنّ العزيز القاهر الحكيم إذا عصاه العاصي قهره بقوته وعذَّبهُ بمقتضى حكمته فإنّ من حكمته تعذيب العصاة والجناة". أهـ.

إذاً أختنا الفاضلة.. من يؤمن بالله كما جاء في النداء في أول الآية لا بد له من أن يحقق الإستسلام لجميع شرائع الإسلام وإن ترك منها شيئاً أصبح عبداً لهواه نعوذ بالله من هذه الحال، فالخروج على حكم من أحكام الله قد يوقع العبد فيما لا تحمد عقباه والعياذ بالله من الكفر أو الشرك أو النفاق مما قد يتسبب في دخوله النّار.

ولا تتعجبي من ذلك وتستنكري هذا القول وتحسبي أن هذا غلو وتكفير للمسلمين بدون سبب والعياذ بالله.

فقد تقولين: وهل يعقل أن يقع المسلم بعد إسلامه في كفر أو شرك أو نفاق؟!

نعم، ولو لم يكن هذا محتملا ما تعوذ منه النبي صلي الله عليه وسلم وهو المعصوم من ذلك ولكنه يعلم أمته الأخطار المحدقة بهم ويحذرهم منها ويوصيهم بالوقاية و التعوذ منها، وقد ورد في أكثر من دعاء تعوذه صلي الله عليه وسلم من هذه الكبائر بقوله: «اللهم إِني أعوذ بك أن أُشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم» [رواه مسلم].

وقال: «اللهم إِني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل والهرم والقسوة والغفلة والعيلَة والذلة والمسكنة، وأعوذ بك من الفقر والكفر والفسوق والشقاق والنفاق والسمعة والرياء» [رواه البخاري ومسلم].

إذا فالأمر جدا خطير والخطب جليل ولابد للمسلم من أن يتفحص إيمانه ويتأكد من صحة إسلامه ويضمن بقاء سلامة معتقده ونقاء توحيده الذي هو رأس ماله وسبب نجاته.

وقد يرى البعض مبالغة في إيقاع المسلم بالكفر أو الشرك أو النفاق وما ذاك إلا بسبب جهلنا في ديننا، إذ أن علماء العقيدة قد رتبوا أمورا على رد الأحكام الشرعية تتراوح ما بين الكفر والنفاق والشرك خفيت على كثير من المسلمين الذين انشغلوا بأمور دنياهم عن تعلم دينهم الذي هو أوجب الواجبات عليهم لتحقيق ما خلقوا من أجله. قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]. أي ليحققوا توحيده في ألوهيته وربوبيته ومن ذلك:

1- إنّ ردّ حكم من أحكام الله عنادا وعلوا واستكبارا يعتبر كفرا وإن كان يعلم أن هذا حق وهو شرع الله وحكمه قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 14].

2- من ردّ حكماً من أحكام الشريعة مما جاء به النبي صلي الله عليه وسلم كرها وبغضاً فهذا نفاق اعتقادي مخرج من الملة قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 9].

3- من ردّ حكما بسبب تعلقه وحبه بشيء ما أو شخص ما يتعلق به الحكم الشرعي فإنّ ذلك شرك أكبر مخرج من الملّة يسمى شرك المحبة. قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ} [البقرة: 165].

4- من وجد في نفسه حرجاً وضيقاً من حكم شرعي فقد انتفى منه حقيقة الإيمان، قال تعالى: {َفلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} [النساء: 65].

يقول الشيخ السعدي رحمه الله: "أقسم تعالى بنفسه الكريمة أنّهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله فيما شجر بينهم ثم لا يكفي هذا التحكيم حتى ينتفي الحرج من قلوبهم والضيق ثم لا يكفي هذا التحكيم حتى يسلموا لحكمه تسليما بانشراح صدر وطمأنينة نفس وانقياد بالظاهر والباطن". (تفسير السعدي بتصرف) .

اختبار القلوب وكشف العلل والأمراض والعيوب

أختنا الحبيبة.. لا بد أن تعلمي يقيناً أنّ الله لم يتركنا سدى، كلٌّ يدعي الإيمان والإسلام والإحسان ولكن لا بد من الاختبار والامتحان ليمحص الصادق من الكاذب والصافي من الكدر والمخلص من المخلط.

قال تعالى: {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً} [الأحزاب: 8].

وقال تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [الزخرف: 44].

نعم لا بد أن نعلم أنّنا نمر باختبارات متتالية تُبتلى فيها القلوب ليُكشف ما فيها من أمراض الشهوات والشبهات وما فيها من حقيقة الإيمان والإذعان.

ومن أصعب الإختبارات التي تمر بها قلوب النساء موقفهم من آية في كتاب الله تعالى محكمة تحمل حكماً شرعياً تعتبره كثير من النساء أمرا حساسا يمس عاطفتها وكرامتها والوفاء لعشرتها، وتتعامل معه كأنه ظاهرة اجتماعية أو خيانة زوجية والعياذ بالله أو استهانة بمشاعرها وعدم وفاء لطول العشرة من الزوج.

وتنسى أو تتناسى أنّ هذا أمر بينها وبين الله كحكم شرعي قبل أن يكون بينها وبين الزوج كقدر كوني، فكثير من النساء - هداهن الله وشرح لحكمه صدورهن - ينفعلن عند إثارة هذا الموضوع ويغضبن وتثور ثائرتهن ولو أُثير الموضوع على سبيل الدعابة، بل كثير من النساء وهذا هو الشائع في بلدنا للأسف يتوعدن ويهددن الزوج بما سيفعلن لو فكر في هذا الموضوع فضلا عن فعله حقيقة فتزبد وترعد وتصرخ وتعدد وتحصي وتهدد وتخلط الماضي بالحاضر بالمستقبل، وتجمع حولها مناصروها وعدتها وعتادها لخوض الحرب الأسرية بل هي مستعدة أن تتحمل أي مصيبة إلاّ هذه المصيبة هونها الله على نساء المسلمين.

فما هذا الأمر الجلل الذي يدمر الماضي والحاضر والمستقبل؟!! إنّه حكم تعدّد الزوجات في الإسلام.

أختنا المؤمنة.. تعالي نناقش الأمر بهدوء أعصاب ورؤية واضحة وإيمان صادق وعقل واعي ومنطق موضوعي من غير عصبية ولا تشنج وسنرى جميعا أن الأمر طبيعي عادي لا فيه إساءة والعياذ بالله للنساء أو جرح لمشاعرهن أو استرخاص لعشرتهن أو إهانة.

بل هو حكم من الإله الحكيم حكمه كله رحمة وعدل ومصلحة ومنفعة لجميع الأطراف بما في ذلك الزوجة الأولى، نعم الزوجة الأولى مهما استنكرت هي صحة ذلك الكلام وإنما هو شدة الإنفعال وحساسية الاستقبال للمرأة التي تجعلها تخوض في الأمر كأنه حرب ضدها لا شرع من أجلها.

وترى أنّ الأمر كله من مصلحة الرجل ومن أجله فتعمى بصيرتها ويدخل الشك قلبها وترى أن هذا الشرع الحكيم دائما بجانب الرجل - عياذا بالله - ولا ترى أنّه ألزم الرجل بواجبات ثقيلة ولم يلزمها، وحمله أعباء كثيرةً وعفى عنها، وأوجب عليه رعايتها وحمايتها وحصانتها وتكريمها وتحمل رعونتها والتجاوز عنها وإن كان الرجل لم يحقق ذلك فهذا ذنبه وليس على الشرع حجة بل حجة الشرع على الجميع، فمن قام بما أمر به الشرع فله الحسنى وزيادة ومن قصر أو عصى فالله له بالمرصاد يحصي عليه كل شيء ولن يفلت من حسابه شيء.

فهيا بنا نرى الحكم بجمال التشريع ونذب عنه ما طاله من شبهات أهل التغريب و أهل التمييع.

ملحوظة مهمة: نود أن نذكر النساء ألاّ يرفعن أصواتهن فوق كلام الله تعالى بالاحتجاج والاعتراض والنقاش ويجب أن يعلم كل مسلم أن رفع الصوت على صوت النبي صلي الله عليه وسلم فضلاً عن قول الله تعالى إن من محبطات الأعمال التي حذر منها المولى عز وجل فقالّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2].

فالله عز وجل يأمر في هذه الآية بتعظيم رسوله صلي الله عليه وسلم وتوقيره وخفض الصوت بحضرته وعند مخاطبته حتى لا تحبط أعمالنا ونحن لا نشعر.

قال ابن كثير رحمه الله تعالى في قوله عز وجل {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2]: "أي إنّما نهيناكم عن رفع الصوت خشية أن يغضب من ذلك فيغضب الله تعالى لغضبه فيحبط عمل من أغضبه وهو لا يدري كما جاء في الصحيح: «أن الرجل يتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالا يكتب له بها الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض» [رواه الترمذي وابن حبان]".

قال أبو بكر العربي رحمه الله: "حرمة النبي صلي الله عليه وسلم ميتاً كحرمته حيا وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثال كلامه المسموع من لفظه، فإذا قرأ كلامه وجب على كل حاضر ألاّ يرفع صوته عليه ولا يعرض عنه كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند التلفظ به".

وقد نبّه الله سبحانه على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة بقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} [الأعراف: 204]، وكلامه صلي الله عليه وسلم من الوحي.

أولاً: حقيقة الحكم الشرعي

قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ} [النساء:3].

سبب نزول هذه الآية: روى البخاري وأبو داود والنسائي والترمذي عن عروة بن الزبير أنّه سأل عائشة زوج النبي صلي الله عليه وسلم عن قول الله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء} فقالت: "يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حجر وليها فتشاركه في ماله فيعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهِن من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن". قال عروة: قالت عائشة: "ثم إنّ النّاس استفتوا رسول الله صلي الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله عز وجل {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} [النساء : 127].

قالت: "والذي ذكر الله أنّه يتلى عليهم في الكتاب الآية الأولى التي قال سبحانه فيها {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء} .

قالت عائشة: "وقول الله عز وجل في الآية الأخرى هي رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلاّ بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إن كنّ قليلات المال والجمالذ.

ويكون معنى الآية على هذا أن الله سبحانه وتعالى يخاطب أولياء اليتامى فيقول: إذا كانت اليتيمة في حجر أحدكم وتحت ولايته وخاف ألا يعطيها مهر مثلها فليعدل عنها إلى غيرها من النساء فإنهن كثيرات ولم يضيق الله عليه فأحل له من واحدة إلى أربع، فإن خاف أن يجور إذا تزوج أكثر من واحدة فواجب عليه أن يقتصر على واحدة أو ما ملكت يمينه من الإماء.

إفادتها على الاقتصار على الأربع:

قال الشافعي رحمه الله: "وقد دلت سنّة رسول الله صلي الله عليه وسلم المبينة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة وهذا مجمع عليه بين العلماء وعليه فيحرم على الرجل أن يجمع في عصمته أكثر من أربع زوجات في وقت واحد، إذ أن في الأربع الكفاية وفي الزيادة عليها تفويت الإحسان الذي شرعه الله لصلاح الحياة الزوجية". أهـ.

إذ لابد أن تعي المرأة المسلمة هذه الحقيقة أن الله تعالى قد شرع للرجل الجمع بين أربع نساء وما ألزمه بقيد غير العدل بينهن فيما بينته كتب الفقه.

ولا يجوز لامرأة أن تقيد الزوج بها فقط مالم تكن قد اشترطت ذلك في العقد أصلا.

ولا يشترط لزواجه وجود علة في الزوجة الأولى إنما الشرط القدرة على الجمع مع العدل.

ولا يليق بامرأة مسلمة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تعترض على ذلك أو تبغضه أو تحاول إخفاءه بعدم التطرق للحكم الشرعي أو التحامل على من يقول به أو يذكر به كونه متعلق بتفسير القرآن أو تعظيمه بقراءة حروفه وإقامة حدوده ولا تعرض عنه وتتمنى طمسه حتى ولو قصدت بذلك صرف الأمر عن ذهن الرجل بظنها أن عدم الحديث في الحكم يجعل الرجل في غفلة وأن الحديث عنه ينبهه لذلك وهذا من ضعف العقل فكل رجل بل كل شاب بل كل مسلم يعلم بهذا الحق للرجل .

فهل تستطيع امرأة إخفاء الآية 3 من سورة النساء؟ إنّها والله لا تخدع إلا نفسها.

ثانياً: لماذا الرفض؟
نعم لا بد أن نتساءل لماذا ترفض كثير من النساء المسلمات هذا الموضوع وبشدة إن كن حقا يؤمن بالله واليوم الآخر؟؟

نعم يؤمن بأن الله هو المشرع بحكمته وعلمه ورحمته وإنه جامع الناس ليوم لا ريب فيه فيسأل الصادقين عن صدقهم.

إذا كان الحال كذلك فلماذا ترفض النساء مجرد النقاش في الموضوع أو احتمال وقوعه وتثور وتنفعل بل وتعتبر ذلك مساس بكرامتها وكبريائها فما أسباب هذه النظرة ؟!

1- الخوف من نظرة الآخرين:
نعم فكثير من النساء يرفضن أساسا فكرة زواج زوجها من امرأة أخرى تخوفاً من نظرة المحيطين، فأما الأحبة والمقربون فإن نظرة الشفقة منهم تقطع قلبها أسى على ما حصل لها، وأما نظرة الشماتة والتشفي من الأعداء والمبغضين فحدث عنها ولا حرج.

ولكن المرأة المؤمنة العاقلة الذكية لا تهزها الرياح العاتيات فضلاً عن النظرات ولا تبيع رضى ربها والثبات على دينها لحساسية الوضع الاجتماعي، بل المرأة العاقلة تواجه المجتمع برضاها عما حدث وتكون قدوة يقتدى بها في طاعة ربها والاستسلام لحكمه والرضى بقدره في لسان حالها ومقالها مما يجبِر الآخرين على الاستحياء من الله إذا رأوا صاحبة المصيبة راضية ومسرورة.

بل لابد للنساء المسلمات الصادقات أن ينشرن الوعي الإيماني في المجتمع ويتحدثن عن قبولهن للأمر حكماً وقدرا ويرفعن راية الاستسلام لله، ويعترفن بأن هذا الشرع الحكيم هو أنسب ما يكون للنساء والرجال أصلاً فما الظن في هذا العصر الذي عمت فيه الفتن وكثرت فيه أبواب الفساد وانتشرت المثيرات التي تؤجج الغرائز وابتلي كثير من الناس بالانحراف وسهل عليهم الولوج في أبواب المعاصي والفواحش والموبقات.

إذاً لابد أن تعترف المرأة بأنّ حكم الله في هذه المسألة هو الحل الأمثل والأنسب لتحصين الجميع من الفواحش التي هي سبب انتقال الأمراض الجنسية وتفكك الأسر وخزي الآخرة وعذابها.

ولنكن أكثر صراحة فنقول أن هذا العصر هو عصر انشغال المرأة عن أداء حقوق الزوج لكثرة المسئوليات والتبعات التي تحملتها المرأة حتى استهلكت طاقتها الجسدية والنفسية وباتت مرهقة متوترة ليل نهار.

نعم لابد من أن نعترف نحن النساء بأنفسنا أن مظاهر الحياة العصرية تكاتفت لتهتف وتقول: أن الحل الأمثل لحماية المجتمع صحيا ونفسيا واجتماعيا هو إقامة شرع الله بزواج الزوج - إن رغب - بامرأة أخرى طيبة نقية تقية تشارك أختها الأولى في تحمل أعباء وحقوق الزوجية مع بقاء الأسر قوية البنيان، الأبناء في كنف أبيهم ينعمون وحول أمهم يلعبون وفي دفء حضنها يترعرعون.

2 - الغيرة القاتلة:
وهذه مشكلة مزمنة عند النساء فهن يتوارثنها من الجدات والأمهات عن طريق التقاليد والعادات وما يتَناقَل من الحكم والأمثال في ما تفعله الغيرة من الضرة.

نعم فقد ترسخ في ضمير كل امرأة - إلاّ ما رحم ربي وقليل ماهم - إنّ المرأة إذا تزوج زوجها فإن الغيرة ستقتلها ومجرد التفكير بإمكانية حدوث ذلك يؤرق المرأة وينغص عليها حياتها.

ولو تبصرت المرأة في الأمر لعلمت أن الغيرة تسيء إليها وتقدح بشخصيتها لأنّها دليل على ضعف الشخصية وقلّة الثقة بالذات وانهزام النفس، فالمرأة الواثقة من نفسها وقدراتها وتميزها (جمال - عقل - حسن تدبير - حسن معاشرة) لا يهمها منافسوها، وإنما تثور وتغار من تخشى على مكانتها عند زوجها أن تحظى بها أخرى أفضل منها.

وعلى كل حال فإنّ كانت الغيرة صفة لازمة عند النساء فإنّ العلاج سهل ميسور بفضل الله ومنته، بل إن المرأة تستطيع بالاستعانة بالله أن تكون لديها مناعة عالية ضد الغيرة ابتداء وقبل كل شيء سواء حدث ما يسبب الغيرة بالزواج أو غيره، فاليوم كثير من النساء تتحرك غيرتهن بمجرد الوساوس التي تأتيهن عند رؤية الزوج يتأنق عند الخروج أو يكثر من التأخر عن العودة إلى المنزل أو يهاتف ويسر بصوته عند الحديث.

فنقول أن من أنجح وأضمن علاجات مرض الغيرة ما يأتي:
أ - الصدق مع الله في الاستسلام لحكمه والرضى بقضائه فمن صدق مع الله صدق الله معه وتولى أمره وهون عليه كربه ولطف به فيما جرت به المقادير.

ب - اللهج بالدعاء منذ اللحظة فقد قال تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]، وقال صلي الله عليه وسلم: «لا يرد القضاء إلا الدعاء» [رواه أبو داوود].

ولو صدقت المرأة بدعاء الله تعالى أن لا يحملها مالا طاقة لها بعد - مع رضاها ابتداء بحكمه الشرعي وقضائه وقدره الكوني إن وقع - لرفق بها وهو الرفيق سبحانه، ولو سألته برد اليقين وأن يذهب الغيرة من قلبها لامتلأ قلبها له حبا وبه أنسا ولهانت عليها مصائب الدنيا ولو عظمت، ولو سألت الله كما علمها {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286]، أي من التكاليف والابتلاءات لكان لها في ذلك خير عظيم مع استسلامها وتوقيرها لحكم الله وشرعه وكسب رضاه عنها.

3- المشاركة في الرزق:
تحتج بعض النساء بما يجدنه من حرج في نفوسهن من شرع الله في تعدد الزوجات ما يخفنهُ من أن تشاركها الزوجة الثانية في رزقها ورزق أبنائها وهذا من الجهل الكبير بالله تعالى، ولو تعرفت المرأة على اسم الله الرزاق لاطمأنت من هذه الناحية تماماً لأنها ستعرف أن رزقها لا يشاركها فيه أحد وأن رزقها قد كتب لها يوم كانت جنيناً في بطن أمها، وأن ابن آدم لا يموت حتى يستوفي كل ما كتب له من الأجل والرزق بل إن الرزق يجري خلف صاحبه حتى يدركه قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت» [رواه أبي نعيم في الحلية].

4 - توقع وقوع الظلم:
إنّ النظرة الخاطئة من كثير من النساء اتجاه هذا الحكم الشرعي ناتج عما تخشاه من ظلم الزوج لها ولأبنائها بعد زواجه من امرأة أخرى سواء كان ذلك بأسلوب المعاملة أو عدم العدل في الإنفاق أو التقصير في الحقوق أو غيره مما تسمع به من أحاديث النساء أو تراه في أجهزة الإعلام من الأفلام أو المسلسلات.

وعلى افتراض وجود هذه المخافة فإنها لا تسوّغ للمرأة رفض الحكم الشرعي أو كراهته أو وجود أي حرج في النفس منه، فإن كان هذا هو قَدَرْ المرأة ووقع عليها شيء من الظلم فهناك أسلوب للمصارحة والتفاهم والاتفاق وإن لم تصلح أي وسيلة في رفع الظلم فما عليها إلاّ الصبر على البلاء واحتساب الأجر فإنّ المسلم أمره كله خير كما قال صلي الله عليه وسلم: «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر وكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له» [رواه مسلم].

وقد يكون هذا الابتلاء سبيلا لاستخراج عبوديات كانت تغفل عنها المرأة من الدعاء والتضرع واللجوء إلى الله والافتقار إليه وتعبده بأسمائه الحسنى فهو سبحانه الفتاح يفتح بين المتخاصمين بالحق ويأخذ للمظلوم حقه وهو خير وكيل وكفيل يتولى أمر المؤمن، وهو سبحانه الجبار يجبر القلوب المنكسرة، وهو القريب لمن ناجاه المجيب سبحانه لمن دعاه.

وبعد أختنا الفاضلة ..
لابدّ أن نعترف بأن المرأة لا تملك أية حجة في ما تجده في نفسها اتجاه الحكم الشرعي العادل في تعدد الزوجات وكل ما تدعيه من الحجج المردود عليها وإنما هي مجرد حيل نفسية ومداخل شيطانية للمراوغة والتهرب من القبول والانقياد اللذان هما من شروط تحقيق لا إله إلاّ الله التي تكررها المرأة مرات عديدة كل يوم .

ولو أقبلت المرأة الصالحة العاقلة إلى ربها بقلبها وقالبها ورضيت به رباً لعمَّر الله قلبها بالرضى والطمأنينة والسكينة والمحبة واختيار الله والجنة على محبوبات الدنيا.

وتعالي أختنا الحبيبة.. ننظر للزاوية المشرقة من إيمان المرأة واستسلامها وانقيادها لنتعرف على المكاسب التي ستجنيها عند إرضائها لربها، ولكن سنقف قليلا عند آيات من كتاب الله عز وجل غفل عنها الكثير منا فلم يقف عند قراءتها لمعرفة تفسيرها ومعناها والاستفادة من تدبرها في تربية العبد على الاستسلام لله تعالى والخضوع لأمره وحسن الظن بحسن تدبيره لعبده والحياء منه إذ أنه يقدر لعبده المنافع والخير في أمره ونهيه وحكمه والعبد ينفر من ذلك جهلا وظلماً من نفسه لنفسه.

قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (66) وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيماً (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً (68)} [النساء: 66-68].

يقول الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآيات: "يخبر الله تعالى أنه لو كتب على عباده الأوامر الشاقة على النفوس من قتل النفوس والخروج من الديار لم يفعله إلا القليل منهم والنادر فليحمدوا ربهم وليشكروه على تيسير ما أمرهم به من الأوامر التي تسهل على كل أحد ولا يشق فعلها، وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي أن يلحظ العبد ضد ما هو فيه من المكروهات لتخف عليه العبادات ويزداد حمدا وشكرا لربه ثم أخبر أنهم لو فعلوا ما يوعظون به، أي : ما وظف عليهم في كل وقت بحسبه فبذلوا هممهم ووفروا نفوسهم للقيام به وتكميله ولم تطمح نفوسهم لما لم يصلوا إليه ولم يكونوا بصدده وهذا هو الذي ينبغي للعبد أن ينظر إلى الحالة التي يلزمه القيام بها فيكملها ثم يتدرج شيئا فشيئا حتى يصل إلى ما قدر له من العلم والعمل في أمر الدين والدنيا وهذا بخلاف من طمحت نفسه إلى أمر لم يصل إليه ولم يؤمر به بعد، فإنه لا يكاد يصل إلى ذلك بسبب تفريق الهمة وحصول الكسل وعدم النشاط ثم رتب ما يحصل لهم على فعل ما يوعظون به وهو أربعة أمور:

1 - الخيرية في قوله: {لَكَانَ خَيْراً لَّهُم} أي لكانوا من الأخيار المتصفين بأوصافهم من أفعال الخير التي أمروا بها وانتفى عنهم بذلك صفة الأشرار لأن ثبوت الشيء يستلزم نفي ضده.

2- حصول التثبيت والثبات وزيادته فإن الله يثبّت الذين آمنوا بسبب ما قاموا به من الإيمان الذي هو القيام بما وعظوا به فيثبتهم في الحياة الدنيا عند ورود الفتن في الأوامر والنواهي والمصائب، فيحصل لهم ثبات يوفقون به لفعل الأوامر وترك الزواجر التي تقتضي النفس فعلها وعند حلول المصائب التي يكرهها العبد فيوفق للتثبيت بالتوفيق للصبر أو للرضا أو للشكر، فينزل عليه معونة من الله للقيام بذلك ويحصل له الثبات على الدين عند الموت وفي القبر، وأيضاً فإن العبد القائم بما أمر به لا يزال يتمرن على الأوامر الشرعية حتى يألفها ويشتاق إليها وإلى أمثاله فيكون ذلك معونة له على الثبات على الطاعات.

3- قوله تعالى: {وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيماً} الأجر العظيم أي في العاجل والآجل الذي يكون للروح والقلب والبدن ومن النعيم المقيم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

4- الهداية إلى صراط مستقيم وهذا عموم بعد خصوص لشرف الهداية إلى الصراط المستقيم من كونها متضمنة للعلم بالحق ومحبته وإيثاره والعمل به وتوقف السعادة والفلاح على ذلك فمن هدي إلى صراط مستقيم فقد وفق لكل خير واندفع عنه كل شر وضيرالآية {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيماً (70)} [النساء :69-70].

أي كل من أطاع الله ورسوله على حسب حاله وقدر الواجب عليه من ذكر وأنثى وصغير وكبير {فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم} أي النعمة العظيمة التي تقتضي الكمال والفلاح والسعادة، الذين فَضّلَهُم الله بوحيه واختصهم بتفضيلهم بإرسالهم إلى الخلق ودعوتهم إلى الله تعالى: {وَالصِّدِّيقِينَ} وهم: الذين كمل تصديقهم بما جاءت به الرسل فعلموا الحق وصدقوه بيقينهم وبالقيام به قولا وعملا وحالا ودعوتهم إلى الله {وَالشُّهَدَاء} الذين قاتلوا في سبيل الله لإعلاء كلمة الله فقتلوا {وَالصَّالِحِينَ} الذين صلح ظاهرهم وباطنهم فصلحت أعمالهم فكل من أطاع الله تعالى كان مع هؤلاء وفي صحبتهم {وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً} بالاجتماع بهم في جنات النعيم والأنس بقربهم في جوار رب العالمين ذلك الفضل الذي نالوه من الله، فهو الذي وفقهم لذلك وأعانهم عليه وأعطاهم من الثواب الجزيل ما لا تبلغه أعمالهم {وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيماً} يعلم أحوال عباده ومن يستحق منهم الثواب الجزيل بما قام به من الأعمال الصالحة التي تواطأ عليها القلب والجوارح". أهـ.

مكاسب المسلمة المستسلمة لحكم الله وقدره

1- تحقيق الانقياد والاستسلام للحكم الشرعي وهو أحد شروط لا إله إلاّ الله:
نعم إنّ الاستسلام للحكم والانقياد للأمر هو حقيقة الإيمان التي أثبتها الله للصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وجمعنا وإياهم في عليين، إذ كانت استجابتهم لله تعالى فيما حكم وأمر فيما يطيقون وما لا يطيقون من رحمة الله عليهم وعلى من جاء بعدهم من المسلمين إذ سمى الله انقيادهم وعدم اعتراضهم على حكمه وأمره إيماناً ونسخ به الحكم وخفف عن عباده، فلله الحمد والمنة فلنكن على سيرتهم وننقاد لله كانقيادهم لعلّ الله أن يجمعنا بهم وإن لم نعمل بأعمالهم.

إذ وعد تعالى من فضله وكرمه من اتبعهم بإحسان أن يجمعهم بهم فقال: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم} [التوبة: 100].

وتعالي أختنا الحبيبة.. نقرأ في سيرتهم العطرة لنهتدي بهداهم ونقتدي بخطاهم ونتسلى بسيرتهم وترتفع هممنا عن سفاف الأمور وحطام الدنيا بمعرفة طموحاتهم ومعاليهم قال تعالى: {للَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 284].

جاء في تفسير ابن كثير رحمه الله: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله {للَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ِ} اشتدّ ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمّ جثوا على الركب وقالوا: يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد نزلت عليك هذه الآية ولا نطقيها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأَطعنا غفرانك ربنا وإِليك الَمصير، فلما أقر بها القوم وزلت لها ألسنتهم (وفي رواية فألقى الله الإيمان في قلوبكم) أنزل الله في أثرها {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله {لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} إلى آخره» [رواه مسلم] متفردا به.

(طريق أخر) عن ابن عباس رضي الله عنه قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن حميد الأعرج عن مجاهد قال: «دخلت على ابن عباس رضي الله عنه فقلت: يا أبا عباس، كنت عند ابن عمر فقرأ هذه الآية فبكى، قال: آية آية؟ قلت {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} قال ابن عباس: إن هذه الآية حين أنزلت غمت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غماً شديدا وغاظتهم غيظاً شديداً وقالوا: يا رسول الله هلكنا إن كنا نؤاخذ بما تكلمنا وبما نعمل فأما قلوبنا فليست بأيدينا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا سمعنا وأطعنا، فقالوا: سمعنا وأطعنا، قال: فنسختها هذه الآية {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ} إلى{لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} فتجوز لهم عن حديث النفس وأخذوا بالأعمال».

2- تحقيق الرضى عن القدر الكوني ابتداءً:
وهذا مهم جداً للمرأة من حيث رضي الله عنها وتأهيل نفسها ابتداء لما قد يقع في حياتها من الأقدار المؤلمة لها، فإن لم يكن ذلك مكتوبا فلله الحمد والمنّة على العافية، وقد كسبت المرأة رضى الله عنها لرضاها عنه وإن وقع ما تكره من الأقدار فإن الرضى الابتدائي يرفع عنها ما قد تجده غيرها من النساء من الألم النفسي أو حتى الجسدي وذلك ممّا ينزله على قلبها من اللطف والعون.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربّا وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ رسولا» [رواه مسلم].

وقال صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى ومن سخط فعليه السخط» [رواه الترمذي].

وإنّ ممّا يستجلب الرضا بالقضاء وانشراح الصدر له واطمئنان القلب به علم العبد أنّ القضاء لا يكون إلاّ خيراً له وإن كان ظــاهرة قد يبدو فيه الألم إيمـــاناً بقولــــه صلي الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن إنّ أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلاّ للمؤمن، إن أصابته سراء شكر وكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له» [رواه مسلم].

3- إقامة شرع الله والذبّ عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم:
فحينما تقوم المرأة المسلمة بالتحدث عن هذا الحكم بأنّه شرع عدل - وليس قضية اجتماعية مرفوضة - في التجمعات النسائية والمنتديات وتتحدث عنه بالرضا، فإنّها تلجم بذلك أفواه المغرضين المشككين في الشرع القادحين في عدله الباعثين بالشبهات حوله من الكفار الحاقدين وأذنابهم من سفهاء المسلمين. وكفى بالمرأة فخرا أن يوفقها الله للقيام بهذه العبادة الجليلة.

4- جمع القلب بكليته على الله والتخلص من القلق:
القلق الذي يلازم النساء عادة من خوف وقوع ذلك في حياتها الزوجية، فإنّ تسليم المرأة الأمر لله تعالى حكماً وقدرا يأتي لها بالراحة النفسية والتخلص من الهموم والأكدار والمنغصات المتعلقة في هذا الأمر سواء كان قلقا دائماً أو مصاحباً لبعض تصرفات الزوج العفوية كالتأنق أو التأخر خارج المنزل أو إِسْراره عند الحديث بالهاتف أو غيره ممّا قد تفسره على أنّه مقدمات لهذا الأمر أو حتى الانفعال الذي تبديه عند مداعبة الزوج وممازحته لها في هذا الأمر وهي بتخلصها من ذلك تعيش حياة هانئة هادئة وتتفرغ لمصالحها الدنيوية والدينية.

5- تجنب الوقوع في المعاصي بل والكبائر:
التي تقع بها بعض النساء من شدة وقوع المصيبة عليها كالالتجاء لعمل السحر والعياذ بالله لصرف الزوج عن هذا الأمر أو التفريق بينه وبين الزوجة الأخرى، أو قد تقع بعض النساء في بعض المعاصي من أجل إرضاء الزوج كالنمص أو عدم الالتزام بالحجاب الشرعي أو التبرج أو مخالطة الرجال وذلك من أجل أن تظل محتفظة به منفردة به.

والوقاية من السيئات من أعظم النعم على العبد وهو من دعاء الملائكة الأبرار للمؤمن كما جاء في قوله تعالى على لسان الملائكة {وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [غافر: 9].

بل وهناك نوع آخر من المعاصي قد تحمي المرأة نفسها من المحاسبة عليها ألا وهي ما قد يقع به الزوج من المعاصي بسبب خوفه ممّا قد يقع من المشاكل والطلاق وتشتت الأسرة عند علم زوجته الأولى بزواجه - وهذا واقع من البعض ولا يخفى على أحد - والمرأة هنا عندما ترضى بحكم الله في التعدد وتعلن ذلك ولا تخفيه فإنها تحمي نفسها وتحمي زوجها من آثام وأمراض وغيرها ويطمئن زوجها - بعلمه هذا عن موقفها الحكيم - إلى إمكانية استمرار الحياة الأسرية معها في حالة زواجه من امرأة أخرى.

6- تحقيق عبودية التوبة والاستغفار:
التي هي من أعظم العبوديات وأحبها إلى الله بل وأجلّها إذ لم يذكر في عبادة فرح الله تعالى عن عبده كالتوبة.

فإن تغير موقف المرأة العاقلة من الحكم الشرعي من الرفض إلى القبول والرضى توبة تحتاجها قبل لقاء الله الذي تلقاه وهو عليها ساخط والعياذ بالله.

7- تحقيق عبودية الشكر:
التي يحبها الله ويقابلها بالمزيد إذ قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد} [إبراهيم: 7].

فكثير من النساء تجهل أن الأصل في الشريعة التعدد وكذلك تجهل أن الشرط الوحيد المقيد للرجل هو العدل، وتظن كثير من النساء أنّه ليس للرجل الحق في الزواج من أخرى مادامت الزوجة الأولى غير معيبة بالقبح أو العقم أو غيره.

قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ} [النساء: 3].

فإذا وفّق الله المرأة للعلم النافع في دينها الذي يؤدي إلى هدايتها وسعادتها وتحقيقها لرضى مولاها عنها، فإنّ ذلك موجب لها على الحمد والشكر والحرص على تعلم دينها الذي طالما انشغلت عنه وغفلت عن تعلمه وتوجهت بقلبها ووقتها لتعلم دينها قبل أن تقع فيما يضرها بل يهلكها بسبب جهلها.

قال ابن القيم رحمه الله: "ومن لطيف التعبد بالنعم أن يعتقد العبد أنّه لا يستحق النعمة فإذا ما سلبت لم يسخط على المعطي ولكن رضى وشكر".

8- تحقيق عبودية الأنس بالله تعالى:
وذلك بمعرفة الله بأسمائة الحسنى وصفاته العلى التي تحمل اللطف والعطف والرفق والرحمة والرأفة والعناية والرعاية والحصانة والحماية والوكالة والكفالة والكفاية والولاية والجبر والكرم والجود والامتنان والإحسان.

فياليت المرأة تتعلم الثقة واليقين وحسن الظن بالله تعالى التي تأتي لها بانشراح الصدر وانقشاع سحابة الهم والغم فلو فكرت المرأة بزواج زوجها أنّه خير لها - من باب حسن الظن بالله تعالى - أنّه قد يراد منها أن تتفرغ لله تعالى والتعرف عليه وعبادته والأنس به واللذة والطمأنينة إليه والشوق إلى لقائه والتي الذرة منها لا يعدلها نعيم الدنيا أجمع - مع بقاء زوجها معها ولها - لأَنست لحكم ربّها بل ولعدت الحكم نعمة منه قال تعالى: {مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6].

9- وقاية البنات من شرّ السيئات:
لقد امتن الله تعالى على المؤمنين بمنة عظيمة إذ جعل الملائكة المقربين حملة العرش يدعون للمؤمنين دعاء عظيما موجبا للسعادة في الدنيا والآخرة فقال تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) َقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9)} [غافر: 7-9].

يقول الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآيات: "يخبر الله تعالى عن كمال لطفه تعالى بعباده المؤمنين وما قيّظ لأسباب سعادتهم من الأسباب الخارجة عن قدرهم من استغفار الملائكة المقربين لهم ودعائهم لهم بما فيه صلاح دينهم وآخرتهم، وفي ضمن ذلك الإخبار عن شرف حملة العرش ومن حوله وقربهم من ربّهم وكثرة عبادتهم ونصحهم لعباد الله لعلمهم أنّ الله يحب ذلك منهم فقال: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْش} أي: عرش الرحمن الذي هو سقف المخلوقات وأعظمها وأوسعها واحسنها وأقربها من الله تعالى الذي وسع الأرض والسماوات والكرسي، وهؤلاء الملائكة قد وكلهم الله تعالى بحمل عرشه العظيم فلا شك أنّهم من أكبر الملائكة وأعظمهم وأقواهم واختيار الله لهم لحمل عرشه وتقديمهم في الذكر وقربهم منه يدل على أنّهم أفضل أجناس الملائكة، قال تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة: 17].

{وَمَنْ حَوْلَهُ}: من الملائكة المقربين في المنزلة والفضيلة.

{يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ}: هذا مدح لهم لكثرة عبادتهم لله تعالى وخصوصاً التسبيح والتحميد وسائر العبادات تدخل في تسبيح الله وتحميده لأنّها تنزيه له عن كون العبد يصرفها لغيره وحمد له تعالى بل الحمد هو العبادة لله تعالى وأمّا قول العبد: ((سبحان الله وبحمده)) فهو داخل في ذلك وهو من جملة العبادات.

{وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا}: وهذا من جملة فوائد الإيمان وفضائله الكثيرة جداً، إنّ الملائكة الذين لاذنوب عليهم يستغفرون لأهل الإيمان فالمؤمن بإيمانه تسبب لهذا الفضل العظيم. ثم ولما كانت المغفرة لها لوازم لا تتم إلاّ بها - غير ما يتبادر إلى كثير من الأذهان أن سؤالها وطلبها غايته مجرد مغفرة الذنوب - ذكر تعالى صفة دعائهم لهم بالمغفرة بذكر ما لا تتم إلاّ به فقال: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً} قد أحاط بكل شيء لا يخفي عليك خافية ولا يغرب عن علمك مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ورحمتك وسعت كل شيء، فالكون علوية وسفلية قد امتلأ برحمة الله تعالى ووسعتهم ووصل إلى ما وصل إليه خلقه.

{فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا} من الشرك والمعاصي.

{وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} باتباع رسلك بتوحيدك وطاعتك.

{وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} أي: قهم العذاب نفسه وقهم أسباب العذاب.

{رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم} على ألسنة رسلك.

{وَمَن صَلَحَ} أي: صلح بالإيمان الصالح.

{مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} زوجاتهم وأزواجهن وأصحابهم ورفقائهم وذرياتهم.

{إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} القاهر لكل شيء فبعزتك تغفر ذنوبهم وتكشف عنهم المحذور وتوصلهم به إلى كل خير.

{الْحَكِيمُ} الذي يضع الأشياء مواضعها، فلا نسألك ياربنا أمراً تقتضي حكمتك خلافه بل من حكمتك التي أخبرت بها على ألسنة رسلك واقتضاها فضلك المغفرة للمؤمنين.

{َقِهِمُ السَّيِّئَاتِ} أي الأعمال السيئة وجزائها لأنّها تسوء صاحبها.

{وَمَن اتَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذُ} أي: يوم القيامة.

{فَقَدْ رَحِمْتَهُ} لأنّ رحمتك لم تزل مستمرة على العباد لا يمنعها إلاّ ذنوب العباد وسيئاتهم فمن وقيته السيئات وفقته للحسنات وجزائها الحسن.

{وَذَلِكَ} أي: زوال المحذور بوقاية السيئات وحصول المحبوب بحصول الرحمة.

{هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} الذي لا فوز مثله ولا يتنافس بأحسن منه.

وقد تضمن هذا الدعاء من الملائكة كمال معرفتهم بربّهم والتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى التي يحب من عباده التوسل بها إليه والدعاء بما يناسب ما دعوا الله فيه فلما كان دعاؤهم بحصول الرحمة وإزالة أثر ما اقتضته النفوس البشرية التي علم الله نقصها واقتضاءها لما اقتضته من المعاصي ونحو ذلك من المبادىء والأسباب التي قد أحاط الله بها علماً توسلوا بالرحيم العليم، وتضمن كمال أدبهم مع الله تعالى بإقرارهم بربوبيته لهم الربوبية العامة والخاصة وأنّه ليس لهم من الأمر شيء وإنّما دعاؤهم لربّهم صدر من فقير بالذات من جميع الوجوه لا يدلي على ربّه بحالة من الأحوال إن هو إلاّ فضل الله وكرمه وإحسانه، وتضمن موافقتهم لربّهم تمام الموافقة بمحبة ما يحبه من الأعمال التي هي العبادات التي قاموا بها واجتهدوا اجتهاد المحبين، ومن العمال الذين هم المؤمنون الذين يحبهم الله تعالى من بين خلقه فسائر الخلق المكلفين يبغضهم الله إلاّ المؤمنون منهم فمن محبة الملائكة لهم دعوا الله واجتهدوا في صلاح أحوالهم لأنّ الدعاء للشخص من أدل الدلائل على محبته لأنّه لا يدعو إلاّ لمن يحبه، وتضمن ما شرحه الله وفصله من دعائهم بعد قوله: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} التنبيه اللطيف على كيفية تدبر كتابه وأن لا يكون المتدبر مقتصراً على مجرد معنى اللفظ بمفرده، بل ينبغي له أن يتدبر معنى اللفظ فإذا فهمه فهماً صحيحاً على وجهه نظر بعقله إلى ذلك الأمر والطرق الموصلة إليه وما لا يتم إلاّ به وما يتوقف عليه وجزم بأنّ الله أراده كما يجزم أنّه أراد المعنى الخاص الدال عليه اللفظ والذي يوجب له الجزم بأن الله أراد أمران:
أحدهما: معرفته وجزمه بأنّه من توابع المعنى والمتوقف عليه.

الثاني: علمه بأنّ الله بكل شيء عليم وأنّ الله أمر عباده بالتدبر والتفكر في كتابه.

وقد علم تعالى ما يلزم من تلك المعاني وهو المخبر بأنّ كتابه هدى ونور وتبيان لكل شيء وإنّه أفصح الكلام وأجله إيضاحاً، فبذلك يحصل للعبد من العلم العظيم والخير الكثير بحسب ما وفقه الله له وقد كان في تفسيرنا هذا كثير منه ما منَّ به الله علينا وقد يخفي في بعض الآيات ما أخذه على غير المتزمل صحيح الفكرة.

ونسأله تعالى أن يفتح علينا من خزائن رحمته ما يكون سبباً لصلاح أحوالنا وأحوال المسلمين فليس لنا إلاّ التعلق بكرمه والتوسل بإحسانه الذي لا نزال نتقلب فيه في كل الآيات وفي جميع اللحظات، ونسأله من فضله أن يقينا شر أنفسنا المانع والمعوق لوصول رحمته إنّك الكريم الوهاب الذي تفضل بالأسباب ومسبباتها وتضمن ذلك أنّ المقارن من زوج وولد وصاحب يسعد بقرينه ويكون اتصاله به سبباً لخير يحصل له خارج عن عمله وسبب عمله كما كانت الملائكة تدعوا للمؤمنين ولمن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم وقد يقال: إنّه لابد من وجود صلاحهم لقوله: {وَمَن صَلَحَ} فحين إذن يكون ذلك من نتيجة عملهم والله أعلم".

وبعد.. فبعد معرفة هذه المعاني الجميلة والحكم والنعم الجليلة فلا تملك المرأة المسلمة العاقلة الرزينة إلاّ أن تحمد الله على ما أولاها من الآلاء والنعم والحفظ والعناية والرعاية والتوجيه إلى ما يصلح أمرها في الدنيا والآخرة، ومنها وقاية السيئات فلا بد لها أن تكون شديدة الحرص على ذلك لها ولمن تحب، وخصوصاً ذريتها بل هي مأمورة بذلك إذ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].

وهنا يتضح الأمر بوجوب حماية الأبناء ووقايتهم من العذاب وتجنيبهم ذلك بتعليمهم شرع الله وتأديبهم وإجبارهم على أمر الله كما جاء في تفسير الآيات إذ قال الشيخ السعدي رحمه الله: "أي يا من من الله عليهم بالإيمان قوموا بلوازمه وشروطه فـ {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} موصوفة بهذه الأوصاف الفظيعة ووقاية الأنفس بإلزامها أمر الله والقيام بأمره امتثالا ونهيه اجتناباً والتوبة عماّ يسخط الله ويوجب العذاب، ووقاية الأهل والأولاد بتأديبهم وتعليمهم وإجبارهم على أمر الله، فلا يسلم العبد إلاّ إذا قام بما أمر الله به في نفسه وفي ما يدخل تحت ولايته من الزوجات والأولاد وغيرهم ممّن هو تحت ولايته وتصرفه.

ووصف الله النّار بهذه الأوصاف ليزجر عباده عن التهاون بأمره فقال: {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} كما قال تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء: 98]، {عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ} أي غليظة أخلاقهم عظيم انتهارهم يفزعون بأصواتهم ويخيفون بمرآهم ويهينون أصحاب النّار بقوتهم ويمتثلون فيهم أمر الله الذي حتم عليهم العــذاب وأوجب عليهم شـدة العقاب {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} وهذا فيه أيضا مدح للملائكة الكرام وانقيادهم لأمر الله وطاعتهم له في كل ما أمرهم به، وبالجمع بين الآيات من سورة غافر والتحريم يتضح للمرأة المسلمة العاقلة أنّها مسئولة عن نفسها في التزام أمر الله وإقامة حكمه وشرعه في نفسها وحياتها وكذلك مسئولة عن تعليم بناتها ذلك لما في ذلك من الوجوب بالأمر - في سورة غافر - من السعادة في الدنيا والآخرة فالمسلمة يجب عليها أن تعلم ابنتها - بناتها - أمر الله وحكمه في الفرائض والواجبات والمستحبات ومنها حكم تعدد الزوجات في الإسلام ومحاسنه ووجوب الرضى به بل والفخر به، إذ أنّه من صنوف تكريم الله للمرأة، وأنّ تعلمها عواقب الرفض والاعتراض والتضجر والاستهزاء وغيره قبل أن تتزوج الفتاة حتى تكون على بينه من أمرها في علاقتها مع زوجها فلا تقع في المحاذير المهلكة من المحبة الشركية أو الطاعة الشركية أو رفض حكم الله - الشرعي والكوني - عليها لو وقع لها ذلك وهي تجهل حكمه فإنّ ما تقع به من الأخطاء والذنوب تتحمل الأم معها ذلك لأنّها خانت الأمانة في تربيتها على دين ربّها وشرعه والله قد حذر من ذلك فقال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27].

فقد جاء في تفسير الآية أنّه سبحانه يأمر عباده المؤمنين بأن يؤدوا ما ائتمنهم عليه من أوامره ونواهيه".

ولتعلم المؤمنة الصالحة أنّ في الاستجابة لله ورسوله حياة حقيقية فيها النعيم والسعادة ولا تشك في ذلك أبدا ولا تضن بالله سوء - والعياذ بالله - كمن يقول أنّ هذا الأمر يعقد البنات ويؤثر في نفسياتهن ويكرهن الدين وغيره من الكلام الباطل، فإنّما نتائج الأعمال بنياتها ومن صدق الله في نيته في رضاه أرضاه وأرضى عنه النّاس قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24]، وهكذا المؤمن الصادق يعلم يقيناً أنّ أحكام الله نعم منّها على عباده يريد أن يطهرهم بها ويتم نعمته عليهم في الآخرة وواجب ذلك الشكر له والثناء عليه لا الحرج في النفوس والاعتراض عليه والعياذ بالله ولترفع المرأة المؤمنة الصادقة صوتها قائلة:

كفى بي فخرا أن يكون لي ربّا *** وكفى بي عزا أن أكون له عبداً

هدانا الله وإيّاكم سواء السبيل وثبتنا على الصراط المستقيم وجمعنا في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.



مع تحيات إخوانكم




سلسلة العلامتين

 

 

ملفات المطوية

اسم الملف تحميل عدد مرات التحميل
سعادة النساء 4

اضف تعليقك

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3144 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3487 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3562 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟