نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

المطويات  (  التوكل على الله ) 

Post
28-1-2009 3549  زيارة   

ومما ينبه إليه هنا أن ضعف التوكل لدى الإنسان إنما ينتج عن ضعف الإيمان بالقضاء والقدر، ذلك لأن من وكل أموره إلى الله ورضي بما يقضيه له ويختاره، فقد حقق التوكل عليه، وأما من وكل أموره لغير الله، وتعلق قلبه به، فهو مخذول غافل عن ربه جل وعلا...

 


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين.

أما بعد:

فإن للتوكل على الله تعالى منزلة عظيمة في الإسلام، يلحظها من تأمل النصوص الواردة فيه، وكل عبد مضطر إليه، لا يستغني عنه طرفة عين، كما أنه من أعظم العبادات من جهة توثق صلته بتوحيد الرب سبحانه، يقول تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} [الفرقان: 58]

في هذه الآية أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يتوكل عليه سبحانه وتعالى، وألا يركن إلا إليه، لأنه الحي الذي الذي لا يموت، وهو القوي القادر سبحانه وتعالى، ومن يتوكل عليه جل وعلا فهو حسبه، أي كافيه ومؤيده وناصره، ومن توكل على غير الله، فإنما يتوكل على من يموت ويفنى، والضعف والعجز يعتوره من كل جهة، ولأجل ذلك فالمتوكل عليه يضيع ويزيغ، وكل من اعتمد على غير الله فقد ضل سعيه.

فدل ذلك على فضل التوكل على الله جل وعلا وتعليق القلب به سبحانه.

والتوكل معناه: صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح ودفع المضار، من أمور الدنيا والآخرة كلها، وأن يكل العبد أموره كلها إلى الله جل وعلا، وأن يحقق إيمانه بأنه لا يعطي ولا يمنع، ولا يضر ولا ينفع، سواه جل وعلا.

وقد حض الله عباده المؤمنين على التوكل في مواضع عديدة من الكتاب العزيز، وبين سبحانه ثمراته وفضائله:
ومن ذلك قوله سبحانه: {وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة: 23]

وقوله عز وجل: {وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51]

وقوله جل وعلا: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]

وقال سبحانه واصفاً عباده المؤمنين في معرض الثناء والمدح: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2]

وفي السنة المطهرة تكاثرت النصوص الموضحة لأهمية التوكل والحض عليه، ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي ابن ماجة عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتعود بطاناً».

قال الحافظ بن رجب رحمه الله: "هذا الحديث أصل في التوكل، وأنه من أعظم الأسباب التي يستجلب بها الرزق، قال االله عز وجل: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 2-3]

ودل حديث عمر المذكور على أن الناس إنما يؤتون من قلة تحقيق التوكل، ووقوفهم مع الأسباب الظاهرة بقلوبهم، ومساكنتهم لها، فلذلك يتعبون أنفسهم في الأسباب، ويجتهدون فيها غاية الاجتهاد، ولا يأتيهم إلا ما ما قدر لهم، فلو حققوا التوكل على الله بقلوبهم لساق الله إليهم أرزاقهم مع أدنى سبب، كما يسوق إلى الطير أرزاقها بمجرد الغدو والرواح، وهو نوع من الطلب والسعي، لكنه سعي يسير، وهذا ما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم: «لرزقكم كما يرزق الطير...»
ومعناه أنها تذهب أول النهار خماصاً، أي ضامرة البطون من الجوع، وتتجه إلى غير وجهة محددة، تطير وتبحث وتسعى ثم ترجع آخر النهار بطاناً، أي ممتلئة البطون.

وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه جابر بن عبدالله رضي الله عنه أنه قال: «إن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل ودعوا ما حرم».

وقال عمر رضي الله عنه: "بين العبد وبين رزقه حجاب، فإن قنع ورضيت نفسه أتاه رزقه، وإن اقتحم وهتك الحجاب لم يزد فوق رزقه".

وقال بعض السلف: "توكل تسق إليك الأرزاق بلا تعب ولا تكلف".

وها هنا تنبيه إلى أن التوكل الصحيح يستلزم من صاحبه أن يعمل الأسباب كما قال تعالى:
{وَاتَّقُواْ اللّهَ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [المائدة: 11]

فجعل التوكل مع التقوى، وهي هنا شاملة للقيام بالأسباب المأمور بها، فالتوكل بدون القيام بالأسباب المأمور بها عجز محض، وإن كان مشوباً بنوع من التوكل، فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزاً، ولا عجزه توكلاً، بل يجعل توكله من جملة الأسباب التي لا يتم المقصود إلا بها.

وهذا المعنى يدل عليه أيضاً ما رواه الترمذي وغيره عن أنس رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله! أعقلها وأتوكل، أو أطقلها وأتوكل؟
قال: «اعقلها وتوكل»

وقد أخطأ في هذا الباب أقوام، فعولوا عجزهم على التوكل، وتذرعوا به، فضيعوا من الحقوق والواجبات لأنفسهم ولعيالهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت»

ولمثل أولئك قال عليه الصلاة والسلام: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقولن لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان».

ومما ينبه إليه هنا أن ضعف التوكل لدى الإنسان إنما ينتج عن ضعف الإيمان بالقضاء والقدر، ذلك لأن من وكل أموره إلى الله ورضي بما يقضيه له ويختاره، فقد حقق التوكل عليه، وأما من وكل أموره لغير الله، وتعلق قلبه به، فهو مخذول غافل عن ربه جل وعلا.

روى ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى..».

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وما رجا أحدٌ مخلوقاً ولا توكل عليه إلا خاب ظنه فيه، فإنه مشرك، قال تعالى: {وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31]

قال الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب رحمهم الله: التوكل قسمان:

أحدهما: التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، كالذين يتوكلون على الأموات والطواغيت في رجاء مطالبهم، من نصر أو حفظ رزق أو شفاعة، فهذا شرك أكبر.

والثاني: التوكل في الأسباب الظاهرة، كمن يتوكل على أمير أو سلطان فيما أقدره الله تعالى عليه من رزق أو دفع أذى ونحو ذلك، فهو نوع من شرك أصغر.

والوكالة الجائزة هي توكيل الإنسان الإنسان في فعل ما يقدر عليه نيابياً، لكن ليس له أن يعتمد عليه في حصول ما وكل فيه، بل يتوكل على الله في تيسير أمره الذي يطلبه بنفسه أو نائبه، وذلك من جملة الأسباب التي يجوز فعلها، ولا يعتمد عليها بل يعتمد على المسبب الذي أوجد السبب والمسبب.

ومما يزيد إيضاح تحقيق التوكل والعمل بالأسباب مع تعليق القلب بالله وحده، ما أخبر به أبو بكر الصديق رضي الله عنه في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة، إذ قال: نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رؤوسنا
فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا
فقال: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما».

وتصديقه قوله تعالى: {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40]

ومن توكل على الله فإنه ينال من فضائله وثمراته بحسب تحقيقه له ما لا يخطر له على بال، ولا يحبط به مقال، فهو أشرح الناس صدراً، وأطيبهم عيشاً، قال تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3]

ولأهمية هذه المسألة فقد عدها العلماء في أبواب التوحيد والعقائد، إذا أنها من أجل العبادات وأعظمها، ولذا عقد لها الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب باباً في كتابه "كتاب التوحيد" ودلل عليها وبين أنها من الفرائض ومن شروط الإيمان، فالواجب على كل مسلم ومسلمة العناية بها وتعاهد قلبه على ذلك.

وفقنا الله لهداه، ورزقنا صدق التوكل عليه، وحسن الإنابة، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


إعداد خالد بن عبدالرحمن الشايع

 
دار الوطن
الملز : الدائري الشرقي - مخرج 15 - بعد أسواق المجد بـ 2كم غرباً
هاتف: 0096614792042
فاكس : 0096614723941

موقع وذكر الإسلامي

ملفات المطوية

اسم الملف تحميل عدد مرات التحميل
التوكل على الله 1

اضف تعليقك

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3146 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3489 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3563 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟