نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

المطويات  (  نعمــة البــــلاء ) 

Post
27-1-2009 3520  زيارة   

إذا أراد الله بقوم خيراً ابتلاهم...


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله القائل: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ} [البقرة: 155].

والقائل سبحانه: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً} [آل عمران: 186].

وأصلي وأسلم على رسوله الخاتم القائل: «إذا أراد الله بقوم خيراً ابتلاهم».

والقائل: «إن البلايا أسرع إلى من يحبني من السبيل إلى منتهاه».

والقائل: «يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطي أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم قرضت بالمقاريض في الدنيا».

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك وآله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فقد جرت سنة الله أن يبتلى العباد، وقد تتعدد صور الابتلاء والفتن، فمن الناس من يبتلى في نفسه، ومنهم من يبتلى في عرضه، ومنهم من يبتلى في ماله، ومنهم من يبتلى في ولده، ومن الناس من يبتلى بالخوف والجوع أو التشريد أو التعذيب، ومنهم من يبتلى بالسراء وسعة العيش ورغد الحياة وكثرة المال والجاه والسلطان، وأشدهم بلاء وأعظمهم فتنة من يبتلى في دينه والعياذ بالله، فليس لمصيبته جبران، وليس لبلائه عوض.

والشاهد أنّ الإنسان المسلم والكافر لا يخلو أن يكون معرضاً لنوع من الابتلاء، فمن صبر فله الصبر وثوابه، ومن شكر فله نعيم الشكر وجزاؤه، ومن جزع وسخط فعليه وزر السخط وعقابه فلا يلومنّ إلا نفسه.

قال وهب بن منبه رحمه الله: "لا يكون الرجل فقيهاً كامل الفقه حتى يعد البلاء نعمة، ويعد الرخاء مصيبة".

ولله در القائل:


قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت
ويبتلـي الله بعض القوم بالنعــم


إنّ من نعم الله على المسلم أن يختاره ليكون محل عبوديته، وإن من فقه المسلم أن يعلم إذا أصابته المصيبة ووقع عليه البلاء أن الله أراد به الخير، فحريُّ بالمسلم أن يقابل هذه النعمة بعبودية الشكر، ويصبر على ألم البلاء، فيتقلب بين مقامي الشكر والصبر، وهو يشاهد منة الله عليه.

دخل أبو سعيد الخدري رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو موعوك، عليه قطيفة، فوضع يده عليه، فوجد حرارتها فوق القطيفة.

فقال أبو سعيد: ما أشد حر حماك يا رسول الله؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنا كذلك يشدد علينا البلاء، ويضاعف لنا الأجر».
ثم قال: يا رسول الله: من أشد النّاس بلاء؟
قال: «الأنبياء».
قال: ثم من؟
قال: «ثم العلماء».
قال: ثم من؟
قال: «ثم الصالحون، كان أحدهم يبتلى بالفقر، حتى ما يجد إلا العباءة يلبسها، ويُبتلى بالقُمَّل حى تقتلهم، ولأحدهم أشد فرحاً بالبلاء من أحدكم بالعطاء».

ولكن كيف نعد البلاء نعمة؟
وكيف يفرح أحدنـا بالبــلاء؟

عندما نعلم علم اليقين، ويستقر في قلوبنا، ونستحضر الأسباب المعينة على الصبر على البلاء، فنشهد جزاء المصيبة وثواب البلية إذا قابلنا قدر الله وقضاءه بصبر جميل عار من الجزع، وليس فيه تسخط، كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثواب من يصاب بفقد بصره عندما يصبر ويحتسب أن الله لم يجعل له ثواباً دون الجنة، كما هو في صحيح البخاري وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من مؤمن يشوكه شوكة فما فوقها إلاّ حط عنه خطيئة ورفع له بها درجة».

كما ينبغي أيضاً في حق المصاب وهو يشاهد ثواب المصيبة يشاهد أيضاً وهو مكثر من الذنوب أن مصيبته هذه تكفر عنه سيئاته وتحط عنه خطاياه، وتنقيه وتطهره من دنس المعصية، حتى يرد على الله مبرءً من أوساخ الذنوب وأدران المعاصي، كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مصيبة يصاب بها المؤمن إلاّ كفّر بها عنه حتى الشوكة يشاكها».

وقوله: «ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفّر عنه من سيئاته».

كما ينبغي للمؤمن وهو يتعرض للبلاء أن يشاهد حق الله في تلك البلوى، فالله هو السيد، ومن حق السيد أن يفعل في عبده ما يشاء ولا يسأل عما يفعل، سبحانه وتعالى.

وأفعال الرب تعالى جارية على منوال الحكمة، فهو منزه عن كل نقص وعيب وعبث، فإذا ابتلى عباده ابتلاهم بحكمة وإذا عافاهم عافاهم لحكمة أيضاً، علم ذلك من علمه، وجهل ذلك من جهله، ومن ظن أنّ الله عز وجل يصيب البلاء على العباد لمحض المشيئة وليس عقوبة للعصاة أو رفعاً لمنزلة الصالحين وإرادة الخير بهم وغير ذلك من حكم الابتلاء، فمن ظن ذلك بالله سبحانه فقد ظن به ظنّ السوء وظن الجاهلية.

كما ينبغي للمؤمن أن يشاهد ترتب المصائب عليه بسبب ذنوبه، كما قال سبحانه: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} [الشورى: 30]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يصيب عبداً نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر».
وقال صلى الله عليه وسلم: «ما اختلج عرق لا عين إلا بذنب، وما يدفع الله عنه أكثر».

وقال سبحانه: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممّن يعمله لم يغيروه إلاّ عمهم الله بعقاب».

فحريُّ بالمؤمن أن يشاهد أن ما أصابه من دقيق وجليل وحقير وعظيم إنما بسبب ذنوبه ومعاصيه، فيحدث لذلك توبة واستغفاراً، ويعلم أن الله لا يظلم الناس شيئاً، فيشغله شهود هذا السبب بالاستغفار والندم والتوبة والتضرع والإنابة، وذلك من الأسباب التي تدفع بها المصائب ويعقب ذلك فعل الطاعات وعمل الخيرات التي يدفع بها البلاء، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "ما نزل بلاء إلاّ بذنب ولا رفع بلاء إلاّ بتوبة".

كما ينبغي للمؤمن أن يعلم أن ما أصابه هو اختيار الله له ورضاه به، وما كان لعبد وما ينبغي له إلاّ أن يرضى باختيار الله وإلاّ يرضى بما رضيه الله، فبئس العبد إذن إذا اختار غير ما اختار الله ورضي بغير ما قدر الله له وارتضاه.

فالعبودية الصادقة الخالصة تقتضي موافقة العبد لسيده، وإذا لم يوف العبد قدر مقام الرب وعظمته فهو لضعف فيه، فلينزل إلى مقام الصبر ويستوطنه، فلا يبرجه ولا يتعدى ساحته ولا يخرج من تحت ظله، فإن استزله الشيطان وزحزحه عن أرض الصبر فقد نزل بساحة الظالمين، وتعدى الحق، وتجاوز خط الأمان وليوقن ساعتها أنه على شفا هلكة.

كما ينبغي على المسلم أن يعلم أنّ الله إذا أصابه ببلاء فإنما يقدم له الدواء النافع، ويسوق له العلاج الناجح، فهو سبحانه العليم الرحيم يعلم أن هذا العبد لا ينفع له إلاّ هذا الدواء، وذاك العبد لا يصلح له إلاّ ذاك العلاج، وكل ميسر لما خلق له، وهو الرحيم سبحانه يرحم عباده بأن يبتليهم ببعض المصائب ليكفر عنهم سيئاتهم حتى يردوا عليه يوم القيامة مطهرين طيبين ليس فيهم دنس أو خبث، أو يرفع من شأنهم ويعلي من منازلهم، فالرحمة الحقيقية صفة تستلزم إيصال المنافع والمصالح إلى العباد، وإن كرهتها أنفسهم وشقّت عليهم، فأرحم الناس بك من يشق عليك لكي يدفع عنك الضر، ويقرب إليك المصالح والمنافع: كمثل الأب الذي يطلب من الطبيب أن يقطع قدم ابنه المريض لكي لا ينتشر المرض الخطير إلى سائر الجسد، فهو يقطع عضواً ويشق على ابنه من أجل رحمته والمحافظة عليه.

فليصبر المسلم على تجرع الدواء وإن كان مراً، فهو عند الحكيم الخبير العليم الرحيم.
ولقد جاء في الأثر: أن الله إذا أحبّ عبده حماه الدنيا وطيباتها وشهواتها كما يحمي أحدكم مريضه.

كما ينبغي للمسلم المبتلى أن يعلم أنّ عاقبة هذا الدواء تؤول به إلى الشفاء والعافية وزوال الآلام والأوجاع، فإذا وقف العبد على مرارة الدواء وكراهيته وشدته على نفسه وصعوبة غصصه، فعندما يتجرع العبد الدواء المستكره فلينظر إلى عاقبته الحسنة، ويتنسم شذا العافية بعد الألم والصحة بعد المرض، فتهون عليه مرارة الدواء، فالبلاء هو الدواء، يستشفى به مريض الذنوب والمعاصي.

قال الله تعالى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]

وقال تعالى: {فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} [النساء: 19]

كما ينبغي للمسلم المبتلى أن يعلم أن المصيبة إذا حلت بساحته وأقلبت عليه بخيلها ورجلها وهجمت عليه بحدها وحديدها أنها ما جاءت لتقضي عليه وتهلكه، بل ساقها الله إليه ليمتحن صبره ويختبره، فإذا تلقى العبد قدر الله وقضاءه بنفس راضية مستسلمة خاضعة ذليلة منكسرة بين يدي مولاه وانطرح على باب عبوديته يتضرع له سبحانه اصطفاه الله واجتباه وألبسه ملابس الفضل والإكرام وقربه إليه.

أمّا والعياذ بالله إن سخط وجزع ولم يصبر ونكص على عقبيه وانقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، وصارت المصيبة في حقه مصيبتين كما قال ابن المبارك رحمه الله: "إن المصيبة واحدة، فإذا جزع صاحبها فهي اثنتان، لأن إحداهما المصيبة بعينها، والثانية ذهاب أجره، وهو أعظم من المصيبة".

أمّا الصابر المحتسب بصبره تصير مصيبته في حقه نعماً كثيرة، وما بين منزلة الصابر ومنزلة الساخط إلا صبر ساعة.

والمصيبة لا بد أن يزول ألمها، ولكن شتان بين هذا وذاك، فتقلع المصيبة عن هذا وتخلف وراءها نعيماً وكرامات وخيرات بسبب صبره، وتقلع عن ذلك وتخلف وراءها من أنوع الخزي والحرمان ما يشاء ويختار، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

كما ينبغي للمسلم أن يوقن أن الله عز وجل يتعاهده طوراً بالبلاء وطوراً بالرخاء، وحيناً بلبسه لباس العافية وحيناً آخر يسلط عليه الأمراض والأسقام، ليربي عبده على القيام بحقائق العبودية الخالصة، ويتقلب بين مقامي الصبر والشكر، يسكن في منازل الصابرين إذا داهمته الدواهي وأصابته المصائب، ويرتع في رياض الشكر إذا نزلت عليه سحائب النعم وأمطرت عليه الخيرات.

فلا ينفعك المؤمن عن أن يكون في أحد المقامين: إما أن يكون في حالة حسنة ونعمة وعافية فيشكر، وإما أن يكون في حالة حرمان ومنع وفاقة وبلاء فيصبر.

والمؤمن مثله كمثل الذهب المشوب بالنحاس، فإذا دخل تنور الابتلاء نقَّاه وصفاه وخلّصه، وأصبح ذهباً صافياً، فأي نعمة بجوار هذه النعمة وأي منة جنب هذه المنة فكيف لا يشكر العبد ربه الذي جعل له من البلاء ما يستخرج خبثه وينقيه ويطهره.

قال ابن القيم رحمه الله: "إذا ابتلى الله عبده بشيء من أنواع البلايا والمحن فإن رده ذلك الابتلاء والمحن إلى ربه وجمعه عليه وطرحه بابه، فهو علامة سعادته وإرادة الخير به، والشدة بتراء لا دوام لها وإن طالت، فتقلع عنه حين تقلع وقد عوّض منها أجل عوض وأفضله وهو رجعوعه إلى الله بعد أن كان شارداً عنه، وإقباله عليه بعد أن كان نائياً عنه وانطراحه على بابه بعد أن كان معرضاً، وللوقوف على أبواب غيره متعرضاً، وكانت البلية في حق هذا عين النعمة وإن ساءته وكرهها طبعه ونفرت منها نفسه، فربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها سبباً ما مثله سبب، وقوله تعالى في ذلك هو الشفاء والعصمة:
{وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]
وإن لم يرده ذلك البلاء إليه، بل شرد قلبه عنه ورده إلى الخلق وأنساه ذكر ربه والضراعة إليه والتذلل بين يديه والتوبة والرجوع إليه فهو علامة شقاوته وإرادة الشر به، فهذا إذا أقلع عنه البلاء رده إلى حكم طبيعته وسلطان شهوته ومرحه وفرحه، فجاءت طبيعته عند القدرة بأنواع الأشر والبطر والإعراض عن شكر المنعم عليه بالسراء، كما أعرض عن ذكره والتضرع إليه في الضراء، فبلية هذا وبال عليه وعقوبة ونقص في حقه، وبلية الأول تطهير له ورحمة وتكميل وبالله التوفيق".

فمطالعة ومشاهدة هذه الأمور تعين العبد على الصبر على البلاء ويكون البلاء في حقه نعمة ومنة تثمر الشكر، هذا لمن وقع في دائرة البلاء وحلّت بساحته المصائب، أما من كان في عافية وستر فلا يتمنى أن يقع به البلاء وليسأل الله العافية.

ثبت عن إبراهيم النخعي عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنّه قال:
"سلوا الله العافية، فلستم بعباد بلاء، إن كان الرجل من قبلكم ليسأل الكلمة فيأباه، حتى يوضع المنشار على رأسه فيشق بنصفين وما يعطيها".

ولا يتمنى المسلم لقاء العدو أو نزول البلاء عليه أو أن يتعرض لما لا يطيقه، فقد ثبت عن أنس رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى صلى الله عليه وسلم عاد رجلاً من المسلمين قد خفَتَ فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إيّاه؟».
قال: نعم، كنت أقول: اللّهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجّله لي في الدنيا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله! لاتطيقه -أو لا تستطيعه- أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار».
قال: فدعا الله له فشفاه.

وثبت عن ثابت البناتي عن مطرف قال: "لأن أعافى فأشكر أحبّ إليّ من أن أبتلى فأصبر".

وعن معمر عن قتادة قال: "حظ من علم أحب إلى من حظ عبادة، ثم قال: ونظرت في الخير الذي لا شر فيه فلم أر مثل المعافاة والشكر".

وعن حميد بن هلال قال: "قال مطرف: ما خير لا شر فيه ولا آفة، ولكل شيء آفة، فإذا هو أن يعافى عبد فيكشر".

وعن أبي الدرداء قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاء وما أعدّ الله لصاحبه من جزيل الثواب إذا هو صبر.
فقلت: يا رسول الله لئن أعافى فأشكر أحب إليّ من أن أبتلى فأصبر؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ورسول الله يحبّ معك المعافاة».

قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله في ظلاله:
"ومع هذا فإنّ العبد المؤمن يرجو ألاّ يتعرض لبلاء الله وامتحانه، ويتطلع إلى عافيته ورحمته، فإذا أصابه بلاء الله بعد هذا صبر له، وهو مدرك لما وراءه من حكمة، واستسلم لمشيئة الله واثقاً من حكمته، متطلعاً إلى رحمته، واستسلم لمشيئة اله واثقاً من حكمته، متطلعاً إلى رحمته وعافيته بعد الابتلاء، وقد روى عن الفضيل بن عياض العابد الصوفي أنّه كان إذا قرأ هذه الآية بكى، وقال: اللّهم لا تبلنا، فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا".

كما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللّهم إنّك عفو تحب العفو فاعفو عني».وثبت أيضاً: «اللّهم إنّي أسألك العفة والعافية في دنياي وديني وأهلي ومالي».

وقال ابن القيم رحمه الله: "ومنها إقامة حجة عدله على عبده، ليعلم العبد أن لله عليه الحجة البالغة، فإذا أصابه ما أصابه من المكروه فلا يقال: من أين هذا؟ ولا من أين أتيت؟ ولا بأي ذنب أصبت؟

فما أصاب العبد من مصيبة قط دقيقة ولا جليلة إلا بما كسبت يداه وما يعفو الله عنه أكثر، وما نزل بلاء قط إلاّ بذنب، ولا رفع بلاء إلاّ بتوبة، ولهذا وضع الله المصائب والبلايا والمحن رحمة بين عباده يكفر بها من خطاياهم فهي من أعظم نعمه عليهم وإن كرهتها أنفسهم ولا يدري العبد أي النعمتين عليه أعظم نعمته عليه فيما يكره أو نعمته عليه فيما يحب، وما يصيب المؤمن من همّ ولا وصب ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلاّ كفّر الله بها من خطاياه، وإذا كانت الذنوب عقوبات ولا بد فكلّ ما عوقب به العبد من ذلك قبل الموت خير له فما بعده أيسر وأسهل بكثير".

وقال العلامة محمد المنبجي الحنبلي رحمه الله: "وليعلم أهل المصائب أنّه لولا محن الدنيا ومصائبها لأصاب العبد من أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب ما هو سبب هلاكه عاجلاً وآجلاً، فمن رحمة أرحم الراحمين أن يتفقده في الأحيان بأنواع من أدوية المصائب تكون حمية له من هذه الأدواء وحفظاً لصحة عبوديته واستفراغاً للمواد الفاسدة الرديئة المهلكة، فسبحان من يرحم ببلائه ويبتلي بنعمائه".

وقال ابن القيم رحمه الله: "فالرب يبتلي بنعمه وينعم بابتلائه، غير أن الصبر والشكر حالتان لازمتان للعبد في أمر الرب ونهيه وقضائه وقدره، لا يستغني عنهما طرفة عين".

((اللّهم أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك))

وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين.

دار القاسم

المملكة العربية السعودية_ص ب 6373 الرياض 11442
هاتف: 4092000/ فاكس: 4033150
 

فريق عمل موقع وذكر الإسلامي


اضف تعليقك

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3145 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3489 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3563 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟