نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

المطويات  (  الخوف من الشرك ) 

Post
2-9-2012 3758  زيارة   

وحيث أن المسلم مأمور بعبادة الله وحده لا شريك، لابد أن يخاف من ضده وهو الشرك ليحذره المؤمن ويخافه على نفسه.


بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الحمد لله ربِّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
لأجل توحيد الله -عزَّ وجلَّ- وإفراده بالعبادة خلقت الخليقة ولتحقيقه شرعت كلّ عبادةٍ، فالتَّوحيد هو الغاية العظمى والهدف الأسمى والمقصد الأسنى، قال -تعالى-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذَّاريات: 56].
وحيث أنَّ المسلم مأمورٌ بعبادة الله وحده لا شريك، لابد أن يخاف من ضدِّه وهو الشَّرك؛ ليحذره المؤمن ويخافه على نفسه.

فقد كان الأنبياء يخافون على أنفسهم من الوقوع فيه، وقد حذر الله الأنبياء -مع منزلتهم العالية- منَ الوقوع منَ الشِّرك -وحاشاهم ذَٰلك- قال -تعالى-: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَ‌كْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِ‌ينَ} [الزُّمر: 65].
وعلى ذَٰلك سار السَّلف الصَّالح ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.

وفي الحديث أنّه -صلَّى الله عليه وسلمَّ- كان يقول: «إنَّ قلوب بني آدم كلّها بين إصبعين من أصابع الرَّحمن كقلبٍ واحدٍ يصرفه حيث يشاء ثمَّ قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: اللهمَّ مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك» [رواه مسلم 2654]، فإن شاء -سبحانه- أقامها على دينه وإن شاء أزاغها، فالعبد إذا منَّ الله عليه بالتَّوحيد علمًا وعملًا فعليه الخوف من زوال هذه النِّعمة العظيمة.

وحقيقة الخوف منَ الشِّرك، صدق الالتجاء إلى الله والاعتماد عليه والابتهال والتَّضرُّع له والبحث والتَّفتيش عنِ الشِّرك ووسائله وذرائعه ليسلم من الوقوع فيه فإنَّ عقابه عظيمٌ وجرمه كبيرٌ.
قال الله -تعالى-: {إِنَّ اللَّـهَ لَا يَغْفِرُ‌ أَن يُشْرَ‌كَ بِهِ} [النِّساء: 48] أي: لا يغفر لعبدٍ لقيه وهو مشركٌ به، أي عادل غيره به فيما يختصُّ به -سبحانه- وصارفٌ خالص حقِّه لغيره، ومشبه المخلوق العاجز بمن له الكمال المطلق من جميع الوجوه، وإذا كان من مات على الشِّرك لا يغفر له، وجب على العبد شدَّة الخوف منَ الشِّرك الَّذي هذا شأنه عند الله، ومع كونه أعظم الذُّنوب عند الله -سبحانه- ولا يغفر لمن لقيه فهو هضم للرُّبوبيَّة، وتنقُّصٌ للإلوهيَّة وسوء ظنٍّ بربِّ العالمين.

ثمَّ قال -سبحانه-: {وَيَغْفِرُ‌ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النِّساء: 48] أي يغفر ما دون الشِّرك منَ الذُّنوب لمن يشاء من عباده، وفي الصَّحيح أنَّه -صلَّى الله عليه وسلَّم -أعطى ثلاثًا منها: «وغفر لمن لم يشرك بالله من أمَّته شيئًا المقحمات» [رواه مسلم 173] يعني الكبائر، ففيه فضل السَّلامة منَ الشِّرك قليلة وكثيرة، صغيرة وكبيرة، فتبين بهذه الآية ونحوها أنَّ الشِّرك أعظم الذُّنوب؛ لأنَّ الله أخبر أنه لا يغفر لمن لم يتب منه، وأمَّا ما دونه منّ الذُّنوب فهو داخل تحت المشيئة، إن شاء غفر لمن لقيه به، وإن شاء عذبه.

ولهذا يجب الحذر منَ الشِّرك كله ومن ذَٰلك: ما وقع فيه كثيرٌ من المنتسبين إلى الإسلام من الشِّرك الأكبر وذلك بالغلو في الأنبياء والصَّالحين بسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات، والنَّذر والذَّبح لهم، وطلب الشَّفاعة منهم، وقد حذَّر النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أمَّته من ذَٰلك، ولا كفارة لهذا الشِّرك إلا بالتَّوبة منه، وإخلاص العمل لله وحده، وإلا فمن مات عليه فإنَّه مخلَّدٌ في النَّار، قال -تعالى-: {إِنَّهُ مَن يُشْرِ‌كْ بِاللَّـهِ فَقَدْ حَرَّ‌مَ اللَّـهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ‌ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ‌} [المائدة: 72].

وها هو الخليل -عليه السَّلام- يدعو ربَّه بدعاءٍ عظيمٍ: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35]. أي: اجعلني وبنيَّ في حيِّزٍ وجانبٍ من عبادة الأصنام، وباعد بيننا وبينها، وهذا ممَّا يُخيف العبد، فإذا كان الخليل -عليه السَّلام- إمام الحنفاء الَّذي جعله الله أمَّةً واحدةً، وابتُليَ بكلماتٍ فأتمهنَّ، وقد كسر الأصنام بيده يخاف أن يقع في الشِّرك، فكيف يأمن الوقوع فيه من هو دونه بمراتب، بل أولى بالخوف منه وعدم الأمن بالوقوع فيه.
قال إبراهيم التَّيمي: "ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟!" وقد وقع فيه الكثير من هذه الأمَّة بعد القرون المفضَّلة، فبنيت المساجد والمشاهد وغيرها، وصرفت لها العبادات بأنواعها، وشابهوا ما وقع في الجاهلية وأعظم واتخذوا ذَٰلك دينًا، وهي أوثان وأصنام، فإنَّ الصَّنم ما كان مصورا على أي صورةٍ، والوثن ما عبد ممَّا ليس له صور كالحجر والأبنية، وقد سمِّي الصَّنم وثنًا، كما قال الخليل: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا} [العنكبوت: 17] فالأصنام أوثان كما أنَّ القبور بالنصِّ أوثان، فالوثن أعمّ".
وقال بعض العلماء: "كل ما عبد من دون الله، بل كل ما يشغل عن الله يقال له صنمٌ، وقد بيَّن الخليل -عليه السَّلام- السَّبب الَّذي أوجب له الخوف من ذَٰلك بقوله: {رَ‌بِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرً‌ا مِّنَ النَّاسِ} [إبراهيم: 36]".

لم يترك النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- خيرًا إلا دلَّ أمَّته عليه، ولا شرًّا إلا حذرها منه، ومن أعظم الشِّرك الَّذي حذَّرها منه الرِّياء؛ وهو أن يظهر العبد عبادته أو يحسنها ليراه الناس فيمدحونه عليها، وهذا شركٌ أصغر يبطل العمل الَّذي قارنه، ويأثم صاحبه؛ لأنَّ الله -تعالى- لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصًا. فإذا كان -صلَّى الله عليه وسلَّم- يخاف الشِّرك على أصحابه، الَّذين وحَّدوا الله ورغبوا إلى ما أمروا به وهاجروا وجاهدوا وعرفوا ما دعاهم إليه نبيُّهم، فكيف لا يخافه وما فوقه من لا يدانيهم، ومن لا نسبة له إليهم في علمٍ ولا عملٍ، خصوصًا إذا عُرِف أنَّ أكثر النَّاس اليوم بل كثير من علماء الأمصار لا يعرفون منَ التَّوحيد إلا ما أقرَّ به المشركون، لو يعرفوا معنى الإلهيَّة الَّتي نفتها كلمة الإخلاص عن كلِّ ما سوى الله، ويقولون من قالها فهو مسلمٌ وإن فعل ما فعل، فينبغي للإنسان أن يحذر كلَّ الحذر، ويخاف أن يقع في الشِّرك الأكبر إذا كان الشِّرك الأصغر مخوفًا على الصَّالحين، وقد أخبر -صلَّى الله عليه وسلَّم- أمَّته بوقوع الشِّرك، وقد عمت به البلوى في أكثر الأقطار حتَّى اتخذوها دينًا مع ظهور البراهين في النَّهي عنه، والتَّخويف منه.

والشِّرك قسمان أكبر وأصغر، وبينهما فرق في الحكم والحدُّ فالأكبر أن يسوي غير الله بالله فيما هو خصائص الله كالمحبَّة والدُّعاء والذَّبح، وحكمه أنَّه لا يغفر لصاحبه أبدًا إلا بالتَّوبة أنَّه يحبط جميع الأعمال، وأنَّ صاحبه خالدٌ مخلدٌ في النَّار، والأصغر هو ما أتى في النُّصوص أنَّه شركٌ، ولم يصل إلى حدِّ الشِّرك الأكبر، وحكمه أنَّه لا يغفر لصاحبه إلا بالتَّوبة؛ لعموم قوله -تعالى-: {إِنَّ اللَّـهَ لَا يَغْفِرُ‌ أَن يُشْرَ‌كَ بِهِ} [النِّساء: 48] وأنََّّه يحبط العمل الذي قارنه، ولا يوجب التَّخليد في النَّار ولا ينقل عنِ الملَّة ويدخل تحت الموازنة وإن حصل معه حسنات راجحةٌ على ذنوبه دخل الجنَّة وإلا دخل النَّار. ولا يخفى أنَّ الدُّعاء عبادةٌ من أجلِّ العبادات، وأعظم القربات فمن جعل الله ندًّا يدعوه سواء كان ملكًا مقرَّبًا أو نبيًّا مرسلًا أو عبدًا صالحًا أو غير ذَٰلك؛ فقد وقع في الشِّرك الأكبر الَّذي لا ينفع معه عملٌ صالحٌ ولو كان صاحبه من أعبد النَّاس.
قال -تعالى-: {وَقَالَ رَ‌بُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60].

وفي الحديث الَّذي رواه البخاري عنِ النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنَّه قال: «من مات يجعل لله ندًّا أدخل النَّار» [رواه البخاري 6683].
في هذا الحديث التَّحذير منَ الشِّرك والتَّخويف منه، فمن جعل لله ندًّا في العبادة، يدعوه ويسأله ويستغيث به نبيًّا كان أو غيره دخل النَّار. والنِّدُّ المثل والشَّبيه، واتخاذ النِّد على قسمين: أن يجعل لله شريكًا في أنواع العبادة أو بعضها، فهذا شركٌ أكبر، والثَّاني: ما كان من نوع الشِّرك الأصغر، كقول الرَّجل: ما شاء الله وشئت، ولولا الله وأنت، وكيسير الرِّياء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وكبخله -لحبِّ المال- ببعض الواجب وهو شرك أصغر، وحبِّه لما يبغضه الله حتَّى يقدِّم هواه على محبَّة الله شرك أصغر".

وفي الحديث الصَّحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «من لقيَ اللهَ لا يشركُ بهِ شيئًا دخلَ الجنَّةَ» [متفقٌ عليه واللفظ للبخاري 129].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "هذا حديث الموجبتين، موجبة السَّعادة، وموجبة الشَّقاوة".
وفي الحديث يبيِّن -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنه من مات لم يتَّخذ مع الله شريكًا في الإلهيَّة، ولا في الخلق، ولا في العبادة دخل الجنَّة، ففيه فضيلة السَّلامة منِ الشِّرك ومن حديث أبي ذر -رضي الله عنه- أنَّ النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «ما من عبدٍ قالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ ثمَّ ماتَ على ذلكَ إلَّا دخلَ الجنَّةَ قلتُ: وإن زنى وإن سرقَ؟ قالَ: وإن زنى وإن سرق قلتُ: وإن زنى وإن سرقَ؟ قالَ: وإن زنى وإن سرق ثلاثًا. ثمَّ قالَ في الرَّابعةِ على رغمِ أنفِ أبي ذرٍّ» [متَّفقٌ عليه]، ودخول من مات غير مشرك الجنَّة مقطوعٌ به لكن إن لم يكن صاحب كبيرة مات مصرُّا عليها أوَّلًا، وإلا عذب ثمَّ خرج منَ النَّار وأُدخل الجنَّة.

فإذا كان التَّغليظ في النَّهي عنِ الشِّرك بهذه الشِّدَّة فينبغي شدَّة الخوف منه. وقوله: «شيئًا» نكرة تعمُّ قليل الشِّرك وكثره، أمَّا الأكبر فلا عمل معه البتَّة، ويوجب الخلود في النَّار، ولا فرق بين الكافر عنادًا وغيره، ولا بين من انتسب إلى ملَّة الإسلام أو خالفها، ومن المعلوم بالضَّرورة منَ الدِّين المجمع عليه عند أهل السُّنَّة أنَّ من مات لا يشرك بالله شيئًا يدخل الجنَّة، وإن جرت عليه قبل ذَٰلك أنواع من العذاب والمحن، وأمَّا الشِّرك الأصغر كيسير الرِّياء، وقول الرجل: ما شاء الله وشئت، وما لي إلا الله وأنت، ونحو ذَٰلك فيطلق عليه الشِّرك، ولكن لا يخرج بذلك من الملَّة بالكليَّة، ولا يستحق اسم الكفر على الإطلاق، فهو أخفّ من الأكبر، وقد يكون أكبر بحسب حال قائله ومقصده من كتاب: خطب التَّوحيد المنبريَّة).


عبدالملك القاسم
دار القاسم


-بتصرفٍ يسيرٍ-

ملفات المطوية

اسم الملف تحميل عدد مرات التحميل
الخوف من الشرك 6

اضف تعليقك

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3138 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3476 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3549 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟