نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

المطويات  (  تنبيه الأنام لآداب الطَّعام ) 

Post
22-5-2012 2024  زيارة   

 

ما استغنى عنِ الطَّعام من خلق الله إلا الملائكة فكانت صفة فضلٍ وُسِمُوا بها {فَلَمَّا رَ‌أَىٰ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ} [هود: 70]، أمَّا سائر الخلق من إنسٍ وجنٍّ وبهيمةٍ فيقتات بافتقارٍ، واستغناؤه مرضٌ ونقصٌ، وترشيد آداب الطَّعام مهمّةٌ جليلةٌ، وإذا كثرت معافسة المرء لأمرٍ طغى الحديث فيه وعُظم، فالحديث عنِ الطَّعام ذو شجونٍ، وهو أشهى لدى أناسٍ من حديث العُشَّاق، ورؤيته أحبّ إليهم من مشهد مغيب الشَّفق في آكام البِحار، وصوت المقلاة أطرب إلى أسماعهم من المزمار. وكلَّما تعفَّف المرء عنِ التَّغذي -من غير تصنُّعٍ- عظمت مروءته وجلَّت منزلته، فنَزْرة الأكل علامة الإيمان كما في الحديث أنَّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّ-م ضافه ضيفٌ، وهو كافرٌ، فأمر له رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- بشاةٍ فحلبت. فشرب حلابها ثمَّ أخرى فشربه ثمَّ أخرى فشربه حتَّى شرب حلاب سبع شياه ثمَّ أنَّه أصبح فأسلم فأمر له رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- بشاةٍ فشرب حلابها ثمَّ أمر بأخرى فلم يستتمها، فقال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «المؤمن يشرب في معي واحد . والكافر يشرب في سبعة أمعاء» [رواه مسلم 2063]. ويشبّه هؤلاء بالعصافير فأجمل به من تشبيهٍ.. أم النَّهِم فصاحبه يشبه بالعِجل المُسمَّن، يعيش لأجل العلف ثمَّ يكون هلاكه بذلك، ونظراته تقارن بأحداق الهرَّة الَّتي تجوع عينُها قبل المعدة. والطَّعام شغل شاغلٍ وحديث قديمٍ وحادث لدى فئةٍ لم تجاوز أفكارُهم بطونهم، بيد أنَّه من المُهم الحديث عن آدابه وكيفيته، فكم هم الَّذين يتحرَّجون من الولائم، والطَّعام على الموائد العامَّة؛ لأنَّ للطَّعام هناك أخلاقًا وآدابًا يعبرون عنها "بالإتيكيت" و"البرستيج"، فمنَ النَّاس من يطعم الطَّعام وهو متحرجٌ، ومنهم الَّذي يأكل ولا يبالي غير أنَّه مؤذٍ لمُؤاكليه..

والحديث عنِ الطَّعام يكون على ثلاث موائدَ: قبله.. ومعه.. وبعده. أمَّا المائدة الأولى: فأقول مستعينًا بالله هناك سجايا جزلة يتحلى بها ذووا النُّفوس الرَّفيعة قبل تناول الأكل وهي في أمورٍ عدَّةً أذكر منها:
أ‌- لا تكن ذا مسغبةٍ! فالجوع الشَّديد يُخرج الرَّجل عن حِيلته ويقوده إلى غفلته، فيظهر منه ما تشمئز منه النُّفوس من أخلاقٍ ستذكر في الآداب الَّتي مع الطَّعام. فاكسر جوعك بكسرة خبزٍ، أو قطعة حلوى، حتَّى تكون منتظم الأخلاق.. فقد يؤخر الطَّعام تأخيرًا تفقد معه صوابك. والمَعْنِيُّ بهذا كثيرًا صاحب البطن الكبير فإنَّ هذا لا يغنيه قبل المجيء كسرة خبز بل رغيف سميك!. أمَّا إذا كنت ربَّ المنزل فكن على شفا الموت من الجوع حتَّى تكون آخرهم قيامًا.

ب‌- لا تجئ مليء البطن! فإنَّ المُضيف يفرح إن طعِم الضُّيوف طعامَه وشبعوا منه، وإنَّ النِّساء يحببن أن ترجع الصُّحون نظيفةً، ويتذمرن من الضُّيوف الَّذين يقتاتون كالعصافير. وفي هاتين المسألتين فقه لا بد من إجادته فالنَّاس شتَّى في هذا المضمار، فما يستهجن لدى الصَّديق البعيد يستحسن لدى الصَّديق القريب.

ج- لا تكن طُفيليًّا! إلا أن يكون في الأمر سعة كأن تكون مرافقًا لعظيم القدر، فإنَّ دعوة هذا مظنَّة لغير من رفقائه، أو أن تطلب من أخيك أن يستسمح لك من صاحب الدَّعوة في الحضور، فإن هذا ممَّا يطيب النَّفس ويزيل الوسوسة، ومن مظاهر التَّطفُّل أن لا تخرج إلا وقد ألبسته دعوة أخرى لصنفٍ آخر من الطَّعام. ويقول النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «لا يحل مال امرئ مسلمٍ إلا عن طيب نفسٍ» [صحَّحه الألباني 1459 في إرواء العليل].

د- لا تصحب غيرك؛ كما في الحديث: «جاء رجل من الأنصار، يكنَّى أبا شعيب، فقال لغلام له قصاب: اجعل لي طعامًا يكفي خمسة، فإنِّي أريد أن أدعو النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- خامس خمسة، فإنِّي قد عرفت في وجهه الجوع، فدعاهم، فجاء معهم رجلٌ، فقال النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إنَّ هذا قد تبعنا، فإن شئت أن تأذن له فأذن له، وإن شئت أن يرجع رجع» فقال: لا، بل قد أذنت له» [متفقٌ عليه واللفظ للبخاري 2081]فدعوة غيرك يثقل كاهل رب البيت، وهذا خلق شرس يُغفل عنه، ولا شكَّ أنَّ في الطَّعام بركةٌ، «وطعام الاثنين يكفي الأربعة» [صحّحه الألباني 3910 في صحيح الجامع]، "يكفي من حيث سدِّ الرَّمق لا الشَّبع الكامل" كما قال ابن حجر -رحمه الله-، وهذا يعوزه يقينٌ صادقٌ واعتقادٌ جازمٌ بالبركة وأنَّى لك بهذا؟ فليس من الأدب أن تأتي بكوكبةٍ لم يُحسب حسابهم، ممَّا ينتج عنه حرمان أهل المُضيف وولده، فيبيتون طاويِين.

هـ- لا بد من مناسبة المطعم، والمخاطب بهذا المُضيف والمُضاف. فعلى الأوَّل أن يسأل صاحبه ما يحبُّ فيلبي وما يكره فيجنب، ويتأكد هذا المطلب إذا كان الضَّيف مريضًا أو غريبًا، وعلى المُضاف أن لا يتوَّرع من ذكر ما يكره إن ظنَّ قدومه. وتفضيل صنف من الطَّعام وذكره على اللسان ليس عيبًا فقد ورد أنَّ النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- كان يحب الحلواء والعسل، ويفضل من الشَّاة كتفها. وحكي عن الإمام الشَّافعي أنَّه كان نازلًا عند تلميذه الزّعفراني ببغداد، فكان يكتب الزَّعفراني في رقعةٍ لعبده لتطبخ جاريته من ألوان الطَّعام ما يشتهي، فأخذها الشَّافعي يومًا ولحق فيها لونًا آخر، فعرف الزّعفراني ذلك، فأعتق الجارية سرورًا بذلك.

و- لا تصحب الأطفال، فمعظم النَّاس لا تستسيغ إتيانهم بالولائم، والدَّعوات العامَّة، فإنَّهم كثيروا الحركة مُشغلِون لك بكثرة الطَّلبات ولصاحب البيت وللنَّاس كافَّةٌ. فإن كنت صاحب البيت فأطعم أطفالك قبل مجيء الضَّيف لراحتك، ورحمةً بالطَّفل حتَّى لا تأكلوا وأبصارهم شاخصةً وقلوبهم خاشعةً. ومن هذا الأدب أن تُطعم الزَّوجةُ أولادَها قبل مجيء بَعْلِها حتَّى لا تطيش أيديهم في صَحْفَة أبيهم، وعجلةً في نومهم، حتَّى يأنس الزَّوج بك وتأنسين به.

ز- تجنب أدواء البطن كالطَّعام الَّذي لم يهضم، أو ماء تَودُّ إخراجه، فإنَّ هذا يُسكِّن من نفسك، وعامَّة بيوت النَّاس اليوم ليست مهيأة لأن تدخل منها وتخرج لضيقها.. ومفاداة ذلك تكون بخلو المعدة، أو أن تأكل قبل مجيئك قليلًا وتشرب معه مشروبًا ساخنًا فإنَّ هذا يلين معدتك فتكون مهيأةً للاستقبال.

ح- حافظ على الوقت، وحفظ ذلك مطلبٌ لدى الدَّاعي والمدعو، فإنَّ الأوَّل يسوءه التَّأخُّر؛ لأنَّ بعض الأطعمة تدخل النَّار مرَّةً واحدةً، حتَّى قيل: كلّ طعام أعيد عليه التَّسخين مرَّتين فهو فاسدٌ، وقال بعضهم: جنبوا مائدتي بنت نارين. وهذا ليس على إطلاقه، كما يُفنِّد هذا الإطلاق أصحاب الأكلة المسماة "المقلوبة". فإرجاء الطَّعام يُذهب رونقه، وربما دعت عليك ربَّة المنزل! فتجنب دعاء المظلومين..!! وكذا الدَّاعي فإنَّه مأمورٌ بذلك، فإنَّ مكابدة الجوع ظُلْمة في العين وغشاء للقلب، و"الجوع كافر" كما يقولون.

ط- لا تتبع دعوة التَّجمُّل! فإنَّ البشر قد اعتادوا على قول "تغد معنا، أو تعش، أو تقهو" على سبيل المجاملة والمجاز فإن فعلت فإنَّك طُفيليٌّ، إلا إنَّ سبق ذلك إصرارٌ منه وترصدٌ.

ي- لا تُجب دعوةً مُحَرَّمةً، كأن يختلط فيها الرِّجال والنِّساء، أو تسكب فيها الخمرة، أو تشتمل على عزف القيان، أو يكون ماله حرامًا، أو يقدم الطَّعام والشَّراب في أواني الذَّهب والفضة، أو لا يجتهد في الذَّبح الحلال ويدخل فيه كلُّ ما حرَّم الشَّرع أكله من ميتةٍ أو منخنقةٍ أو موقوذةٍ أو مترديةٍ وغير ذلك والله يقول: {فَكُلُوا مِمَّا رَ‌زَقَكُمُ اللَّـهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُ‌وا نِعْمَتَ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [النَّحل: 114]، وحتى تُجاب دعوتك كما في الحديث عن الرَّجل مطعمه حرامٌ ومشربه حرامٌ وغُذِّي بالحرام.. قال النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «فأنَّى يستجاب لذلك؟» [رواه مسلم 1015]، وقال -تعالى-: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ‌ اسْمُ اللَّـهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121]. وعلى مرتادي المطاعم أن يفطنوا لذلك.

ك- اجتهد في نظافة أكلك؛ ويكون بانتقاء الطَّابخ، والمطبوخ، والمطبخ، ولا تكتفي بمسح الماء مسحًا على الطَّعام والفواكه والماعون بل أتبع ذلك بالمنديل فإنَّ فيه عوالق لا تزال إلا بشدَّةٍ.

ل- لا ترنوا نحو الباب؛ وهذه حالة من يرتقب الطَّعام ببصره وقلبه، وكلَّما ولج والجٌ رماه بهَمِّه ظنًّا منه أنَّ الفرج حان.

م- لا تستعجل صاحب المنزل بالأكل، وبعضهم يجعلها من باب المباسطة، وهي كذلك لدى القريب، وليست مقبولة على إطلاقها، فقد تُخجل صاحب البيت وتستفززه على امرأته الَّتي تأخرت، أو على أناسٍ ينتظر قدومهم.

س- «ولا يأكل طعامك إلا تقي» [رواه أبو داود 4832 والتِّرمذي 2395 وحسَّنه الألباني] كما أمر بذلك النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- وهذا ليس على وجه الوجوب.

ع- أكثر طعامك. فإنَّ هذا أفضل وأبعد للحرج، ولكي يشبع الضَّيف والأهل، وتسابق في نفح جارِك، بل إن استطعت أن تُطعِم كلَّ من شم أنفُه طعامَك فافعل. قال -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إذا طبخ أحدكم قدرًا فليكثر مرقها ثمَّ ليناول جاره منها» [صحَّحه الألباني 676 في صحيح الجامع]، وكانت للنَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قَصعَة يقال لها الغراء -لبياضها- يحملها أربعة رجال يثرد فيها الطَّعام، وهذا خلق كرماء العرب قديمًا وحديثًا.

ويتفرع عن هذه المائدة آداب قبل الطَّعام وعند حضوره.. فإذا وضع الطَّعام فاحذر أمورًا:
1- أن ترمقه ببصرك كالسّنور -القط-.
2- العجلة في التَّربُّع على المائدة، فلا تقدُم حتَّى يأمرك ربَّ البيت.
3- لا تمد يدك حتَّى يمُد النَّاس! يقول الشّنفرى:
وإن مدت الأيدي إلى الزَّاد لم أكن***بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل

4- لا تجلس في غير مجلسك! فإن كنت من عامَّة النَّاس فقد يستوصى بالخاصَّة بطعامٍ يمتازون به، فالذَّبيحة لها رأسٌ واحدٌ والقصعة الَّتي عليها الرَّأس هي لضيف الشَّرف وليس لكلِّ أحدٍ. كذلك فإنَّ قاصي الدَّار والضَّيف الغريب يقدَّم أوَّلًا، ولا ضير أن تُمسك عن الأكل أبدًا وتُؤثِر غيرك عليه إذا ضاق المكان أو كان الطَّعام قليلًا، فإن هذا معدن الكرم.

5- لا تكن مهندسًا ولا شطرنجيًّا: المهندس: يقول ضع هذا مكان ذاك والطَّبق الفلاني بجانب الطَّبق الآخر. والشَّطرنجي: الَّذي يرفع صحنًا ليجعل مكانه صحنًا آخر فيقلبها يمنةً ويسرةً.

المائدة الثَّانية الآداب الَّتي مع الطَّعام:
1- ابدأ بالتَّسمية "بسم الله" لا بسم الله الرَّحمن الرَّحيم فلم ترد في حديثٍ، فإن نسيت في أوَّل الأكل فقل في أثنائه: «بسم الله أوله وآخره» كما في الحديث [رواه أبو داود 3767 وصحَّحه الألباني].


2- «وكل بيمينك» [رواه مسلم 2022] كما أوصى النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، ولا تخدم نفسك أو ضيفك بالشِّمال، وهذا الخلق منسيٌّ لدى كثيرٍ من النَّاس، فإنَّ الله خلق اليمين لمزاولة شريف الأعمال، وخلق الشَّمال؛ لإزالة القذر فلا تفسد على قرينك طعامه. فقطع بشمالك على أن لا يتناول القطع غيرك، ولا تمدها في الحدود المشتركة.

3- «وكل ممَّا يليك» [رواه مسلم 2022] كما أمر النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، وهذا امتحانٌ تظهر فيه المروءات، واختبار يسقط فيه ضعاف النُّفوس.. وكأنِّي أرى حسرةً في جبينك ودمعك على خدك تقول: هذه أطايب الطَّعام قد استأثر بها الَّذي أمامي وعن يميني وعن شمالي فما حيلتي؟ فأقول لك : اعلم يا هذا أنَّ "الجوع ذليل" فما ينزل بعض الطَّعام حتَّى يهون شرهُك، فأغمض عينك وتناول، وقل لعقلك الباطن لم يفتني شيء ها أنا آكل اللحم، هاهو الـ.. تطحنه أسناني ويقلبه لساني، كأنِّي أراه وقد مر بالبلعوم واستقر في الأمعاء، وكذلك لا ترسل يدك وسط الطَّعام فـ «البركة تنزل وسط الطعام فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من وسطه» كما أخبر النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- [رواه التِّرمذي 1805 وصحَّحه الألباني]. واحذر من هزِّ أركان الطَّعام، وخرقها لتغرق أهلها ويأتيك الَّذي فات، فإنَّ الدَّوائر تتربص والعيون مفتحة. واحذر من اللعبة القديمة.. وهي أن تُظهر نفسك بلبوس حاتم الطَّائي فتبدأ بتقطيع أوصال الطَّعام وإهدائه لمن يجلس معك، ليس قربةً لوجه الله، ولكن حيلةً تحتال بها حتَّى تأخذ ما تحبُّ وتدع ما تكره، أمَّا من فعله ابتغاء الإيثار فأولئك من السَّابقين. وهذا الأدب في الطَّعام المجتمع، أمَّا المتفرق كالفاكهة فلا بأس فيه من مَدِّ اليد هنا وهناك.

4- كل بثلاثة أصابع؛ اقتداءً بالنَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- إن استطعت وهذا يعينك على الآداب الأُخَر القادمة.

5- لا تبدأ قبل الكبير وصاحب اليمين، الكبير كالوالدين والمعلم والشَّيخ وغيرهم عن حذيفة قال: «كنا إذا حضرنا مع النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- طعامًا لم نضع أيدينا حتَّى يبدأ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- فيضع يده» [رواه مسلم 2017] وصاحب اليمين يُبدأ به كما يفهم من هدي النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- في شؤونه عامَّة ومن استئذانه من الغلام حين كان على يمينه والأشياخ على يساره، فلم يوثر الغلام الأشياخ، فأعطاه الإناء. واليمين المعتبر يمين السَّاقي.

6- تنظَّف قبل الطَّعام، فاغسل يديك قبل إبحارك، ونظف فاك، وامسح وجهك بالماء فإن هذا أنعش لك وأطيب للخاطر، وأنقى للنَّاظر إليك، فإنَّ النَّفس يسوء خلقها عند الطَّعام ويلُوك كبِدَها أيُّ زلل، فإذا رأت شيئًا عافتك وتركت الطَّعام زاهدةً فيه كاره لك.

7- تهيَّأ للطَّعام، فشمِّر عن ساعدك وارفع كُمك وأبعد عن رأسك كلّ ما قد يصيب الطَّعام حتَّى يسهل العوم والإغراق.

8- عليك بحديث المؤانسة! فلا بأس بالحديث عند الطَّعام، ومؤانسة الضَّيف مستحسنةٌ ولكن تجنب فتح الفم عند الطَّحن. وقد قيل البشاشة في الوجه خير من القرى، قال الشَّاعر:
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله***ويخصب عندي والمحل جديب
وما الخِصب للأضياف أن تُكثر القرى***ولكنما وجه الكريم خصيب


9- لا تتلطَّخ بالطَّعام، فتلمس موضعه حول شفتيك وعلى شاربك وفي لحيتك حتَّى تزيله. وليكن المنديل قريبًا منك فإنَّك أشدُّ ما تكون حاجة إليه. ولست بحاجةٍ للمأكول الَّذي يملأ يديك وربما ثوبك كتقشير البرتقال مثلًا.

10- لا ترمق النَّاس بأبصارك، فكما أنَّ المصلِّي نظره موضع سجوده، فنظرك موضع طعامك، فقد تلحظ ما ينغص عليك من الآكلين، فمكابدة الطَّعام قلَّ أن تخلوَ من غفلة وسقوط لِلُّقَم.
قال الحجاج لأعربي يومًا وهو على سماطه: ارفق بنفسك.. فقال: وأنت يا حجاج أغضض من بصرك.
وقال معاوية -رضي الله عنه- لرجلٍ على مائدته خذ الشَّعرة من لقمتك.. فقال: وإنَّك تراعيني مراعاة من يرى الشَّعرة في لقمتي؟! لا أكلت لك طعامًا أبدًا.

11- لا تُخرج أصواتًا غريبةً! فصوت اللعق وقرع الأسنان عند دخولك في جو اللذائذ والمشتهيات مؤذٍ. ولا تأكل طعامًا له صوتٌ وجليسك لا يأكله أو لا يحبُّه كأكل الخِيار مثلًا أو التُّفاح أو "الشِّبس" أو العَلك بطريقةٍ استفزازيَّةٍ، أو مصُّ الحلوى بطريقةٍ جنونيةٍ.

12- نظف أنفك قبل الأكل! فإن باهتك شيءٌ فاخرج قليلًا لتنظيفه وارجع، وبعض الحمقى لا يتورع عن صوت الامتخاط والنَّاس تأكل، وبعضهم يعيش في شدٍّ وجذبٍ لما في أنفه فلا هو ممتخطٌ فيكون أذاه مرَّةً واحدةً ولا هو كافٍ نفسه وهذه غفلةٌ، وقد يكون نتيجة لحرارة المأكول فتفادى ذلك بالمنديل من غير صوتِ نشازٍ.

13- لا تقم عن المائدة! فإياك أن تقوم من طعامك والنَّاس لم تشبع بعد، فالمثل يقول: "النَّذل يقوم ويُجوِع ربعه"، ربعه: جماعته، إلا أن تكون الكلفةُ مرفوعةً بينكم، أو أن تكون خفيف الطَّعام فلا حرج من الاستئذان، ولكن يحبذ أن تجالسهم وتقاسمهم الحديث وتأكل بأطراف أصابعك وحرف لسانك مؤانسةً لهم. فلا تكن أوَّل قائمٍ ولا آخرهم بل بيَّن ذلك، وصاحب البيت لا يقوم إلا آخرًا وغير ذلك جرم يستحق عليه العقاب.

14- لا تطلب كثيرًا! ولا ترهق صاحب الدَّعوة بكثرة الطَّلبات، بل احرص على أن لا تقيمه من طعامه إلا لجللٍ، واجتهد في خدمة نفسك، وغاية الكرم أن تخدم المُضيف حتَّى كأنَّك ربُّ المنزل.

15- لا تستخدم أحدًا! فلا تُقم أحدًا عنِ الطَّعام، حتَّى وإن كان صغيرًا، فليس من المروءة أن يستخدم الرَّجل جليسه.

16- لا تعب طعامًا، «ما عاب النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه» [متفقٌ عليه] فامدح الأكل واثن على صانعه فإنَّ هذا يعجب النِّساء ويتفانين في خدمتك. وما رأيت أكفر للنَّعمة من رجلٍ قامت زوجته سائر يومها تصنع الطَّعام فلا يكاد يضع الطَّعام في فيه حتَّى يقطب وجهه ويظهر العيب ويستر الحسن. ويدخل في هذا الأدب أن تكتم ما رأيت من سهوٍ، فقد تجد شعرةً أو بعوضةً ساقطةً، فامسك الأعصاب وهدئ النَّفس وكأنه ما كان.

17- لا تَفْزُر نفسك، فلا تأكل حتَّى تطفح، فإنَّ من عادة النَّاس أن تُتبع الطَّعام بفاكهة وحلوى فاجعل لذلك مسلكًا. والنَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «ما ملأ آدمي وعاءً شرًّا من بطنٍ، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة: فثلث لطعامه، وثلث لشرابه وثلث لنفسه» [رواه التِّرمذي 2380 وصحَّحه الألباني]، والبِطنة تُذهب الفطنة. وإنَّ الشَّراهة في الطَّعام والأكل الكثير مذمَّةٌ خاصَّةً إن كانت من أهل الفضل، فالنَّاس ترمقه وبالأبصار ترميه ثمَّ بالألسن تَفْرِيه. ولا بأس بالشَّبع أحيانًا استئناسًا بحديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: "والَّذي بعثك بالحقِّ لا أجد له مسلكًا"، وممَّا يتعلق بهذا: أن تحبس نفسك عن كثرة الأكل إذا وجدته قليلًا لا يكفي حفاظًا على ماء وجه الدَّاعي.

18- لا تغرف غرفًا فبعضهم كأنَّه حوتُ يونس في التقامه، وعصى موسى في التهامه، فاجعل لقمة طعامك صغيرة فهذا أبعد للتّهمة وأسلم في العاقبة من الطَّشّ والرَّشّ.

19- لا تترك وراءك أثرًا، واجعل مكان طعامك لائقًا، فلا تخلط الرُّز بالمرق إلا بقدر ما تَأكل، فقد يأخذ منه غيرك، وبعض النَّاس ينشر أطباقًا؛ ليأخذوا من القصعة وهذا أنظف للأثر، ومعين لك حتَّى تضع مقدار حاجتك فلا تزيد عليه.

20- لا يأكل بيده إلا ماهر، ٌفالأكل باليد مجردة عن الملعقة فن لا يجيده كلُّ أحدٍ، فلا تُقحم نفسك في المتاهات من غير بصيرةٍ. وإنَّ البلاء يشتدُّ حين ينثر الآكل الطَّعام بيده في الطَّبق فيتقزز النَّاس من حوله، أو يجعل الخبز خِرقة يمسح بها عن يده.

21- تلذَّذ بالأكل، فالطَّعام متعةٌ ولذَّةٌ فلا تفسده بالضَّجيج والعجيج والنَّكد وصوت الهاتف، ولا بالضَّحك والقهقهة فقد يمسك السُّوء. وإن أصابك بلاء فاحذر أن تعلم هذا أصحابك.. ضاف رجلٌ جماعةً فسقط ابن له من السَّطح ومات، فحلف بالطَّلاق على امرأته إن هي بكت أو صرخت لئلا يكدر عيشهم، حتَّى فرغوا وآذنوا بالرَّحيل، فلمَّا كان ذلك أعلمهم ليُصلوا عليه.. فتعجبوا من صبره وجلده. وتباح المهازلة بالطَّعام فقد ثبت أنَّ عائشة -رضي الله عنها- لطخت وجه سودة -رضي الله عنها-؛ لأنَّها لم تأكل من صَحْفَتها، ثمَّ فعلت سودة ذلك بعائشة، والنَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يضحك. وكان الصَّحابة بتبادحون بالبطيخ، فإذا كانت الحقائق كانوا رجالًا .يتبادحون: يرمي بعضهم بعضًا.

22- على رسلك، فاجعل مضغ الطَّعام بطيء العجلة، وخذ نفسًا بين اللقمة وأختها ليسهل الهضم، ويحسن منظرك، وإذا كان شرابًا فلْتشرب ثلاثًا كما ورد عنِ النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-.
وضَع معاوية -رضي الله عنه- بين يدي الحسن -رضي الله عنه- دجاجةً، ففكَّها الحسن.. فقال معاوية: هل بينك وبين أمِّها عداوةٌ؟ فقال الحسن: وهل بينك وبين أمِّها قرابةٌ؟
وتذكر مثل هذه القصة في جَديٍ مشوي فقال الخليفة للآكل: كأنَّ أمَّه نطحتك؟ فقال الآكل أراك تشفق عليه كأنَّ أمَّه أرضعتك؟

23- نح وجهك عند الضَّرر! فإذا اعتراك عطاس أو ضحك أو ازدردت لقمةً عظيمةً أو احتسيت حساءً ساخنًا ثمَّ أردت أن تمُج ذلك فلا يكن وجهك للطَّعام.

24- لا تأكل وحدك، والنَّاس ينظرون إليك، فإنَّ هذا من خوازيق المروءة، والاجتماع على الطَّعام يأتي بالبركة كما في الحديث: «طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة» [رواه مسلم 2059]، وأجلِس معك من كان قائمًا على العمل كالخادم قال النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يجلسه معه، فليناوله أكلة أو أكلتين» [رواه البخاري 5460]. وإذا كان هذا في الخادم فكيف بالزَّوجة، فإنِّي أرى عادةً آنف منها وهي أن تَطعم الزَّوجة أو يطعم النِّساء بعد الرِّجال، فيأخذن بقايا أبي شاكوش وعنتر، وهذا إن كان عن طيب نفسٍ فلا ضير فإنَّ إكرام الضَّيف واجبٌ، ولكن لا تكن عادةً دائمةً. فأكثر طعامك ليتناول ولدك وأهلك قبل الضَّيف فلا تبقى الحسرة في صدورهم.

25- اعتدل في جلوسك! فلا تأكل متكأ اقتداءً بالنَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «لا يأكل متكئًا» [صحَّحه الألباني 4840 في صحيح الجامع]، سواءً أكان على جنبٍ أم أن تضطجع على إحدى يديك وتأكل بالأخرى .ولا تشرب أو تأكل واقفًا أو ماشيًا فإنَّ الماشية ما سميت كذلك إلا لأنَّها تأكل وهي تمشي، ولحديث أنس -رضي الله عنه-: «عن النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-؛ أنَّه نهى أن يشرب الرَّجل قائمًا»، قال قتادة: فقلنا: فالأكل؟ قال أنس: "ذاك أشر أو أخبث" [رواه مسلم 2024]، وهذا ليس على الإطلاق والضَّرورات تبيح المحظورات في هذه والسَّابقة. وفي الشَّراب قائمَّا يقول ابن حجر:
إذا رُمْتَ تشرب فاقْعُـد تَفزْ***بسُنَّةِ صفوة أهلِ الحجازْ
وقد صحَّحُوا شربَه قائمًا***ولكنَّه لبيان الجوازْ

وأفضل هيئات الجلوس على الطَّعام كما قال ابن القيم -رحمه الله-: "ويذكر عنه -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنَّه كان يجلس للأكل متورِّكّا على ركبتيه ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر قدمه اليمنى تواضعًا لربِّه -عزَّ وجلَّ- وأدبًا بين يديه واحترامًا للطعام وللمواكل فهذه الهيئة أنفع هيئات الأكل وأفضلها".

26- لا تفتح فمك، وحاول إغلاقه عند تحريك الطَّعام وأطبق الشَّفتين أو كن إلى الإخفاء الشَّفوي قريبًا.

27- لا تخلط في الطَّعام! واختر الأغذية المتناسقة ودعك من الباقي وإن كان لذيذًا، وإنِّي لأعجب ممن يضع صنوفًا وألوانًا كثيرة فيحتار الضَّيف من التَّخيير، وقد لا يأكل إلا الخُمُس ثمَّ يُرمى الباقي، فتبقى الحسرة في قلب الدَّاعي. ويظهر التَّفنُّن والإسراف عند الصَّوم والله المستعان، قال عمر -رضي الله عنه-: ما اجتمع عند رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- إدامان إلا أكل أحدهما وتصدَّق بالآخر".

28- لا تُخدع بمقبِّلات الطعام عنِ الطَّبخ المنتظر! ويكثر هذا في المطاعم الشَّاميَّة، والموائد الدِّمشقيَّة.

29- لا تنفخ في الطَّعام؛ للنَّهي عن ذلك وجرب سخونة الطعام بذوق بعضه قبل أن تقضمه.

30- لا تمد يدك إلى طعامٍ تجهله حتَّى تسأل عنه، وهذا هدي النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-. وإذا كنت في هذا الموقف وما دريت كيف تؤكل الكتف، فتمهل حتَّى ترى النَّاس حولك كيف يأكلون ثمَّ تقدم.

31- لا تكن ثقيلًا؛ فتُلبي دعوة من صنع لنفسه طعامًا يكفيه وحده ثمَّ صادف شخصك، ولا تتواني في دعوةٍ من رآك تأكل طعامك سواء أكان صغيرًا أم كبيرًا فإن لم تفعل فهذا بخلٌ منك ورزيةٌ.

32- لا تَرْدُدْ من قدَّم إليك طعامًا أو شرابًا، ولو أن تبل ريقك به بلَلًا، فهذا أبعد للكِبر والأَنَفة، فإن كان لا بد فضعه في جيبك أو على جنب إن كنت مزدريًا لصنعته وسوء نظافته أو كنت ممتلأ بالطَّعام فإنَّ المجاملة في ذلك مضرةٌ على بدنك فإيَّاك وذلك، ولا تتحرج في بيان سبب استنكافك. ويجب على المسلم أن يُبقي مجالًا لمثل هذه الزّنقات، ولا أفضل من أن يخفف من طعامه في كلِّ شأنه. أمَّا القهوة فلا ترد بحال إلا في الصَّوم أو المرض.

33- ضاعف انتباهك إذا كان مطعمك مرقًا واحذر أن يتسخ شيءٌ منك.

34- لا تفُتَّ الطَّعام لكلِّ أحدٍ ففئام من النَّاس تأنف أن تفُتَّ لهم الطَّعام وترسل يدك في حصتهم لإكرامهم، بل قد يكون هذا مدعاة لتركك أبدًا، فاعلم طباع النَّاس، على أن هذا الخلق لدى آخرين مستحسن وهو دليلٌ على إجلالهم لك.

35- إيَّاك إيَّاك من ذكر الأحاديث والقصص المشمئزة أو لفت الانتباه لها! فهذا سوء خلقٍ وقلَّة عقلٍ.. كقصص إمساك البطن وإطلاقه، أو الفئران أو الأمراض، ويدخل في ذلك مشاهدة أخبار المسلمين؛ لأنَّها متضمنةٌ في مجملها على أوصال وأشلاء ودماء.

36- تجنَّب التَّكلف؛ فلا تُجهد نفسك بباهظ الطعام، بل "مد رجلك على قدر لحافك"، فإن قدِرت على اللحم فنعما هو طعام العرب ومَلِك المآكل، وإلا ففي الفِراخ سعةٌ، فإن عدمته فخبزٌ وإدامٌ، وإلا فتمرٌ وماءٌ، وهذا هدي النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- وشأن السَّلف "الجود من الموجود"، ومن غضب عليك في هذا الشَّأن فلا تلق له بالًا و"الباب يسع الجمل". ومن التَّكلُّف الإسراف والتَّبذير في المأكول والله يقول: {نَّ الْمُبَذِّرِ‌ينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} [الإسراء: 27]، ويقول: {وَكُلُوا وَاشْرَ‌بُوا وَلَا تُسْرِ‌فُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِ‌فِي} [الأعراف: 31]، وهذه الآية كما قال أهل العلم: "جمعت الطِّبَّ كلّه". وتمام الألفة بذهاب الكُلفة، وقد يمنع تكلُّفك الإخوانَ من معاودة الزِّيارة. واعلم أنَّه لا يحرم شَهِي الطَّعام وحَسَنُه فإنَّ الله يحبُّ أن يرى أثر نعمته على عبده.

37- لا تزهد في اللقمة السَّاقطة، وأمط ما بها من أذًى وكُلْها ولا تدَعْها للشَّيطان كما قال النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-. ويدخل في ذلك حديث النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إذا وقع الذبُّاب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثمَّ ليطرحه، فإنَّ في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء» [رواه البخاري 5782]، وهذا على وجه الاستحباب.

38- لا تشرب من فم الإناء بل اسكبه في كأسٍ، ولا تتنفس فيه لحديث النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء» [رواه البخاري 153]، فإنَّ هذا الشَّراب لك ولغيرك.

39- لا يحل لك التَّصدُّق بالطَّعام من غير إذن المالك، فاللقمة لا تملكها إلا بالازدراد، ولا يجوز أخذه من غير إذنٍ.

40- متفرقات في التَّهذيب:
- بعض النَّاس يأتي بملعقتين، ملعقة لوضع السُّكَّر، وملعقة للتَّحريك، فلا تخلط رمضان بشعبان.
- احذر من العُلب المغلقة كالمِملحة عند القلب فقد يُفتح الغطاء ويسقط الملح بأكمله.
- لا تجاهد ما عسر عليك، فإنَّ الضَّغط يولد انفجارًا، فلا تحرص على تقشير ودق الصَّعب.

المائدة الثَّالثة آدابك بعد الطَّعام:
أ- اشكر النِّعمة قال النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إنَّ الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشّربة فيحمده عليها» [رواه مسلم 2734]، وقال: «من أكل طعامًا فقال الحمد لله الَّذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حولٍ منِّي ولا قوَّةٍ غُفر له ما تقدَّم من ذنبه» [رواه ابن ماجه 2673 والتِّرمذي 3458 وحسَّنه الألباني]، فاحمده أوَّلًا وأظهر افتقارك، وادعُه أن يخلف على من أكرمك ويوسع عليه في رزقه وعيشه. وإيَّاك ورمي المتبقِّي في النَّفايات فلا ترفس نعمة ودَّ أناس لو طعموها ثمَّ ماتوا! واذكر قول الله: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التَّكاثر: 8]، وكيف فارق النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- الدُّنيا وما أكل خبزًا منخولًا، وإن كان ليربط الحجر والحجرين على بطنه من شدَّة الجوع.

ب- العق أصابعك أو العقها غيرك؛ لحديث النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يمسح يده حتَّى يلعقها أو يُلعقها» [رواه مسلم 2031] كأن يُلعقها زوجته فإنَّ هذا مما يزيد المودة ويُضفي البَهجة «فإنَّه لا يدري في أيَّتهنَّ البركة» كما قال النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- [رواه مسلم 2035].
واستطرادًا أقول: هناك آداب خاصة بين الزوجين زُبْدَتها أن يطعما بعضهما كما يُطعم أحدهم طِفله، فقِهَ ذلك من فَقِه وجَهِله من جَهِل.

ج- لا تُقَرِّف خلق الله، فعنوان الشَّبع لدى بعض الحمقى التَّجشؤ، وأن يأتي بما يشعرك بالقرف، وهذا عجيبٌ! أو أن يطلب دخول الحمام والنَّاس تأكل، أو يمتخَّط، أويُسمع الآكلين صوت المضمضة والاستنشاق والاستنثار أو يذكر بطولاته في دورات المياه فهو قبيحٌ جدّ قبيحٍ.

د- اختصر عند الغسيل، فلا يحلو الحديث لدى رجال إلا عند إزالة دهن اليد، فيحادث من يَصُب عليه الماء ويسأله عن أبيه وأمِّه ونسبه.. حتَّى إذا ما جاء ذكر نسبه تفل الضَّيف بقايا الطعام من فمه.. فيحمر وجه الصَّاب ويصفر.. فإذا رأى الضَّيف -الماكر- ذلك قال: والنِّعم فيك وفي نسبك ولكن بعد ما ذا؟ بعد أن تفل عليه وعلى أهله!

د- تنظف بعد الأكل، وبادر إلى غسل اليد والفم حتَّى لا تتمكن رائحة الطَّعام منك وقال النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إذا نام أحدكم وفي يده ريح غمر فلم يغسل يده فأصابه شيءٌ فلا يلومن إلا نفسه» [رواه ابن ماجه 2682 وصحَّحه الألباني]، ورائحة الغمر: اللحم أو الدُّهن. وخلل أسنانك ونظف لسانك كما في حديث أبي موسى أنَّه أتى النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «وهو يستاك وقد وضع السّواك على طرف لسانه وهو يقول أه أه يعني يتهوع» [رواه أبو داود وصحَّحه الألباني] يتهوع: يتقيَّأ. ومن فوائد المبادرة إبعاد شظايا الطَّعام فقد تكون مصابًا بشظيةٍ من حيث لا تشعر تجعل منك صورة مستهجنةً أو خبرًا عاجلًا.

هـ- كن أنيقًا؛ فتجنب المسح بالمنشفة الَّتي تَعَاقَبَ عليها أمَّةُ محمَّد -صلَّى الله عليه وسلَّم-، ولا تتحرج في ذلك، فإن أبَيْت فاجعلها ليَدَيك دون وجهك، وعلى صاحب الدَّعوة أن يتفطن ويجعل لكلٍ مِنشفةٍ، وفي المناديل مندوحة.

و- لا تركض إلى الفاكهة والحلوى بل تأنَّى ما استطعت.

ز- لا تنصرف بعد الطَّعام إلا لأمرٍ عظيمٍ فالطَّعام ليس مقصودًا بذاته وإنَّما وسيلة لجذب النَّاس إلى المجالس ولمنازعة أهداب الأحاديث. يستثنى من ذلك أمور يفهمها اللبيب.
ح- إذا أكلت كريهًا فابعد بعيدًا، فمن طعِم بصلًا أو ثومًا فليحرقه بشيءٍ كالبقدونس أو الهيل أو الليمون وبتنظيف الأسنانِ واللسانِ وبالعلك ذي الرَّائحة الحسنة -ولكن ليس أمام البشر.
واعتزل المسجد لحديث النَّبيِّ -صلَّى الله عليها وسلَّم: «من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا أو ليعتزل مسجدنا» [متفقٌ عليه]. ولا تتحدث شاغرًا فاك ورائحة الطَّعام -القريب العهد- تتناثر في وجوه النَّاس.

ط- كرر المدح والثَّناء على طِيب الطعام ومَدح صانعه كما سبق فهذا أضمن لك بدعوةٍ لاحقةٍ. واحذر أن تمدح طعامًا غير طعامهم أو تفضل غيره عليهم، أو تقول لو زدت في الملح أو أنقصت من الماء!!

ي- إيَّاك والنَّوم والحركة؛ فإنَّه مضرةٌ ما بعدها مضرةٌ ويزداد الأمر سوءًا إن كان البطن منتفخًا من الموائد. ولا تتريض بل تمهل ساعاتٍ حتَّى لا تضطرب معدتك.

ك- لا تطلب طعامًا لأهلك؛ فهو منافٍ للأخلاق العامة خصوصًا الحلوى إلا حذرا من رميه وإهداره.

ل- لا تُطعم بعد أن تشبع، وهذا في الأغنياء، ومن تأبى نفوسهم أن يقبلوا الطَّعام بعد أن أُوغلت فيه الأيادي، أمَّا الفقراء ومن تتسع صدورهم لذلك فيستحسن فعله معهم.

هذا وأسأل الله أن تكون هذه الآداب نافعةً يتأدب بها الصَّغير، ولا يستغني عنها الكبير، وإنِّي لا أنكر اقتطافي بعضًا من الرَّياحين والزُّهور ممن كتبوا في هذا الشَّأن فجزاهم المولى خير الجزاء.


كتبه داود إحسان العتيبي


اضف تعليقك

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3143 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3481 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3557 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟