نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

المطويات  (  المال في ضوء القرآن والسنة ) 

Post
17-7-2011 3384  زيارة   

بيد أن الإسلام يريد من المسلم أن يكون المال في يده لا في قلبه ، أن يملك الملك ولا يملكه المال ، وحينئذ يكون المال – كما خلقه الله وأراده – وسيلة لا غاية ، وخادماً لا مخدوماً...

 

الافتتاحيَّة

الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- وبعد:
فإنَّ المال عصب الحياة وقوامها ولا تستقيم الحياة بدونه، وحبُّه متجذرٌ في أعماق النَّفس البشريَّة، ولو خلى بينها وبينه بلا ضوابط فإن تياره سيجرفها بلا ريب بعد اكتسابه إلى اكتنازه والشُّحَّ به.

والإسلام في موقفه من المال يتسم - كما هو شأنه دائمًا- بالوسيطة والاعتدال فهو لا يمانع أن يكون المسلم من أغنى الأغنياء ويملك مالًا يعد من الأموال وقد كان من دعاء الرَّسول -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «اللهمَّ إنِّي أسألك الهدى والتُّقى والعفاف والغنى» [صحيح مسلم 2721]، وكان الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم- في الصَّباح والمساء يستعيذ بالله ويقول: «اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من الكفر والفقر» [رواه أبو داود 5090 وحسَّنه الألباني].

بيد أن الإسلام يريد من المسلم أن يكون المال في يده لا في قلبه، أن يملك الملك ولا يملكه المال، وحينئذ يكون المال - كما خلقه الله وأراده- وسيلةً لا غايةً، وخادمًا لا مخدومًا، وحينئذٍ يكون المال كما قال النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- لعمرو بن العاص -رضي الله عنه-: «نعم المال الصَّالح للمرء الصَّالح» [صحَّحه الألباني 229 في الأدب المفرد].

إذا المرء لم يعتق من المال نفسه***تملكه المال الَّذي هو مالكه
ألا إنَّما مالي الَّذي أنا منفقٌ***وليس لي المال الَّذي أنا تاركه


ومن ثم فقد قرر الإسلام من الضوابط والتوجيهات ما يحقق ذلك:
وفي غياب المنهج الإسلامي يتحول المال عند بعض النَّاس إلى غايةٍ لا وسيلةٍ، ويصبح مخدومًا لا خادمًا كما قال النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «تعس عبد الدِّينار والدِّرهم والقطيفة والخميصة إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض» [رواه البخاري 2886]، فهذا دعاءٌ بالشَّقاء والهلاك على عبيد المال وقوله "عبدالدِّينار" أي طالبه الحريص على جمعه القائم على حفظه فكأنَّه لذلك خادمًا وعبده، وخصَّ العبد بالذِّكر؛ ليؤذن بانغماسه في محبة الدُّنيا وشهواتها كالأسير الَّذي لا يجد خلاصًا، ومن كان عبدًا لهواه لم يصدق في حقِّه إيَّاك نعبد فلا يكون من اتصف بذلك صديقًا (فتح الباري).

تعريف المال

المال هو: كل ما يمتلكه النَّاس من دراهم أو دنانير أو ذهب أو فضة أو حنطة أو شعير أو خبز أو حيوان أو ثياب أو سلاح أو غير ذلك (المغرب في ترتيب المعرب).
وقال ابن الأثير: "المال في الأصل: ما يملك من الذَّهب والفضة ثمَّ أطلق على كلِّ ما يقتتنى ويملك من الأعيان واكثر ما يطلق المال عند العرب على الأبل؛ لأنَّها كانت أكثر أموالهم" (لسان العرب).

وقد سمي المال مالًا؛ لأن النَّفوس على العموم تميل إلى تملكه وتخضع في الغالب إلى من يملكه كما قيل:
رأيت النَّاس قد مالوا إلى من عنده مالٌ***ومن لا عنده مالٌ عنه النَّاس قد مالو
رأيت النَّاس قد ذهبوا إلى من عنده ذهبٌ***ومن لا عنده ذهب فعنه النَّاس قد ذهبوا
رأيت منفضة إلى من عنده فضةٌ***ومن لا عنده فضه فعنه النَّاس منفضة


حبُّ المال فطرةٌ بشريَّةٌ

بيَّن الله في عديد من آيات القرآن الكريم أنَّ حبَّ المال طبيعةٌ بشريَّةٌ وأمرٌ مركوزٌ في الفطرة الإنسانيَّة فقال -تعالى-: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} [الفجر: 20]، وقال -تعالى-: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ‌ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 8]، وقال -تعالى-: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ‌ الْمُقَنطَرَ‌ةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْ‌ثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّـهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14].
فهذه الآية الكريمة قد ذكرت المشتهيات الَّتي جُبل الإنسان على الميل إليها وصياغة الفعل المجهول {زُيِّنَ لِلنَّاسِ} للإشارة إلى أنَّ محبَّة هذه الأشياء واشتهاءها مركوزٌ في الفطرة الإنسانية منذ أوجد الله الإنسان في هذه الحياة الدُّنيا.

وتلك المشتهيات الَّتي يحبُّها النَّاس وتهفوا إليها قلوبهم وترغب فيها نفوسهم هي فيما عدا النِّساء والبنين من أصناف من المال بل إن النِّساء والبنين أيضًا لا يتوصل إليهما إلا بالمال، فالإنسان محتاجٌ إليه ليتزوج ثمَّ لينفق منه على أهله وأولاده.
والمال المحبوب للإنسان ليس له حدٌّ يقف عنه أو غايةٌ ينتهي إليها وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بقوله: {وَالْقَنَاطِيرِ‌ الْمُقَنطَرَ‌ةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ} [آل عمران: 14].

قال الزّجاج: "القنطار مأخوذ من عقد الشَّيء وإحكامه، تقول العرب قنطرت الشَّيء إذا أحكمته، ومنه سمِّيت القنطرة لإحكامها، فالقنطار مالٌ كثيرٌ يتوثق الإنسان به في دفع أصناف النَّوائب وحكى أبو عبيد العرب أنهم يقولون إنه وزن لا يجد، واعلم أن يصفوا الشَّيء بما يشتق منه للمبالغة أي والقناطير المضاعفة المتكاثرة المجموعة قنطارًا كقولهم: ألف مؤلفة، ودراهم مدرهمة وإبل مؤبلة (تفسير الرَّازي والقرطبي).

ويؤكِّد النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- تلك الحقيقة بقوله: «لو كان لابن آدم واد من ذهبٍ أحبَّ أن له واديًا آخر، ولن يملأ فاه إلا التُّراب، والله يتوب على من تاب» [صحيح مسلم 1048].
يقول الفخر الرَّازي: "إنَّما كان الذَّهب والفضة محبوبين؛ لأنَّهما جعلا ثمن جميع الأشياء فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء (مفاتيح الغيب).

حفظ المال من مقاصد الشَّريعة

اتفقت الأمَّة على أنَّ الشَّريعة وضعت للمحافظة على الضَّروريَّات الخمس وهي: الدِّين والنَّفس والنَّسل والمال والعقل... ومعنى كونها ضروريَّةٌ أنَّها لابد منها في قيام مصالح الدِّين والدُّنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدُّنيا على استقامةٍ بل على فساد وتهارج (فتن وقتال) وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النَّجاة والنَّعيم، والرَّجوع بالخسران المبين، فلو عدم الدِّين ترتب الجزاء المرتجى ولو عدم النَّسل لم يكن في العادة بقاء، ولو عدم المال لم يبق عيش (المواقفات للشَّاطبي).

ويتضح للنَّاظر في أصول الشَّريعة بأدنى تأمُّل ما قرره الإسلام من قواعدَ وتشريعات للحفاظ على المال. فمن ذلك:
- أنَّه حرَّم أكل أموال النَّاس بالباطل قال -تعالى-: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِ‌يقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188].

- وحرَّم الرِّبا، قال -تعالى-: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّ‌بَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّ‌بَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ وَحَرَّ‌مَ الرِّ‌بَا} [البقرة: 275].

- وحرَّم السَّرقة وشرع لها عقوبةً رادعةً، قال -تعالى-: {وَالسَّارِ‌قُ وَالسَّارِ‌قَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّـهِ ۗ وَاللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38].

- وحرَّم أكل مال اليتيم، قال -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارً‌ا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرً‌ا} [النِّساء: 10].

- وحرَّم نقص المكيال والميزان، قال -تعالى-: {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْ‌ضِ مُفْسِدِينَ} [هود: 85].

- وحرَّم الإسراف والتَّبذير، قال -تعالى-: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَ‌بُوا وَلَا تُسْرِ‌فُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِ‌فِينَ} [الأعراف: 31].

- وشرع للمسلم أن يقاتل من يريد أخذ ماله بغير حقٍّ، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال جاء رجل إلى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقال: يارسول الله أرأيت إن جاء رجلٌ يريد أخذ مالي؟ قال: «فلا تعطه مالك»، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قاتله» قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد»، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هو في النَّار» [رواه مسلم 140].
إلى غير ذلك مما هو مقرر ومعلوم في هذا الباب من شريعة الإسلام.

المال في تصورات الجاهلية

سجل القرآن بعض العقائد والتَّصورات الَّتي كانت سائدةٌ في الجاهلية وهو يرد ضلالها ويبين زيغها ويقوم عوجها.
فالنَّاس في الجاهلية كانوا قد جعلوا الحياة الدُّنيا وزينتها وزخرفها أكبر همُّهم ومبلغ علمهم حيث أنكروا البعث والقيام لله ربِّ العالمين {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ‌ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [الجاثية: 24].

ومن ثمَّ كانوا حريصين أشدُّ الحرص على التَّكاثر في الأموال والأولاد وغير ذلك من متاع الدُّنيا قال -تعالى-: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ‌ ﴿1﴾ حَتَّىٰ زُرْ‌تُمُ الْمَقَابِرَ‌} [التَّكاثر: 1-2]، ويظنُّون أنَّ المال الكثير والجاه العريض هو سبيل الخلد، قال -تعالى-: {الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ﴿2﴾ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ} [الهمزة: 2-3]، وينكرون البعث ويقولون حتَّى لو بعثنا فسنعطى الأموال والأولاد في الآخرة كما في الدُّنيا ولن يعذبنا الله وإنَّما سيدخلنا الجنَّة وهو ما ذكره القرآن عنهم في أكثر من موضعٍ مثل قوله -تعالى-: {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ‌ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [سبأ: 35]، فقد افتخروا بكثرة الأموال والأولاد واعتقدوا أنَّ ذلك دليل على محبَّة الله له واعتنائه بهم وأنَّه ما كان ليعطيهم هذا في الدُّنيا ثمَّ يعذبهم في الآخرة وهيهات لهم ذلك. فإنَّ الله يعطي المال لمن يحب ومن لا يحب، فيفقر من يشاء ويغني من يشاء وله الحكمة التَّامَّة البالغة والحجة الدَّامغة القاطعة والزُّلفى إلى الله تكون بالإيمان والعمل الصَّالح (تفسير ابن كثير).

وروى عن خباب بن الأرت -رضي الله عنه- قال: جئت العاص بن وائل السَّهمي اتقاضاه حقًّا لي وعنده فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا حتى تموت ثمَّ تبعث، قال: وإني لميت ثم مبعوث، قلت: نعم، قال: إن لي هناك مالًا وولدًا فأقضيكه فنزلت هذه الآية {أَفَرَ‌أَيْتَ الَّذِي كَفَرَ‌ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا} [مريم: 77] [رواه البخاري 4735 ومسلم 2795].

الاختبار بالمال

جاء القرآن؛ ليخرج النَّاس من الظلمات إلى النُّور ومن الضَّلال إلى الهدى ومن الجاهلية إلى العلم والتقى جاء ليغير المفاهيم الَّتي كانت سائدة عن الحياة الدُّنيا وما يتبعها من الحياة الآخرة.
فيقرر القرآن أنَّ الغنى والفقر والضَّيق والسّعة إنَّما هو ابتلاء واختبار من الله -سبحانه وتعالى- كما قال الله -تعالى-: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ‌ وَالْخَيْرِ‌ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْ‌جَعُونَ} [الأنبياء: 35].

وليس الأمر كما كان -ولا يزال- يظنُّ بعض النَّاس أنَّ كثرة المال دليلٌ على إكرام الله -تعالى- للإنسان وحبِّه له، وأنَّ قلِّة المال دليلٌ على بغض الله للإنسان وإهانته له. وقد سجل القرآن ذلك الظنُّ الموهوم ورد عليه بقوله –تعالى-: {فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَ‌بُّهُ فَأَكْرَ‌مَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَ‌بِّي أَكْرَ‌مَنِ ﴿15﴾ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ‌ عَلَيْهِ رِ‌زْقَهُ فَيَقُولُ رَ‌بِّي أَهَانَنِ ﴿16﴾ كَلَّا} [الفجر: 15-17].
قال الله: {كَلَّا} أي: ليس الأمر كما زعم لا في هذا ولا في هذا، فإنَّ الله يعطي المال من يحبُّ ومن لا يحبُّ ويضيق على من يحبُّ ومن لا يحبُّ، وإنَّما المدار في ذلك على طاعة الله في كلٍّ من الحالين، إذا كان غنيًّا بأن يشكر الله على ذلك وإذا كان فقيرًا بأن يصبر (تفسير ابن كثير).

نماذج النَّاجحين في اختبار المال

على الإنسان أن يشكر الله على نعمه كما قال -تعالى-: {فَكُلُوا مِمَّا رَ‌زَقَكُمُ اللَّـهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُ‌وا نِعْمَتَ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [النَّحل: 114].
والمال من أجل نعم الله على الإنسان والشُّكر لنعمة المال ليس فقط بالمقال وإنَّما بالفعل أي كون شكرًا عمليًّا كما أمر الله -تعالى- آل داود أن يشكروا على نعمائه عليهم فقال -تعالى-: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرً‌ا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ‌} [سبأ: 13].
وهذا الشُّكر العملي يتمثل بعد الاعتراف بالنِّعمة للمنعم في إخراج الحقوق الواجبة في المال من زكاةٍ أو نذورٍ إلى غير ذلك ثمَّ في إنفاق المال في وجوه الخير المتعدِّدة.
وذاك ما كان عليه رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- وأصحابه الكرام -رضي الله عنهم-، فقد كان -صلَّى الله عليه وسلَّم- يعطى عطاء من لا يخشى الفقر، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «كان رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- أجود النَّاس بالخير» [متفقٌ عليه].

تعود بسط الكفُّ حتَّى لو أنَّه***ثناها لقبض لم تجبه أنامله
ولو لم يكن في كفه غير روحه***لجاد بها فليتقِّ الله سائله
هو البحر من أيِّ النَّواحي أتيته***فلجته المعروف والجود ساحله


وعن جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما- قال: «ما سئل رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- شيئًا قط فقال: لا» [رواه مسلم 2311].

ما قال: لا قط إلا في تشهده***لولا التَّشهد كانت لاؤه نعم

وقال -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «لو كان لي مثل أحد ذهبًا، لسرني أن لا تمر عليَّ ثلاث ليال وعندي منه شيء إلا شيئًا أرصده لدين» [رواه البخاري 6445].

فالذَّهب الَّذي يستعبد بعض النَّاس أو يسيل له لعابهم ما كان ينظر إليه النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلا لينفقه في وجهوه الخير.
وراودته الجبال الشُّم من ذهبٍ***عن نفسه فأراها أيما شمم
وأكدت زهده فيها ضرورته***إنَّ الضَّرورة لا تعدو على العصم


أبو بكر الصِّديق -رضي الله عنه-:

سار الصِّديق على نفس درب الرَّسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقد أنفق ماله كلَّه في سبيل الله فعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: أمرنا رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- أن نتصدق فوافق ذلك عندي مالًا، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، قال فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «ما أبقيت لأهلك؟» قلت: مثله، وأتى أبو بكر بكلِّ ما عنده فقال: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: "والله لا أسبقه إلى شيءٍ أبدًا" [أخرجه أبو داود 1678 والتِّرمذي 3675 وحسَّنه الألباني].

عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-:

على نهج النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- والصِّديق سار أمير المؤمنين عمر الفاروق فقد أتته الدُّنيا راغمةً، فلم يلتفت إليه لو حملت إليه كنوز كسرى وقيصر فأنفقها على المسلمين ولم يذكر نفسه ولو بثوب فكان يلبس -وهو خليفةٌ- جبة صوف مرقوعة قال أنس: "كان بين كتفي عمر أربع رقاع وإزاره مرقوع بآدم وخطب على المنبر وعليه إزار فيه اثنتي عشر رقعة" (البداية والنِّهاية).

عثمان بن عفان رضي الله عنه:

وعن ذي النُّورين فحدث ولا حرج فقد كان واسع الثَّراء وسخر ماله الكثير في خدمة الإسلام والمسلمين فقد قال النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «من حفر رومة فله الجنَّة» فحفرتها، وقال: «من جهز جيش العسرة فله الجنَّة» فجهزته [صحيح البخاري 2778].

على ابن أبي طالب -رضي الله عنه-:

وأمَّا أبو السّبطين -رضي الله عنهم- فقد جاءه عامله يخبره أنَّ بيت المال قد امتلأ ذهبًا فقال: الله أكبر، فقام حتَّى أتى بيت المال وأمر فنودي في النَّاس فأعطى جميع ما في بيت المال للمسلمين وهو يقول يا صفراء يا بيضاء غري غيري هاء هاء: حتَّى ما بقي فيه دينار ولا درهم، ثمَّ أمر بنضحه وصلى فيه ركعتين (صفوة الصَّفوة).

وهكذا كان غيرهم من الصَّحابة فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخلٍ وكان أحبُّ أمواله إليه بيرحاء وكان مستقبله المسجد وكان رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يدخلها ويشرب من ماءٍ فيها طيب قال أنس فلمَّا أنزلت هذه الآية {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ‌ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]، قام أبو طلحة إلى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقال: يارسول الله إنَّ الله -تبارك وتعالى- يقول: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ‌ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بيرحاء وإنَّها صدقةٌ لله أرجو برَّها وذخرها عند الله فضعها يارسول الله حيث أراك الله، قال فقال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم: «بخ، ذلك مالٌ رابحٌ، ذلك مالٌ رابحٌ، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين»، فقال أبو طلحة: أفعل يارسول الله، فقسمها أبو طلحة على أقاربه وبني عمه [صحيح البخاري 1461].
فقد سهل على الصَّحابة بذل المال وإنفاقه؛ لأنَّه كان في أيديهم وليس في قلوبهم.

نماذج للرَّاسبين في اختبار المال

المال فتنةٌ ما في ذلك شكٌّ كما قال -تعالى-: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَاللَّـهُ عِندَهُ أَجْرٌ‌ عَظِيمٌ} [التَّغابن: 15].
وكما كان النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يستعيذ بالله من الفقر فكذلك كان يستعيذ من شرِّ فتنة الغنى فعن عائشة -رضي الله عنه- قالت: «كان النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يقول: اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من فتنة النَّار وعذاب النَّار، وفتنة القبر وعذاب القبر، وشرِّ فتنة الغنى وشرِّ فتنة الفقر، اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من شرِّ فتنة المسيح الدَّجال، اللهمَّ اغسل قلبي بماء الثَّلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثَّوب الأبيض من الدَّنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهمَّ إني أعوذ بك من الكسل، والمأثم والمغرم» [متفقٌ عليه].
وبعض النَّاس ينجحون في اختبار الفقر ويرسبون في اختبار الغنى فتراهم في حال الفقر صابرين محتسبين، فإذا تبدل الحال من ضيقٍ إلى سعةٍ ومن عسرٍ إلي يسرٍ ومن فقرٍ إلى غنًى، لم يقدموا لله شكرًا ولم يعرفوا له في مالهم حقًّا وقد نصَّ القرآن على نماذج من هؤلاء فمنهم:

1- قارون:
الَّذي استخدم نعم الله فيما لا يرضيه وقد وصف الله -تعالى- ثراءه العريض بقوله -تعالى- في القرآن الكريم: {إِنَّ قَارُ‌ونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَ‌حْ ۖ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِ‌حِينَ ﴿76﴾ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّـهُ الدَّارَ‌ الْآخِرَ‌ةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّـهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْ‌ضِ ۖ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 76-77].
فهو يرد على واعظيه بأنَّ ما هو فيه من نعمةٍ فإنَّما قد نالها بعلمه وتعبه وجهده فليس لأحد عليه فضلٌ ولا له في ماله حقٌّ (تفسير القرطبي).
وبهذا جحد فضل الله عليه واستحق أن تخسف به الأرض قال -تعالى-: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِ‌هِ الْأَرْ‌ضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُ‌ونَهُ مِن دُونِ اللَّـهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِ‌ينَ} [القصص: 81].

2- ناقض عهده مع الله:
وهو رجلٌ من المنافقين أعطى الله عهده وميثاقه لئن أغناه من فضله ليصدقن من ماله وليكونن من الصَّالحين، فما وفى بما قال، ولا صدق فيما ادعى فأعقبه هذا الصَّنيع نفاقًا سكن في قلبه إلى يوم يلقى الله -عزَّ وجلَّ- وفيه وأمثاله نزل قوله -تعالى-: {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّـهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿75﴾ فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِ‌ضُونَ ﴿76﴾ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّـهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [التَّوبة: 75-77].

النَّفس تجزع أن تكون فقيرةٌ***والفقر خيرٌ من غنى يطغيها
وغنى النُّفوس هو الكفاف فإن أبت***فجميع ما في الأرض لا يكفيها


وإنَّ هؤلاء المنافقين يوجد مثلهم في كلِّ زمانٍ، وهم الَّذين يلجئون إلى الله -تعالى- وقت العسرة والفقر أو الشِّدة والضُّرِّ فيدعونه ويعاهدونه على الشُّكر له والطَّاعة لشرعه، إذا هو كشف ضرَّهم وأغنى فقرهم فإذا استجاب لهم نكسوا على رءوسهم ونكصوا على أعقابهم وكفروا النِّعمة وبطروا الحقَّ وهضموا حقوق الخلق، وهذا مثل من شرِّ أمثالهم (تفسير المنار).

الغنى والفقير في ظلال الشِّعر


النَّار والهمُّ آخر كلمتي الدِّينار والدَّرهم
النَّار آخر دينار نطقت به***والهمُّ آخر هذا الدِّرهم الجاري
والمرء بينهما ما لم يكن ورعًا***معذب القلب بين الهمِّ والنَّار


مداهنة الأغنياء
إن الغني إذا تكلم بالخطأ***قالوا أصبت وصدقوا ما قالا
وإذا الفقير أصاب قالوا كلهم***أخطأت ياهذا وقلت ضلالًا
إنَّ الدَّارهم في الأماكن كلها***تكسوا الرِّجال مهابةً وجمالًا
فهي اللسان لمن أراد فصاحةً***هي السِّلاح لمن أراد قتالًا


العداوة للفقير
يمشي الفقير وكل شيء ضده***والنَّاس تغلق دونه أبوابها
وتراه ممقوتًا وليس بمذنبٍ****ويرى العداوة لا يرى أسبابها
حتَّى الكلاب إذا رأت رجل الغني***أضغت إليه وحركت أذنابها
وإذا رأت يومًا فقيرًا ماشيًا***نبحت عليه وكشرت أنيابها


وفي الختام
نسأل الله أن يغنى جميع المسلمين من فضله، وأن يجعل المال في أيديهم وليس في قلوبهم؛ ليستخدموه فيما يرضى الله ونصرة الإسلام وخدمة المسلمين إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه، وصلِّ اللهمَّ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم.


المنتدى
وزارة الأوقاف والشُّؤون الإسلاميَّة
دولة الكويت


ملفات المطوية

اسم الملف تحميل عدد مرات التحميل
المال في ضوء القرآن والسنة 5

اضف تعليقك

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3142 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3479 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3557 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟