نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

المطويات  (  الكسب الطيب ) 

Post
14-7-2011 3412  زيارة   

فعلى المسلم أن يحرص على الأكل من الحلال وأن يبذل جهده في الحصول على الكسب الطيب...

 

الافتتاحيَّة

الحمد لله ربِّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على خاتم الأنبياء وسيِّد المرسلين وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدِّين وبعد:

فقد خلق الله الإنسان لغايةٍ جليةٍ وهي عبادته وحده لا شريك له كما قال -تعالى-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} [الذَّاريات56].
ومن مقتضيات عبودية الإنسان لربِّه أن يقف عند حدود الأمر والنَّهي فيفعل ما أمر به ويجتنب ما نهى عنه.

ولقد أمر الله -سبحانه وتعالى- النَّاس بالأكل من الحلال الطَّيِّب فقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 168].
يقول ابن كثير: "لمَّا بيَّن -تعالى- أنَّه لا إله إلا هو، وأنَّه المستقل بالخلق شرع يبيِّن أنَّه الرَّزَّاق لجميع خلقه فذكر في مقام الامتنان أنَّه أباح لهم أن يأكلوا ممَّا في الأرض في حال كونه حلالًا طيِّبًا، أي مستطابًا وهي طرائقه ومسالكه فيما أضل أتباعه فيه من تحريم ما لم يأذن به الله" (تفسير ابن كثير).

وأكَّد الله هذا الأمر في خطاب المؤمنين فقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172].
فهذا تأكيد للأمر الأول وخصَّ المؤمنين هنا الذِّكر تفضيلًا (تفسير القرطبي).
وبمثل ذلك خاطب الله المرسلين فقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51].
فالله أمر عامَّة النَّاس والمؤمنين وهم الخواص بما أمر به المرسلين وهو خواص الخواص.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «أيُّها النَّاس إنَّ الله طيِّبٌ لا يقبل إلا طيِّبًا، وإنَّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172]» [صحيح مسلم 1015]
فعلى المسلم أن يحرص على الأكل من الحلال وأن يبذل جهده في الحصول على الكسب الطَّيِّب.

الكون مسخَّر للإنسان

التَّسخير في اللغة هو التَّذليل والعمل بلا أجره (الصّحاح في اللغة)، والقرآن الكريم أبان لنا أنَّ البشر لم يطرقوا هذا العالم ضيوفًا عليه أو غرباء فيه بل جاءوه ملاكًا مسودين وقطانًا قادرين ووضعت تحت أيديهم مفاتيح كلّ شيءٍ؛ ليتقبلوا في أرجائه كيف شاءوا فلقد سخَّر الله الكون بما فيه للإنسان كما قال -سبحانه وتعالى-: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29]، وقال -تعالى-: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية: 13].
فالسَّماء والأرض والشَّمس والقمر والليل والنَّهار والجبال والشَّجر والبحار والأنهار والزُّروع والثَّمر والطُّيور والأنعام إلى غير ذلك مما لا يحيطه الحصر في هذا الكون كلّ أولئك من أجل الإنسان وفي خدمته.

واجب الإنسان في هذا الكون

أوَّلًا: أن يتفكَّر ويتدبَّر ويتأمَّل في بديع صنع الله في هذا الكون حتَّى يتوصل من خلال ذلك إلى المعرفة والإيمان -أو زيادة الإيمان- ببديع السَّماوات والأرض بالدَّعوة إلى التَّفكُّر أوِ التَّذكُّر أوِ التعقل...كما في قوله -تعالى-: {هُوَ الَّذِي أَنْـزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} [النَّحل: 10-13].
عن أبي الدَّرداء -رضي الله عنه- قال: "تفكر ساعه خيرٌ من قيام ليلةٍ"، وقيل لأم الدَّرداء -رضي الله عنها- ما كان أفضل أعمال أبي الدَّرداء؟ قالت: "التَّفكر" (شعب الإيمان).

فيا عجبًا كيف يُعصَى الإله***أم كيف يجحده الجاحدُ
ولله في كلِّ تحريكةٍ***وفي كلِّ تسكينةٍ شاهدُ
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ***تدلُّ على أنَّه الواحدُ


ثانيًا: أن ينتفع بما سخَّره الله له وخلقه من أجله، وأن يبذل جهده في استكشاف القوانين والسُّنن والمنافع المبثوثة في الكون ظاهرًا وباطنًا ويحتسب ذلك عند الله ويسعى لعمارة الأرض وترقية الحياة فيها وتقديمها.

يقول الشَّيخ محمَّد الغزالي -رحمه الله-: "لو أنَّ المسلم كرَّس عمره لاستكشاف المجهولات من قوى الكون كما فعل "آينشتين" مثلًا لكان تأمُّله تسبيحًا وانكبابه على عمله اعتكافًا. فهذا لونٌ من الجهاد في سبيل الله. والمجاهد في سبيل الله له أجر الصَّائم لا يفطر والقائم لا يفتر. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنَّه قال: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصَّائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيامٍ وصلاةٍ حتَّى يرجع المجاهد في سبيل الله -تعالى-» [رواه مسلم]، وهذا الدَّرس الذَّكي للكون أهدى طريقًا من التَّأمُّل المباشر في ذات الله. فإنَّ هذه التَّأملات لم تجيء بعد المحاولات المضنية إلا بحصيلةٍ سقيمةٍ من الظُّنون والأوهام، ولم تخلف في كيان الأمم إلا التَّعادي والانقسام. أمَّا الدَّرس الدَّقيق للكون فهو باب الوصول إلى الله وهو لا غير باب الإفادة الواسعة من الكنوز الدَّفينة ومنافعه الغزيرة" (الإسلام والطَّاقات المعطلة).

ثالثًا: أن يعترف بالنِّعمة للمنعم ويوقن أنَّه لولا فضل الله ومعونته لما انتفع بشيءٍ ممَّا في الأرض فيشكر الله على نعمه الظَّاهرة والباطنة والَّتي لا يحيصها العدّ. قال الله -تعالى-: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20]، وقال -تعالى-: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34].
وذاك الاعتراف بالنّعم وشكرها شأن الأنبياء -عليهم السَّلام- والصَّالحين فهذا سليمان -عليه السَّلام- وقد أحسَّ بما وهبه الله من حكمٍ وجاهٍ وثروةٍ تفرد بها يقول في القرآن {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النَّمل: 40].

دعوة الإسلام للعمل

يقول الله -تعالى-: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15]، ويقول الله -تعالى-: {فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعه: 10]، ويقول الله -تعالى-: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلا فِجَاجًا} [نوح: 19-20].
إنَّ القرآن الكريم مليء بالآيات الَّتي تحثُّ على السَّير في الأرض والضَّرب فيها ابتغاء لفضل الله وانتفاعًا بما أودعه الله فيها من نعم ظاهرةً وباطنةً.

فما على المسلم إلا أن يستعين بالله ثمَّ يستخدم طاقته الَّتي منحه الله إيَّاها في السَّعي والعمل لتحصيل الرِّزق، ومجالات العمل كثيرةٌ فإن لم يجد نفسه في مجال وسعه مجال آخر، وإن ضاق عليه مكان تحول إلي غيره كما قال الله تعالى-: {وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ} [الزُّمر: 10].

ما في المقام لذي عقلٍ وذي أدبٍ***من راحةٍ فدع الأوطان واغتربِ
سافر تجد عوضًا عمَّن تفارقهُ***وانصب فإنَّ لذيذ العيش في النَّصبِ
إنِّي رأيت وقوف الماء يفسده***إن ساح طاب وإن لم يجر لم يطبِ
والأسد لولا فراق الغاب ما افترست***والسَّهم لولا فراق القوس لم يصبِ
والشَّمس لو وقفت في الفلك دائمةٌ***لملها النَّاس من عجمٍ ومن عربِ
والتَّبر كالتراب ملقى في أماكنه***والعود في أرضه نوع من الحطبِ


بيد أن بعض النَّاس يريد أن يطعم وهو قاعد، وأن يسعد وهو نائمٌ وألا يلقى الحياة إلا وهي تهب رخاء لا تجهم فيها ولا رعد، ولا غيم فيها ولا وحلٍ.

بل إنَّ بعضهم قد يريق ماء وجهه فيسأل النَّاس -مثلًا- ليكسب بلا تعبٍ ولا نصبٍ وهو ما حذَّر منه النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «ما يزال الرَّجل يسأل النَّاس حتَّى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم» [متفقٌ عليه].

وأخبر النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أن أي عملٍ شريفٍ -مهما قلَّ شأنه أو عائده أو عظمت مشقته- أفضل للمرء من المسألة فعن الزُّبير بن العوام -رضي الله عنه- عن النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها، فيكف الله بها وجهه، خير له من أن يسأل النَّاس، أعطوه أو منعوه» [صحيح البخاري 1471].

علامَ سؤالُ النَّاس والرِّزق واسعٌ***وأنت صحيحٌ لم تخنك الأصابع
وللعيش أوكارٌ وفي الأرض أرزاق الغنى***عريض وباب الرِّزق في الأرض واسعُ
فكن طالبًا للرزق من ارزق الغنى***وخل سؤال النَّاس فالله صانعُ


وبيَّن النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أن افضل ما يأكله الإنسان هو ما كان من كسبه وثمرة تعبه وكدِّه.
عن المقدام -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبيَّ الله داود -عليه السَّلامَّ- كان يأكل من عمل يده» [صحيح البخاري 2072].
والحكمة في تخصيص داود -عليه السَّلام- بالذَّكِّر أن اقتصاره في أكله على ما يعمله بيده لم يكن من الحاجة؛ لأنَّه كان ملكًا وخليفةً في الأرض كما ذكر الله -تعالى- في القرآن الكريم وإنَّما ابتغى الأكل من طريق الأفضل (فتح الباري).

الأنبياء والرُّسل يعملون

الأنبياء والمرسلون -عليهم الصَّلاة والسَّلام- هم صفوة الله وخيرته من خلقه وهم الأسوة الحسنة والقدوة الطَّيِّبة للنَّاس، وقد كانوا كما جاء عن بعضهم في القرآن والسُّنَّة يعملون ويأكلون من كسب أيديهم قبل النُّبوَّة أوِ الرِّسالة وبعدها على حد سواء؛ ليبيِّنوا للنَّاس بطريقةٍ عمليَّةٍ ضرورة العمل وأهميته في هذه الحياة.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» [صحيح البخاري 2262].
وكما هو معلومٌ من سيرته -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقد اشتغل أيضًا بالتِّجارة في شبابه -صلَّى الله عليه وسلَّم-.

وزكريا -عليه السلام- كان نجَّارًا
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «كان زكريا نجارًا» [رواه ابن ماجه 1760 وصحَّحه الألباني].
قال الإمام النَّووي: "فيه جواز الصَّنائع وأن النّجارة لا تسقط المروءة وأنَّها صنعةٌ فاضلةٌ وفيه فضيلة لزكريا -عليه السَّلام- فإنَّه كان صانعًا يأكل من كسبه" (شرح النَّووي على صحيح مسلم).

إدريس -عليه السَّلام- كان خيَّاطًا
عن ابن عباس ر-ضي الله عنهما- أنَّ إدريس -عليه السلام- كان خيَّاطًا فكان لا يغرز إبرةً إلا قال: "سبحان الله" فكان يمسي حين يمسي وليس في الأرض أحدٌ أفضل عملًا منه (تفسير ابن كثير).

موسى -عليه السَّلام- يعمل بالرَّعي
فقد عمل عشر سنين عند صهره مهرًا للزوجة كما جاء في القرآن عن ذلك: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ} [القصص: 27].
أي: على أن ترعى ثماني سنين فإن تبرعت بزيادة سنتين فهو إليك وإلا ففي ثمان كفاية (تفسير ابن كثير).

وقد أكمل موسى عليه السَّلام العشر، عن سعيد بن جبير قال: "سألني يهوديٌّ من أهل الحيرة أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله، فقدمت فسألت ابن عباس فقال: قضى أكثرهما وأطيِّبهما، إنَّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- (أي موسى) إذا قال فعل" [صحيح البخاري].

داود -عليه السَّلام- كان حدَّادًا
جاء في القرآن أنَّه كان حدَّادًا يصنع الدُّروع كما في قوله -تعالى-: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء: 79-80].
إلى غير ذلك ممَّا ورد عن بعض الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. العمل من العبادة:
إنَّ عبادة الله -سبحانه وتعالى- لا تقتصر فقط على الشَّعائر التَّعبديَّة من صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وحجِّ، وإنَّما يتسع مفهومها ليشمل أيضًا كلَّ عملٍ يقوم به الإنسان في هذه الحياة ولكن بشرطين:
أوَّلهما: أن تكون النِّيَّة في العمل خالصةً لله -تعالى-.
ثانيهما: أن يكون العمل موافقًا لسنَّة النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-.

فالتَّاجر والصَّانع والموظف وغيرهم تتحول أعمالهم بالنِّيَّة الصَّالحة إلى عبادةٍ كما أنَّ العبادة مع الغفلة تتحول إلى عادة ٍكمن يصلِّى مثلًا بلا خشوعٍ ولهذا قيل: "أهل اليقظة عاداتهم عباداتٍ، وأهل الغفلة عباداتهم عاداتٍ" كل ذلك من أجل النِّيَّة (مجموع الفتاوى ورسائل ابن عثيمين).

عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «إنَّما الأعمال بالنَّيَّة، وإنَّما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن هاجر إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» [صحيح البخاري 6953].

وعن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «وإنَّك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلا أجرت حتَّى ما تجعل في في امرأتك» [صحيح البخاري 6373].

وعن كعب بن عجرة -رضي الله عنه- قال: مرَّ على النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- رجلٌ فرأى أصحاب النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- من جلده ونشاطه ما أعجبهم فقالوا : يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله؟ إن كان خرج يسعى على ولده صغارًا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياءً ومفاخرةً فهو في سبيل الشَّيطان» [صحَّحه الألباني 1428 في صحيح الجامع].

الحذر من الكسب الحرام

كما أنَّ الإسلام أمر بالكسب الحلال الطَّيِّب وحثَّ عليه فكذلك نهى عن الكسب الحرام الخبيث وحذَّر منه وتوعَّد عليه.
قال الله -تعالى-: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188].

وقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النِّساء: 29].

ومن ثم فقد حرم الله الربا وتوعد آكليه فقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} [البقرة 278-279].
وحرَّم أكل مال اليتامى ظلمًا فقال -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النِّساء: 10].

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «اجتنبوا السَّبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هنَّ؟ قال: الشِّرك بالله، والسِّحر، وقتل النَّفس الَّتي حرَّم الله إلا بالحقِّ، وأكل الرِّبا، وأكل مال اليتيم، والتَّولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» [متفقٌ عليه].

كما حرَّم الإسلام الرّشوة والسَّرقة والغضب والغشَّ إلى غير ذلك من أنواع الكسب الحرام الَّذي يفسد صاحبه دنياه وأخراه.
عن أبي بكر الصِّديق -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «كلُّ جسدٍ نبت من سحت فالنَّار أولى به» [صحَّحه الالباني 4519 في صحيح الجامع].

اتَّقاء الشُّبهات

إنَّ الحرام يردي صاحبه في الدُّنيا والآخرة ومن ثمَّ على المسلم أن يحذِّره أشد الحذر وأن يبتعد عن الشُّبهات حتَّى لا يقع في الحرام، يقول الله -تعالى-: {تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النِّساء: 29]

عن النُّعمان بن بشير -رضي الله عنهما- قال سمعت رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يقول: «إنَّ الحلال بيِّنٌ وإنَّ الحرام بيِّنٌ وبينهما مشتبهاتٌ لا يعلمهنَّ كثيرٌ من النَّاس. فمن اتَّقى الشُّبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشُّبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، إلا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت، فسد الجسد كله ألا وهي القلب» [متفقٌ عليه].
وذلك لأنَّ الصَّدقة محرَّمةٌ على رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- فكان يخشى أن يأكلها حتَّى ولو وجدها في بيته أو على فراشه كما في رواياتٍ أخرى.

وهكذا كان أبو بكر -رضي الله عنه- فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج (وهو ما كان يقدره السَّيِّد على عبده من مال يدفعه من كسبه) وكان أبو بكر يأكل من خراجه فجاء يومًا بشيءٍ فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكر وما هو؟ قال كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة (هي الأخبار عمَّا سيكون من غير دليلٍ شرعيٍّ) إلا أني خدعته، فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الَّذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه" [صحيح البخاري].

دنيا وآخره

بعض النَّاس يظنُّون خطأ أنَّ على المسلم الاختيار بين الدُّنيا والآخرة وأنَّه لا يربح إحداهما إلا بخسارة الأخرى، وأنَّ عمل الدُّنيا يضرُّ بمستقبله في الآخرة، فلكي يربح الآخرة عليه بزعمهم أن يعتزل الدُّنيا، وذاك خطأٌ كبيرٌ؛ لأنَّ الدُّنيا والآخرة متكاملتان وليستا متضادتين فالدُّنيا مزرعة للآخرة ووجوه الكسب المختلفة من الحرف والصِّناعات إلى غير ذلك تخدم الدِّين من حيث إنَّها تعين المسلم على أداء وظائف دينه، والقيام بواجبات الخلافة الَّتي خلقه الله تعالى لها.

إنَّ العمل للحياتين الدُّنيا والآخرة قد وصل الإسلام أطرافه، وربط بعضه ببعض ونصوص القرآن الكريم والسُّنَّة تؤكد هذه وتدفع بجلاء ذاك الظَّنّ الموهوم.

فمثلًا زراعة الأرض عمل من صميم أشغال الحياة الدُّنيا فإذا أصبحت نيَّةً صالحةً يتحول إلى عملٍ للجنَّة وجهدٍ للآخرة.
عن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «ما من مسلمٍ يغرس غرسًا إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق له منه صدقة، وما أكل السّبع منه فهو له صدقة، وما أكلت الطَّير فهو له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة» [صحيح مسلم 1552].

ويسوِّى القرآن بين السَّعي للكسب الحلال الطَّيِّب والجهاد في سبيل الله في قوله -تعالى-: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [المزمِّل: 20].
يقول الإمام القرطبي: "سوَّى الله -تعالى- في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال الحلال للنَّفقة على نفسه وعياله، والإحسان والإفضال فكان هذا دليلًا على أنَّ كسب المال بمنزلة الجهاد؛ لأنَّه جمعه مع الجهاد في سبيل الله" (تفسير القرطبي).

وفي الختام
ندعو بما كان يدعو به النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- لبعض أصحابه: «اللهمَّ اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عن سواك» [أخرجه التِّرمذي 3563 وحسنه الألباني].

فنسأل الله أن ييسر للمسلمين جميعًا سبل الكسب الطَّيِّب وأن يرزقنا الحلال ويبارك لنا فيه، ويباعد بيننا وبين الحرام كما باعد بين المشرق والمغرب إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه. وصلِّ اللهمَّ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم.


وزارة الأوقاف والشُّئون الإسلاميَّة
المنتدى


ملفات المطوية

اسم الملف تحميل عدد مرات التحميل
الكسب الطيب 3

اضف تعليقك

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3142 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3479 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3557 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟