نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

المطويات  (  الأمن الاجتماعي ) 

Post
13-7-2011 1848  زيارة   

خلق الله تعالى الإنسان وهيأه لعمارة الكون ولأجل تمام هذه المهمة لابد من التآلف وأن يكون المجتمع كالبنيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضا.

 

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الافتتاحيَّة

خلق الله -تعالى- الإنسان وهيَّأه لعمارة الكون ولأجل تمام هذه المهمَّة لابد من التَّآلف وأن يكون المجتمع كالبنيان المرصوص الَّذي يشدُّ بعضه بعضًا.

وقد شرع الإسلام لتحقيق الألفة بين أتباعه تشريعات عدَّة منها إفشاء السَّلام قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «لا تدخلون الجنَّة حتَّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتَّى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السَّلام بينكم» [صحيح مسلم 54]، وأوصى بالتَّعاون بين أفراده فقال -تعالى-: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].

وضرب الصُّورة المثاليَّة للتعاون قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحمى» [صحيح مسلم 2586].

وحذَّر من التَّنازع وجعله سبب الفشل وذهاب القوَّة: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا} [الأنفال: 46]، وقرن بين الهجر وقطيعة الرَّحم والإفساد في الأرض قال -تعالى-: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمَّد: 22-23].

وأوصى بالتَّراحم بين المنتسبين إليه وجعل فكَّ الرَّقبة والإطعام من موجبات الفوز بالجنَّة والنَّجاة من النَّار: {فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 11-16].

ودعا إلى زيارة المرضى ورتب عليها الأجر الجزيل قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إنَّ الله -عزَّ وجلَّ- يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا ربِّ كيف أعودك؟ وأنت ربُّ العالمين، قال: أما علمت أنَّ عبدي فلانًا مرض فلم تعده، أما علمت أنَّك لو عدته لوجدتني عنده» [صحيح مسلم 2569].
قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «من عاد مريضًا نادى منادٍ من السَّماء طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنَّة منزلًا» [رواه ابن ماجه وحسَّنه الألباني].

فتبيَّنوا

الإسلام يربي أتباعه على التَّحقِّق من كلِّ خبرٍ يرد إليهم ؛لأنَّ للأخبار الكاذبة خطرها الدَّاهم على الأفراد والمجتمعات، فكم نشأت عداوات وتقطعت علاقات وقامت حروب بسبب خبرٍ لا أساس له من الصِّحَّة.

تحقَّق من كلِّ ما يصل إليك، وعندما يعتمد المسلم منهج التَّثبت -وهو منهجٌ قرآنيٌّ- ويعمل به في حياته يخشى أصحاب الأغراض الخبيثة من افتضاح أمرهم وكشف خبيئة نفوسهم ويكون ذلك دافعًا إلى قلَّة الأخبار الَّتي تروج للإضرار بالمجتمعات قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6].

خطر الكلمة: وقد حذَّر النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- من الكلمة الَّتي لم يتأكد صاحبها من صدقها قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكلِّ ما سمع» [مقدمة صحيح مسلم 5]، قال الإمام المناوي -رحمه الله تعالى-: "أي إذا لم يتثبت؛ لأنَّه يسمع عادةً الصِّدق والكذب فإذا حدث بكلِّ ما سمع لا محالة يكذب والكذب الإخبار عن الشَّيء على غير ما هو عليه وإن لم يتعمد، لكنَّ التَّعمد شرط الإثم" (فيض القدير).

ومن ذلك أيضًا قوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «بئس مطية الرَّجل زعموا» [رواه أبو داود 4972 وصحَّحه الألباني] "فالإخبار بخبرٍ مبناه على الشَّكِّ والتَّخمين دون الجزم واليقين قبيحٌ بل ينبغي أن يكون لخبره سندٌ وثبوتٌ ويكون على ثقةٍ من ذلك لا مجرد حكاية على ظنٍّ وحسبانٍ" (عون المبعود).

أغراض ناقل قالة السُّوء: ومن يروج الإشاعة يروجها لأغراض عدَّةٍ منها:
1- التَّظاهر بنصح المنقول له الكلام.

2- النَّيل من عرض من يشاع عنه.

3- جذب انتباه المستمعين وإشعارهم أنَّه مطلع على آخر الأخبار وأحدث التَّطورات.

أيُّها النَّاقل:
أوَّلًا: أذكر قول النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- لمعاذ -رضي الله عنه-: «ألا أخبركم برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه؟»، قلت: بلى يا رسول الله، قال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصَّلاة، وذروة سنامه الجهاد ثمَّ قال: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟»، قلت: بلى يا رسول الله، قال: فأخذ بلسانه، قال: «كفَّ عليك هذا»، فقلت: يا نبيَّ الله وإنَّا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: «ثكلتك أمُّك يا معاذ، وهل يكبُّ النَّاس في النَّار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم» [رواه التِّرمذي 2616 وصحَّحه الألباني].

ثانيًا: لا تتعجل في كلمةٍ نقلت إليك حتَّى تتأكد من صدقها.

ثالثًا: ينبغي حمل تصرفات أهل الخير على أحسن الوجوه وألا تسارع في سوء الظَّنِّ بهم.

من حقوق الأخوة

نبَّه الله -تعالى- في كتابه الكريم على جملة من الآداب يجدر بكلِّ مسلمٍ أن يتحلى بها عندما يتعامل مع إخوانه من ذلك قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11].
وكان النَّهي عن السُّخرية بالمسلمين ولمزهم والتَّنابز فيما بينهم بالألقاب؛ لأنَّ كثيرًا ما يغفل النَّاس عن مراعاة ذلك في أحاديثهم ومجالسهم، كما يظنُّ المتكلم أنَّ ذلك ممَّا يزيِّن الحديث ويستميل به الأسماع ويلفت إليه الأنظار، والوقوع في أعراض النَّاس يؤدِّي بالمسلمين إلى القطيعة والفرقة وهذا ممَّا يغضب الرَّحمن ويسعد الشَّيطان.

لا يسخر قوم من قوم: أوَّل هذه الآداب النَّهي عن سخرية المسلمين بعضهم من بعضٍ.

ومن أسباب السُّخرية: أن يرى السَّاخر من يسخر منه في هيئةٍ رثَّةٍ أو مبتلى بمرضٍ في بدنه أو لا يحسن صياغة الكلام، وكلُّ هذه مظاهر لا تدلُّ على منزلة الإنسان عند الله تعالى إذ منزلة الإنسان عند ربِّه لا يحددها إلا ما في قلبه من تقوى؛ قال النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «التَّقوى ههنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرَّاتٍ» [صحيح مسلم 2564]، وقال -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إنَّ الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» [صحيح مسلم 4651]، والقلوب لا اطلاع عليها إلا لعلام الغيوب.
وقد فسَّر الفخر الرَّازي قوله -تعالى-: {عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ} [الحجرات: 11]، بمعنى: يصيروا فإنَّ من استحقر إنسانًا لفقره أو وحدته أو ضعفه لا يأمن أن يفتقر هو ويستغني الفقير، ويضعف هو ويقوى الضَّعيف (تفسير الرَّازي).

ولا تلمزوا أنفسكم: وثاني هذه الآداب النَّهي عن اللمز ومعناه لا يعب بعضكم بعضًا؛ "لأنَّ المؤمنين كنفسٍ واحدةٍ، فمتى عاب المؤمن المؤمن فكأنَّما عاب نفسه، وقيل: معناه لا تفعلوا ما تلمزون به؛ لأنَّ من فعل ما استحق به اللمز فقد لمز نفسه حقيقةً" (الكشاف)، فالإسلام ينهي أن يعيب المسلم أخاه كما ينهي أن يرتكب المسلم الخطأ ثمَّ يلوم غيره فهو الَّذي قد عرَّض نفسه للقيل والقال، قال النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «فمن اتَّقى الشُّبهات استبرأ لدينه وعرضه» [صحيح مسلم 1599].

وقد يكون اللمز بالقول والإشارة ونحوه مما يفهمه آخر، والهمز لا يكون إلا باللسان، وحكى الثَّعلبي أنَّ اللمز ما كان في المشهد والهمز ما كان في المغيب (المحرر الوجيز).

تحسبونها هيِّنةً: إنَّ السخرية والهمز واللمز من الذُّنوب الَّتي يحسبها كثيرٌ من النَّاس هيِّنةً وهي عند الله -تعالى- عظيمةٌ وبلغ من عظمها أنَّها من أفعال الفسَّاق، وأنَّ فاعلها يستحق أن يوصف بالفسق وإن من مات دون أن يتوب منها فهو من الظَّالمين؛ لأنَّه ظَلَم النَّاس بالاعتداء عليهم، وظلم نفسه بأن رضي لها عقاب الآخرة مع التَّمكن من الإقلاع عن ذلك فكان ظلمه شديدًا جدًّا فلذلك جئ له بصيغة قصر الظالمين عليهم كأنَّه لا ظالم غيرهم لعدم الاعتداد بالظَّالمين الآخرين في مقابلة هؤلاء على سبيل المبالغة ليزدجروا (التَّحرير والتَّنوير).

لكي نحمي أخوتنا

عندما يتلقَّى المسلم الأخبار عليه أن يسمعها بأذن المؤمن التَّقي الَّذي يميز بين الطَّيِّب والخبيث وبين الظُّنون والحقائق ومن اهتدى بهدي القرآن الكريم عصمه الله من كلِّ ما يفرق بينه وبين إخوانه وألف بين قلوبهم قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 12].
أمر الله -سبحانه وتعالى- في هذه الآية الكريمة باجتناب كثير من الظَّنِّ والَّذي يميِّز الظنون الَّتي يجب اجتنابها عمَّا سواها: أنَّ كلَّ ما لم تعرف له أمارةٌ صحيحةٌ وسببٌ ظاهرٌ كان حرامًا واجب الاجتناب؛ وذلك إذا كان المظنون به ممَّن شوهد منه السّتر والصَّلاح، وأونست منه الأمانة في الظَّاهر، فظنُّ الفساد والخيانة به محرَّمٌ، بخلاف من اشتهر عند النَّاس بتعاطي الرّيب والمجاهرة بالخبائث (الكشاف).

وعندما يقذف الشَّيطان في نفس المسلم أن يحمل تصرفات أخيه على المحمل السَّيِّء عند ذلك عليه أن يراجع نفسه وان ينظر إلى حال أخيه فمن عرفه إخوانه بالصَّلاح أو كان مستور الحال ولم ير النَّاس عليه ما يعيبه عندما تتوافر هذه الشُّروط في شخص على المسلم أن يدفع عنه هذه الظنون ويعتبرها من إرجاف الشَّيطان.

أنواع الظَّنِّ: منه ما هو إثمٌ ومنه ما ليس بإثم بل هو واجبٌ كظنون المجتهدين في الفروع المترتبة على الأدلة الشَّرعيَّة.
التَّجسس: التَّتبع، ومنه الجاسوس والمراد تتبع عيوب النَّاس، وفي الآية النَّهي الأكيد عن البحث عن أمور النَّاس المستورة وتتبع عوراتهم، وفي التَّحذير من التَّجسس قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنَّه منِ اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته» [رواه أبو داود 4880 وقال الألباني: حسن صحيح].

والنَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يصف من يغتاب ويتجسس بأنَّه ممن يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، وأنَّ سلوكه لم يتأثر بعقيدته ويتوعده على هذا الفعل الشَّنيع بالفضيحة بين الخلائق فالجزاء من جنس العمل فكما أنَّه أراد بتجسسه على خلق الله أن يتتبع عوراتهم لكي يفضحهم فإنَّ ربَّ العباد يتولَّى فضحه في أخصِّ خصوصياته.

وقوله -تعالى-: {وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [الحجرات : 12] أي لا يتكلم أحد منكم في حقِّ أحدٍ في غيبته بما هو فيه ممَّا يكرهه، ويعرف النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- الغيبة بقوله: «ذكرك أخاك بما يكره»، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته» [صحيح مسلم 2589]، ويبيِّن النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- عظم جرم المغتاب فيقول -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إن من أربى الرِّبا الاستطالة في عرض المسلم بغير حقٍّ» [رواه أبو داود 4876 وصحَّحه الألباني].

الغيبة محرَّمةٌ بالإجماع: ولا يستثنى من ذلك إلا ما رجحت مصلحته، كما في الجرح والتَّعديل والنَّصيحة، كقوله -صلَّى الله عليه وسلَّم- لما استأذن عليه رجل: «ائذنوا له، بئس أخو العشيرة، أو ابن العشيرة» [صحيح البخاري 6054]، وكقوله لفاطمة بنت قيس وقد خطبها معاوية وأبو الجهم «أمَّا أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأمَّا معاوية فصعلوك لا مال له» [صحيح مسلم 1480] وكذا ما جرى مجرى ذلك (تفسير ابن كثير).

كيف يتوب المغتاب:

قال الجمهور من العلماء طريق المغتاب للنَّاس في توبته أن يقلع عن ذلك، ويعزم على ألا يعود، وأن يتحلل من الَّذي اغتابه، وقال آخرون لا يشترط أن يتحلله (يعني يطلب منه المسامحة) فإنَّه إذا أعلمه بذلك ربما تأذي أشدّ ممَّا إذا لم يعلم بما كان منه، فطريقه إذًا أن يثني عليه بما فيه في المجالس الَّتي كان يذمُّه فيها، وأن يردَّ عنه الغيبة بحسبه وطاقته، فتكون تلك بتلك (تفسير ابن كثير).

وعن قتادة في قوله -تعالى-: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحجرات: 12]، قال: "كما أنت كاره لو وجدت جيفة مدودة أن تأكل منها، فكذلك فاكره غيبته وهو حيٌّ" (تفسير الطَّبري).
وفي هذا التَّشبيه إشارةٌ إلى أنَّ عرض الإنسان كدمه ولحمه؛ لأنَّ الإنسان يتألم قلبه من قرض العرض كما يتألم جسمه من قطع اللحم، وهذا من باب القياس الظَّاهر؟ لأنَّ عرض الإنسان أشرف من لحمه ودمه فلمَّا لم يحسن من العاقل أكل لحوم النَّاس لم يحسن منه قرض عرضهم بالطَّريق الأولى؛ لأنَّ ذلك آلم (يعني أشدُّ ألمًا) (اللباب في علوم الكتاب).

كلكم لآدم

عرف العالم نظام الطَّبقات ولازال موجودًا في بعض المجتمعات إلى اليوم فطبقة تصل في احترام النَّاس لها إلى مرتبة التَّقديس وطبقة تصل في الاحتقار إلى أقل من دوابِّ الأرض. والقرآن الكريم يردُّ النَّاس إلى أصلهم الواحد قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].

والآية تشير إلى أنَّ الله -تعالى- خلق النَّاس من آدم وحواء -عليهما السَّلام- فالكلُّ سواءٌ في ذلك فلا وجه للتَّفاخر بالنَّسب وحده قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إنَّ الله -عزَّ وجلَّ- قد أذهب عنكم عبية الجاهلية، وفخرها بالآباء مؤمن تقي، وفاجر شقي، أنتم بنو آدم، وآدم من ترابٍ، ليدعن رجال فخرهم بأقوام، إنَّما هم فحم من فحم جهنَّم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان الَّتي تدفع بأنفها النّتن» [رواه أبو داود 5116 وحسَّنه الألباني] (وعبية الجاهلية يعني الكبر، تاج العروس)، والجعلان دويبة سوداء قوتها الغائط فإن شمت رائحة طيبة ماتت (التَّيسير بشرح الجامع الصَّغير).

ويكفي المسلم في عدم الاتكاء على النَّسب قول الله -تعالى- لنوح -عليه السَّلام- في ابنه: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود: 46]، وقول النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «يا بني عبد مناف اشتروا أنفسكم من الله، يا بني عبد المطلب اشتروا أنفسكم من الله، يا أم الزُّبير بن العوام عمَّة رسول الله، يا فاطمة بنت محمَّد، اشتريا أنفسكما من الله، لا أملك لكما من الله شيئًا، سلاني من مالي ما شئتما» [صحيح البخاري 3527].

فجديرٌ بصاحب النَّسب الشَّريف أن يجمع بين شرف النَّسب وحسن العمل "ولا يكتفي بمجرد الانتساب إلى جدود سلفوا ليقال له: نعم الجدود ولكن بئس ما خلفوا" (تفسير الألوسي).

والمسلم يرى تقسيم النَّاس إلى شعوبٍ وقبائلَ وسيلةً من وسائل التَّعارف لا الاختلاف وحتَّى الاختلاف الموجود بين البشر في المواهب والقدرات والطِّباع يحوله الإسلام إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد وهو اختلاف يدعو إلى التَّعاون لا التَّناكر والصِّراع.

والمجتمع المسلم يزن أفراده بقدر ما يقومون به من أعمال لا بحسب اللون أو الجنس أو العرق والتَّمييز العنصري البغيض الَّذي ينقص من آدمية الإنسان وتكريمه الرَّبَّاني.

وختامًا

- دعا الإسلام إلى تكوين المجتمع الصَّالح وجعل من مقومات وجوده وعوامل استقراره النُّصرة والوحدة والتَّناصح بين أفراده.

- جعل الإسلام التَّناصر بين المسلمين واجبًا شرعيًّا قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه» [متفقٌ عليه]، وقال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: «تأخذ فوق يديه» [صحيح البخاري 2444] ذلك أنَّ إهمال حقِّ الضعيف يولِّد في نفسه الكراهية والبغضاء للمجتمع والعمل على إلحاق الأذى بمن حرمه حقَّه ممَّا يولِّد الصِّراعات في المجتمع.

- دعا الإسلام إلى التَّناصح بين أتباعه وأن يرشد الأخ أخاه إلى الخير كلِّه وأن يحذره من الشَّرِّ كلِّه قال -تعالى-: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التَّوبة: 71].

ووصف من يتخلى عن الإيمان والنَّصيحة بالخسران: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1-3].

وبيَّن الطَّريق الَّذي يسلكه المسلم في تقديم النَّصيحة في قوله -تعالى-: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النَّحل: 125].

ومن خصائص المجتمع الإسلامي

- إنَّه مجتمع يشعر كلُّ فردٍ فيه أنَّه جزءٌ من أمَّةٍ متكاتفةٍ تعمل لخيره وتأخذ بيده إلى طريق السَّعادة وتعطيه حقَّه، وتحميه من كلِّ اعتداءٍ لذا فهو لا يبخل عليها بأيِّ جهدٍ يساعد في تنميتها ورقيها؛ لأنَّ كرامته مصانة وحقوقه محفوظةٌ.

- مجتمع تعلو فيه رابطة الإيمان على كلِّ رابطةٍ من جنسٍ أو عرقٍ أو لونٍ يعمل بقول الله -تعالى-: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10].

- مجتمع قدَّم حبّ الله -تعالى- على كلِّ محبوبٍ وعملٍ بقول الله -تعالى-: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التَّوبة: 24].

- مجتمع يرى في الإحسان إلى الخلق سبيل محبَّة الحق سبحانه حتَّى وإن كانت هذه المخلوقات لا تعقل، سئل -صلَّى الله عليه وسلَّم-، وإنَّ لنا في البهائم أجرًا فقال: «في كلِّ ذات كبد رطبةٍ أجرًا» [صحيح البخاري 2466].

- مجتمع يحمل كلّ فردٍ فيه نصيبه من المسؤولية ويؤدِّيه بأمانة صغر العمل أو كبر كان -صلَّى الله عليه وسلَّم- في بعض أسفاره فأمر بإصلاح شاه فقال رجلٌ: يا رسول الله علي ذبحها، وقال آخر: علي سلخها، وقال آخر: علي طبخها، فقال -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «وعلي جمع الحطب»، فقالوا: يا رسول الله نحن نكفيك فقال: «قد علمت أنكم تكفوني ولكني اكره أن أتميز عليكم فإن الله يكره من عبده أن يراه تميزاً بين أصحابه»، وقام -صلَّى الله عليه وسلَّم- وجمع الحطب (خلاصة سيرة سيد البشر).

في مثل هذا المجتمع تقوم منارات العدل ويتبوأُ النَّاس منازل الرَّحمة، وتسود بينهم روح الأخوة الحقَّة الَّتي تعمر ولا تدمر والحمد لله ربِّ العالمين.


وزارة الأوقاف والشُّؤون الإسلاميَّة
المنتدى


ملفات المطوية

اسم الملف تحميل عدد مرات التحميل
الأمن الاجتماعي 2

اضف تعليقك

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3144 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3484 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3560 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟