نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

المطويات  (  الهجرة والمهاجرون ) 

Post
11-7-2011 3546  زيارة   

ومن ثمار الإيمان والإسلام في المؤمن الهجرة ، فإذا دعاك الله إلى علم فهذه هجرة \"فالمهاجر من هجر الخطايا والذنوب\" والمؤمن الحق اليوم : (مهاجر أنصاري) ، مهاجر إلى الله في كل أعماله ، وأنصاري في إخوته من المسلمين .

 

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الهجرة وتطبيق النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- لعلم التَّخطيط

إنَّ خطة الهجرة النَّبويَّة كانت بدون شكٍّ مستكملةً لكلِّ أركان الخطَّة الحديثة، من الهدف والرُّؤية واستقراء الواقع، والاستخدام الأمثل للطَّاقات، والتَّحديد الدَّقيق للمراحل الزَّمنيَّة، وقبل ذلك كلّه وجود العامل الأقوى وهو التَّوكل على الله، والثِّقة بنصره -سبحانه- لمن أخذ بالأسباب وأعدَّ العدَّة والخطَّة الصَّحيحة لكلِّ أموره، وعمل بكامل الثِّقة والإيمان والتَّوكل على الله، كما قال الحبيب محمَّد -صلَّى الله عليه وسلَّم- لصاحبه الصَّديق في الغار: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» [متفقٌ عليه].

ولشرح الخطَّة، لنبدأ أوَّلًا: بالهدف منها، فقد وضع الرَّسول هدفًا واضحًا له في هذه الرِّحلة وهو الوصول للمدينة المنورة والإفلات من أيدي المشركين الَّذين عزموا على قتله، وأعدُّوا لذلك خطَّةً محكمةً؛ لتفريق دمه بين القبائل، وربما يكون هذا الهدف مستحيلًا عند كثيرٍ من النَّاس، فكيف سيفلت رجلٌ من ملاحقة المئات من عناصر المتابعة والقنص والتَّتبع، مع وجود جائزة كبيرة تعادل مئات الآلاف في زماننا الحالي، وهي مئة بعير... إنَّها بحقٍّ جائزةٌ مغريةٌ.

ولكنَّ التَّخطيط الجيِّد هو من ساهم في نجاح الرِّحلة؛ لأنَّ التَّخطيط للهجرة كان على أعلى مستوى من الدِّقَّة والموضوعيَّة، مع إضافة الطُّموح والتَّوكل على الله -تعالى- واليقين بنصره.
أمَّا جانب استقراء الواقع فتمثل في البحث عن أفضل من يشارك في الخطَّة فلم يجد الرَّسول أحدًا أفضل من صاحبه الصِّديق لما يتمتع به من صدقٍ وإخلاصٍ، ولم يجد أيضًا أفضل من أهل بيته وأولاده وعبده؛ ليكونوا على علم بالخطَّة السِّريَّة ومشاركين فيها.

أمَّا الجانب الَّذي يعجب منه البعض، فهو اعتماده على رجلٍ مشركٍ؛ ليكون مرشدًا ليدلّه على الطَّريق الأفضل الموصل للمدينة المنورة، مع أنَّ سيِّدنا أبا بكر الصِّديق كان عالمًا بالطُّرق فهو تاجرٌ خَبِر طرق المدينة، ولكنَّ الرَّسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- كان يريد الاستعانة بأخبَر منه في هذا المجال، حتَّى يضمن إيجاد أفضل الحلول والطُّرق في حال وقوع أحداث مفاجئة على الخطَّة، فكان أحد المساهمين في الخطَّة رجلًا مشركًا لا يدين بالولاء للرَّسول أو دينه، ولكنَّه شخصٌ متخصصٌ موثوقٌ، سيقوم بالمهمة بحياديَّةٍ تامَّةٍ ومهنيَّةٍ كبيرةٍ، وهذا كافٍّ جدًّا لإنجاح الخطَّة، فقد أثبتت دراسة الواقع أنَّه خير من يقوم بتلك المهمَّة لأسبابٍ موضوعيَّةٍ وواقعيَّةٍ، فكان من الحكمة الاستعانة به، ونفهم من هذا دروسًا كبيرةً تعبر عن عقليَّةٍ إبداعيَّةٍ للرَّسول -صلَّى الله عليه وسلَّم-.

أمَّا التَّحديد الدَّقيق للمراحل الزَّمنيَّة: فقد كانت واضحة في خطَّته -صلَّى الله عليه وسلَّم-، حيث حدَّد موعد الخروج من البيت، وموعد التقائه بسيِّدنا أبي بكر، وموعد تغيير مسار الرِّحلة من الشَّمال للجنوب للتَّمويه، وبعدها الاختباء لمدَّة ثلاثة أيَّام في غار ثور، والاتجاه إلى المدينة بطريقٍ أخرى غير مستخدمة للمسافرين، إنَّ هذا المخطط الزَّمني تمَّ تنفيذه بدقَّةٍ ونجاحٍ.

وسارت الهجرة النَّبويَّة وفقًا للخطَّة الموضوعة الَّتي تابعت أدقّ التَّفاصيل كتأمين الغذاء والمعلومات الاستخباراتيَّة وأساليب التَّمويه، فقد كان عامر بن فهيرة مولى سيِّدنا أبي بكر، يسير بالغنم خلف آثار خلف النَّاقة التي تحمل النَّبيَّ وصاحبه لكي يضيع الأثر ولا يمكن تتبعه، كما أنَّ عبد الله بن أبي بكر الصِّديق تولَّى إيصال المعلومات عن الأعداء وتحركاتهم، كما قامت أسماء بنت أبي بكر بتأمين الإمداد الغذائي بنقلها للماء والطَّعام للرَّسول وصاحبه أثناء وجودهم في غار ثور.

وسارت الرِّحلة ميممة شطر المدينة المنورة، وقابلتها الكثير من المفاجآت الَّتي تعامل معها الرَّسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- بكلِّ حكمةٍ وحزمٍ وذكاءٍ كما كان من أمر سراقة بن مالك، الرَّجل الدَّاهية الَّذي استطاع بقوة ملاحظته اللحاق بالرَّسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- ومحاولة إفساده للخطة، فوعده الرَّسول بجائزة تفوق الجائزة الَّتي رصدتها قريش، فقد وعده بأغلى ما عُرف في ذلك الزَّمان من مجوهرات، وهي سواري كسرى ملك الفرس أغنى أغنياء زمانه، ورضي سراقة بذلك لتعود الرِّحلة بعد ذلك فتصل إلى هدفها ويزول الخطر.

فنستخلص عبرةً واضحةً من قصَّة الهجرة النَّبويَّة أنَّ الرَّسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- قد عرف التَّخطيط وأتقن أساليبه واستخدمه في كلِّ مراحل حياته، فنجح بذلك في صناعة أمَّةً قويَّةً في خلال مدَّةٍ لا تتجاوز الخمس والعشرين سنة، فهل يا ترى ستكون لنا خطَّة للنُّهوض بأمَّتنا وأنفسنا من الواقع الَّذي وصلنا إليه.

وليكن كلِّ فردٍ واثقًا أن النَّصر يبدأ من عنده، فلو كنا أفرادًا ناجحين مخططين لحياتنا، فإنَّنا سنُكوِّن بلا شكّ أمَّة ناجحة رائدة تستحق أن تكون خير أمَّة أخرجت للنَّاس.

فضل صيام يوم عاشوراء

تعريفه: هو اليوم العاشر من شهر محرم من كلِّ عامٍ.

مناسبة الصِّيام: شكر لله -تعالى- على أن نجَّى موسى -عليه السَّلام- وقومه من فرعون وقومه في اليوم العاشر من محرم.

فضله: عن أبي قتادة -رضي الله عنه- قال: «سُئل النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- عن صيام يوم عاشوراء ، فقال: أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» [رواه مسلم 1162].
وقد كان النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يتحرَّى صيام يوم عاشوراء، لما له من المكانة، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «ما رأيت النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء، وهذا الشَّهر، يعني شهر رمضان» [رواه البخاري 2006].

سبب مشروعيَّة صيامه: وأمَّا سبب صوم النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يوم عاشوراء فلمَّا له من المكانة، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «قدم النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يومٌ صالحٌ، هذا يوم نجَّى الله بنيَّ إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. قال: فأنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه» [رواه البخاري 2004].

قوله: «هذا يومٌ صالحٌ» في رواية مسلم: «هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرق فرعون وقومه» [رواه مسلم 1130].
قوله: «فصامه موسى» زاد مسلم في روايته «فصامه موسى شكرًا فنحن نصومه» [رواه مسلم 1130]، وفي روايةٍ للبخاري «ونحن نصومه تعظيمًا له» [رواه البخاري 3943].

قوله: «وأمر بصيامه» وفي رواية للبخاري أيضًا: «فقال النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- لأصحابه: أنتم أحق بموسى منهم، فصوموا» [رواه البخاري 4680].

تكفير الذُّنوب الحاصل بصيامه: أمَّا تكفير الذُّنوب الحاصل بصيام يوم عاشوراء فالمراد به الصَّغائر أمَّا الكبائر فتحتاج إلى توبةٍ خاصَّةٍ.
قال النَّووي -رحمه الله-: "صوم يوم عرفة كفارة سنتين ويوم عاشوراء كفارة سنة وإذا وافق تأمينه (المصلِّى) تأمين الملائكة غفر له ما تقدَّم من ذنبه..، كلّ واحدٍ من هذه المذكورات صالح للتَّكفير فإن وجد ما يكفر من الصَّغائر كفره وإن لم يصادف صغيرةً ولا كبيرةً كتبت له به حسناتٍ ورفعت له به درجاتٍ..، وإن صادف كبيرةً أو كبائر ولم يصادف صغائر رجونا أن تخفف من الكبائر".

فوائد حول هذه المناسبة

- يستحب صيام يوم عاشوراء؛ اقتداءً بالنَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- ولأنَّنا أحق بموسى -عليه السَّلام- وتكريمه أكثر من اليهود.

- يستحب صيام يوم قبله أو يوم بعده؛ لتتحقق مخالفة اليهود الَّتي أمر النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- بها.

الهجرة بداية التَّأريخ الإسلامي

لمَّا أراد المسلمون وضع التَّاريخ في خلافة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، استشار عمر -رضي الله عنه- كبار الصَّحابة، فاتَّفقوا على أنَّ بدء التَّأريخ للأشهر القمريَّة سيكون بهجرة الرَّسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- من مكة إلى المدينة، وكان هذا الحدث في السَّنة السَّادسة عشرة من الهجرة عام 622 ميلادية، في اليوم الأول من المحرم من العام الهجري.

ويتكون العام الهجري (الإسلامي) من اثني عشر شهرًا قمريًّا وهي بالتَّرتيب: محرم- صفر- ربيع الأوَّل- ربيع الآخر- جمادي الأوَّل- جمادي الآخرة- رجب- شعبان- رمضان- شوال- ذو القعدة- ذو الحجّة.

ويجدر بنا أن نعلم أولادنا الشُّهور الإسلاميَّة؛ لكي يحفظوها ويكتبوها في مذكراتهم ودفاترهم ويؤرخوا بها أحداثهم المهمَّة؛ لأنَّ التَّاريخ الهجري هو الَّذي يربطنا بالثَّقافة الإسلاميَّة ويقوي انتماءنا لتاريخنا وأمَّتنا الإسلاميَّة.

- بعض الفروق الهامَّة بين التَّقويم الهجري والتَّقويم الميلادي:

- إنَّ العام الهجري أقل من العام الميلادي بأحد عشر يومًا؛ لأنَّ التَّقويم الهجري يعتمد أساسًا على دورة القمر الَّتي تقابل الدَّورة الشَّمسيَّة، وبالتَّالي ربما يكون الشَّخص حسب التَّقويم الهجري أكبر سنًا منه في التَّقويم الميلادي، ويوجد برامج على الشَّابكة (الإنترنت) تقوم بتحول أي تاريخٍ ميلاديٍّ لنظيره في الهجري أوِ العكس.

- الشُّهور في العام الهجري لا ترتبط بالمواسم والفصول الَّتي يتمُّ تحديدها أساسًا عن طريق الدُّورة الشَّمسيَّة، ممَّا يعني أنَّ المناسبات الإسلاميَّة الَّتي دائمًا تكون في نفس الشَّهر الهجري من كلِّ عامٍ، قد تأتي في مواسم مختلفة، فالحجّ وشهر رمضان على سبيل المثال يمكن أن يأتيا في فصل الصَّيف أوِ الشِّتاء على حدٍّ سواءٍ.

- لا تأتي المناسبات في نفس الموسم (الفصل) إلا كل ثلاثة وثلاثين دورة، حيث تكتمل الدَّورة القمريَّة، فلو جاء رمضان مثلًا في فصل الصَّيف يحتاج ثلاث وثلاثين دورة حتَّى يأتي في نفس الفصل مرَّةً أخرى.

لماذا اعتمد المسلمون الهجرة بداية لتاريخهم؟

لم يقلد المسلمون الآخرين في اتباع تاريخ من تواريخهم وذلك لشعورهم المتأصل باستقلال شخصيَّتهم الحضاريَّة المتميزة عن كلِّ الأنظمة والدِّيانات الأخرى، وقد ساهم في تكوين ذلك التميز ثلاثة أمور:
1- الإيمان بالرِّسالة المنوطة بهم المتمثلة في قوله -سبحانه وتعالى-: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143].

2- الاعتقاد بأحقيَّة الدِّين الإسلامي في السِّيادة على الأرض؛ لأنَّه آخر الأديان وأكلمها، وبأنَّ محمَّدًا -صلَّى الله عليه وسلَّم- سيِّد الرُّسل وخاتمهم، وبأنَّ القرآن الكريم معجزة الله الأخيرة للبشر، وأنَّ على المسلمين العمل الجادِّ الصَّادق للوصول لتلك الأحقيَّة في الرِّيادة بالعلم والتَّقدُّم والحضارة من خلال تطبيق دين الله واتباع نهجه في كلِّ الأمور الأخلاقيَّة الماليَّة وفي كلِّ مناحي الحكم.

3- تميزهم في عقائدهم وعبادتهم وأذانهم وصلاتهم وشعائرهم الخ... وكان هذا التَّميز ثمرةٌ من ثمرات توجيهات الرَّسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- عند إنشاء الدَّولة الإسلاميَّة، ومن مقتضيات الصِّراط المستقيم الَّذي يوجب مخالفة أصحاب الدِّيانات الأخرى حتَّى تتحقق الاستقلاليَّة الكاملة لأنظمة الإسلام .

الهجرة هي هجر ما نهى الله عنه

بيَّن الرَّسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنَّه لا هجرة بعد الفتح، أي لا هجرة جسديَّةٍ من مكة إلى المدينة، لأن مكة صارت دار إسلام، ولكن الهجرة مستمرةٌ، فليست فقط هجرة من أرضٍ إلى أرضٍ، بل هجرة من الجهل إلى العلم، هجرة من البخل إلى البذل والعطاء، هجرة من اللغو إلى الجدّ والهمَّة والعزيمة، ومن البطالة إلى العمل، هجرة من الرَّذائل إلى الفضائل، ومن الشَّرِّ إلى الخير.

ومن ثمار الإيمان والإسلام في المؤمن الهجرة، فإذا دعاك الله إلى علم فهذه هجرة "فالمهاجر من هجر الخطايا والذُّنوب"، والمؤمن الحقّ اليوم: (مهاجر أنصاري)، مهاجر إلى الله في كلِّ أعماله، وأنصاري في إخوته من المسلمين.

وأورد الإمام ابن قيم الجوزيه -رحمه الله- تقسيمًا حسنًا للهجرة فقال: "إنَّها فرض عين على كلِّ أحدٍ في كلِّ وقتٍ، وإنَّه لا انفكاك لأحدٍ من وجوبها وهي مطلوب الله ومراده من العباد؛ إذ الهجرة هجرتان:
- هجرة بالجسم من بلدٍ إلى بلدٍ، وهذه أحكامها معلومة.
- الهجرة بالقلب إلى الله ورسوله، وهذه الهجرة الحقيقيَّة وهي الأصل وهجرة الجسد تابعة لها، وهي هجرة تتضمن (من) و (إلى)، فيهاجر بقلبه من محبَّة غير الله إلى محبَّته، ومن عبودية غيره إلى عبوديته، ومن خوف غيره ورجائه والتَّوكل عليه، إلى خوف الله ورجائه والتَّوكل عليه، ومن دعاء غيره وسؤاله والخضوع له والذُّل والاستكانة له، إلى دعائه وسؤاله والخضوع له والذُّل والاستكانة له".

ثمَّ تعرض -رحمه الله- لحال العبد المؤمن المهاجر الى ربِّه فقال: "وله في كلِّ وقتٍ هجرتان: هجرة إلى الله بالطَّلب والمحبَّة، والعبوديَّة والتَّوكل، والإنابة والتَّسليم والتَّفويض، والخوف والرَّجاء، والإقبال عليه وصدق الملجأ، والافتقار في كلِّ نفسٍ إليه؛ وهجرة إلى رسوله -صلَّى الله عليه وسلَّم- في حركاته وسكناته الظَّاهرة والباطنة، بحيث تكون موافقة لشرعه، الَّذي هو تفضيل محابه ومرضاته، ولا يقبل الله من أحدٍ دينًا سواه، وكلّ عملٍ سواه باطلٌ، فعيش النَّفس وحظُّها مرهونٌ بمرضاه الله -عزَّ وجلَّ-".

نستفيد من ذلك أنَّ الهجرة المطلوبة الآن.. هي نقلةٌ بالنَّفس الإنسانيَّة من طبيعة النَّفس الأمارة بالسُّوء إلى مرتبة النَّفس اللوامة الَّتي تفتش في مسيرة حياتها؛ لتتجنب عوامل الضَّعف وأسباب الانحراف حتَّى ترقى إلى مرتبة النَّفس المطمئنة الَّتي تتادى من قبل الحق -تبارك وتعالى-: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر: 27-30].

كما أنَّ الهجرة الآن على المستوى الاجتماعي اليوم تعني النَّقلة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والسِّياسية إلى آفاق المنهج الإلهي الَّذي أنزله الله -عزَّ وجلَّ-؛ ليقوم النَّاس بالقسط، وكلا النَّوعين النَّقلة النَّفسيَّة والنَّقلة الاجتماعيَّة هي التَّطبيق العملي لقول الله -تبارك وتعالى-: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الذَّاريات: 50].

من تجليات الهجرة والمهاجرين

إنَّ حادثة الهجرة النَّبويَّة تعدُّ حدثًا مفصليًا في مسيرة الإسلام وتشكله، وسنذكر في ذلك عددًا من الفوائد الَّتي نستخلصها من الهجرة:
أوَّلًا: حادثة الهجرة أكبر من أن تعلق عليها سورة واحدة من سور القرآن:
يرى الشَّيخ الغزالي -رحمه الله- أنَّ الهجرة النَّبويَّة، لم تذكر في سورة واحدة مثل المعارك؛ لأنَّ "هذه المعارك استغرقت أيَّامًا قليلةً، أمَّا الهجرة فشأنٌ آخرٌ.. لقد ظلَّت أفواج المهاجرين متصلةُ سنين عددًا، وتطلب التَّعليق عليها مواضع عديدة".
ولهذا ذكرت الهجرة في سورٍ: البقرة، وآل عمران، والنِّساء، والأنفال، والتَّوبة، والنَّحل، والحجّ، والممتحنة، والتَّغابن، والحشر.. وكان التَّعليق في كلِّ سورةٍ، إبرازًا لمعنى مقصودٍ.

ثانيًا: وزن الإيمان في الهجرة:
ليست الهجرة في صدر الإسلام هي انتقال موظف من بلدٍ قريبٍ إلى بلدٍ ناءٍ، ولا ارتحال طالب قوتٍ من أرضٍ مجدبةٍ إلى أرضٍ مخصبةٍ، إنَّها إكراه رجلٍ آمن في سربه، ممتد الجذور في مكانه على إهدار مصالحه، وتضحيته بأمواله والنَّجاة بشخصه، وإشعاره بأنَّه مستباحٌ منهوبٌ، قد يسلب أو يهلك، وبأنَّه يسير نحو مستقبل مبهم، لا يدري ما يتمخض عنه من قلاقل وأحزان، فما هو السِّر وراء تحمله ذلك كله؟ وليس الأمر تحملًا وحسب، إنَّما تحمل يصاحبه فرح وسرور، وصبر يحوطه رضًا وحبور، وذلك كلّه بقوةٍ إيمان ذلك الجيل النَّبوي الَّذي يزن إيمانه الجبال ولا يطيش، فهذه الصِّعاب لا يطيقها إلا مؤمنٌ تربى على تعاليم النُّبوة، وقبس من أنوار الوحي، وتضلع من هدي الإسلام. أمَّا الهياب الخوار القلق، فما يستطيع أن يفارق أهله ووطنه، فضلًا عن أن يكون بذلك مطمئنّ النَّفس رضي البال.

إنَّ المهاجرين الأوائل لم يقلقهم مستقبلٌ غامضٌ أو حاضرٌ مخيفٌ، إنَّما نهضوا بحقوق الدِّين الَّذي اعتنقوه، وثبتوا على صراطه المستقيم على الرغم من تعدد العقبات وكثرة الفتن، من أجل ذلك هاجروا لما اقتضاهم الأمر أن يهاجروا، وبذلوا النَّفس والنَّفيس في سبيل عقيدتهم.

وليس شرطًا أن يرى المرء ثمرة جهاده والتَّمكين لدينه وهو حيٌّ، بل ربما يطويه الموت، ولم يعرف بعد نتيجة الصِّراع بين الهدى والضَّلال، لكن وعد الله لا يتخلف قال -تعالى-: {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ} [الزُّخرف: 41].
والخطَّة المثلى أن يؤدي المرء واجبه المجرد دون استعجال لنتائج المعركة المحتدمة بين الحقِّ والباطل؛ لأنَّ الله قد تولاها بذاته العليَّة.

ثالثًا: فكرة لا رحلة:
هكذا كانت الهجرة.. خطوات يتحرك بها القلب المؤمن في الحياة؛ فتتحرك في ركابها الثِّقة الغالية والتَّضحية النَّبيلة، إنَّها طريق الأبطال تزدحم بالفدائيين من حلمة العقائد، يتركون البلد الَّذي اضطهد دينهم فيه؛ ليلتمسوا في مهجرهم مأمنًا لعقيدتهم ومتنفسًا لدينهم، ويقيموا فيه مجتمعًا يحتضن الشَّعائر والشَّرائع، وليستعدوا للجولة الثَّانية الَّتي يستعيدون بها أرضهم وحتَّى تكون الأرض كلُّها لله، قال -تعالى-: {إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128].

المهاجرون وحقوقهم علينا

كتبت في عهد النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- صحيفة خطيرة الشَّأن، أقرَّها الصَّحابة وعملوا بنهجها؛ لأن النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أمر بكتابتها في السَّنة الأولى للهجرة، فكانت أشبه (بدستور) للدَّولة الفتية النَّاشئة في المدينة المنورة، وهي الصَّحيفة الَّتي دوَّن فيها رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- حقوق المهاجرين والأنصار واليهود، فعن ابن شهاب أن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- كتب بهذه الصَّحيفة: "هذا كتاب من محمَّد النَّبيِّ رسول الله، بين المؤمنين والمسلمين من قريش، وأهل يثرب، ومن تبعهم، فلحق بهم، فحل معهم وجاهد معهم، أنهم أمَّة واحدة دون النَّاس، المهاجرون من قريش على ربعاتهم يتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى (المعاقل: الديات)، وهم يفكون عانيهم بالمعروف (العاني: الأسير أو صحاب الدين أو المريض)، والقسط بين المؤمنين (القسط : العدل)".

وقد أوصى أحد العلماء خليفة ذلك الزَّمان بما يحضُّ على رعاية المهاجرين وحفظ حقوقهم فقال للخليفة: "لاحظ الأمور بحسن تدبيرك، المألوف في سياستها، واستوصِ خيرًا بأمرائك الخالصين من الشُّكوك، السَّالكين في طاعتك أحسن السُّلوك، وضاعف لهم الحرمة، وارع لهم الذِّمة، لا سيما أولي الفكر الثَّاقب، والرَّأي الصَّائب، فشاورهم في مهمَّات الأمور، واشرح بإحسانك منهم الصُّدور، وارع حقوق المهاجرين والأنصار، الَّذين سلكت معك مطاياهم البطاح والقفار، وهجروا محبوبهم من الوطن والدَّار، وجالدوا وجادلوا وآووا في سبيلك وقاتلوا، وأنل كلًا منهم ما يرجوه، واشرح صدورهم بإدراك ما أملوه".

وقد ابتدأ الجهاد أوَّل الأمر دفاعًا عن حقوق المهاجرين الَّذين أبعدوا عن ديارهم بغير حقٍّ، قال -تعالى-: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39]، وانتهى أمر الجهاد ليصبح دفاعًا عن الإنسان حيث كان، وتحريرًا للإنسانيَّة بكافة أشكالها وألوانها، وفي مختلف الأمكنة والعصور، من كلِّ الأغلال والدّيكتاتوريات الَّتي تكبلها، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التَّوبة: 123].

وقد كان المسلمون يضحون بأموالهم وأنفسهم من أجل نشر العدالة وإتاحة حريَّة الاختيار أمام الآخرين، في عصور لم تكن تعرف شيئًا من الحريَّة السِّياسيَّة والدِّينيَّة، ولم تكن تعترف بكرامة الإنسان، وهذا سبق عالمي ينبغي للمسلمين أن يفتخروا به، فهم لم يقاتلوا من أجل نهب ثروات الآخرين، والاستيلاء على مقدراتهم، وإنَّما من أجل نشر العدالة والحريَّة بين النَّاس حتَّى يختاروا العقيدة الصَّحيحة أو يبقوا إذا شاءوا على عقيدتهم من دون خوفٍ من حسيبٍ أو رقيبٍ، ومثل هذه الحرب لم تعرفها البشريَّة في كلّ عصورها، فالحرب عبر التَّاريخ وإلى يومنا هذا سببها المكاسب الماديَّة والجشع والطَّمع بما عند الآخرين.

فحريٌّ بنا آن نرعى حقوق المهاجرين والوافدين إلينا مهما كان سبب الهجرة، بحثًا عن القوت، أو خوفًا من الاضطهاد والحروب في بلادهم، والعون والحفاظ على الحقوق لابد أن يكون بدون تفرقةٍ، فالكلُّ مهاجرٌ ضعيفٌ مهما كان أصله أو لونه، فالمسلم الحق يعين أخاه المسلم أو في الإنسانيَّة، والله -تعالى- تكلف بالأجر كما جاء في الحديث النَّبوي الَّذي رواه مسلم: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» [رواه مسلم 2699].

فأكرم أخاك المهاجر ويسر أمره ولا تلجئه للفاقة والعوز، فهو في ذمَّتك وقد إلتجأ إليك فلا تخيب، وإن شاء الله سيكون الأجر في الدُّنيا قبل الآخرة عزًّا ومنعةً للإسلام وأهله في الدُّنيا، ومغفرةً ورحمةً من الله في الحياة الآخرة.


المنتدى
وزارة الأوقاف والشُّؤون الإسلاميَّة

ملفات المطوية

اسم الملف تحميل عدد مرات التحميل
الهجرة والمهاجرون 1

اضف تعليقك

تعليقات الزوار

nabil

orido an achkorakom arjoukom orido ma3lomat aktar

2011-08-09 00:00:00


روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3141 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3479 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3557 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟