نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

المطويات  (  حالنا بعد رمضان ) 

Post
11-7-2011 3613  زيارة   

سُئِلَ بعض السلف عن أُناس يتعبَّدون في رمضان، فإذا انسلخ رمضان، تركوا؟ فقال: \"بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان\".

 

الحمدُلله على جزيل نَعْمَائِه، وجزيل إحسانه، أحمده -تعالى- وأشكره على سوابغ آلائه وتَرادُف امتناه، وأُصلِّي وأسلِّم على الدَّاعي إلى مغفرته ورضوانه، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه، وبعد:

فإنَّ المسلم حقًّا مَن تكون تقوى الله شعاره طيلة عمره، ولباسه مدَّة حياته، وإنَّ المؤمن صادق الإيمان مَن يكون عمله بالطَّاعات، واجتنابه للمعاصي والخطيَّات، ديدنًا له ومنهاجًا إلى أن يتوفَّاه الله؛ فلا تزيده مواسم الخير إلا اجتهادًا في العبادة، وحرصًا على الطَّاعة، وترويضًا للنَّفس على الخير، فإذا انقضت هذه المواسم، فإنَّ آثارها تبقى متمثلةً في حياته؛ صورًا حيَّةً، وواقعًا ملموسًا، وعملًا مُشاهَدًا محسوسًا.

وداعًا رمضان
أيُّها المسلمون، يا مّن ودَّعتم قبل أيام شهرًا كريمًا، وموسمً عظيمًا؛ صمتم نهاره، وقمتم ما تيسَّر من ليله، وأقبلتم على تلاوة القرآن، وأكثرتم من الذِّكر والدُّعاء، وتصدَّقتم بجودٍ وسخاءٍ، وتقربتم إلى ربِّكم بأنواع القُرُبَات؛ رجاء ثوابه، وخوف عقابه، فكم من جهودٍ بُذِلَت، وأجسادٍ تعِبَت، وقلوبٍ وَجِلَت، وأَكُفٍّ رَفِعَت، ودموعٍ ذَرَفَت، وعَبَرَاتٍ سُكِبَت، وحُقَّ لها ذلك في موسم المتاجرة مع الله، في موسم الرَّحمة والمغفرة والعِتْق من النَّار.

إخواني الكرام، لقد مرَّ بنا هذا الشَّهر المبارك كطيفِ خيالٍ، مرَّ بخيراته وبركاته، مضى من أعمارنا وهو شاهدٌ لنا أو علينا بما أودعناه فيه، فليفتح كلّ واحدٍ منَّا صفحة المحاسبة لنفسه: ماذا عمل فيه؟! وما مدى تأثيره على العمل والسُّلوك؟! هل أخذنا بأسباب القبول بعده، واستمررنا على العمل الصَّالح أو أنَّ واقع كثير من النَّاس خلاف ذلك؟!

هل تأسَّينا بالسَّلف الصَّالح؟! الَّذي تَوْجَلُ قلوبهم، وتحزن نفوسهم، عندما ينتهي رمضان؛ لأنَّهم يخافون ألا يُتَقَبَّل منهم عملهم، ولذا فقد كانوا يكثرون الدُّعاء بعد مضان أن يُتَقَبَّل منهم، يقول -سبحانه-: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 60]، سَألَت عائشة -رضي الله عنها- رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- عن أهل هذه الآية أهُمُ الَّذي يزنون ويسرقون ويشربون الخمر؟ قال: «لا يا بنت الصِّديق ولكنَّهم الَّذين يصومون ويصلُّون ويتصدقون وهم يخافون أن لا تُقبَّل منهم» [رواه التِّرمذي 3175 وصحَّحه الألباني]، وقد قال -عزَّ وجلَّ-: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27].

الفائزون في رمضان
فحريٌّ بكلِّ عاقلٍ، وينبغي على كلِّ مسلمٍ: أن ينظر في حاله، ويُفَكِّر في أمره، ويتعرَّف على علامات الرِّبح والخسارة بعد العمل، وأهمها: الاستمرار على العمل الصَّالح، وإتْبَاع الحسنة الحسنة.

فمّن كانت حالُه بعد رمضان أحسن منها قَبْله منيبًا؛ بأن كان مقبلًا على الخير، حريصًا على الطَّاعة، مواظبًا على حضور الجُمَع والجماعات، تائبًا منيبًا ملتزمًا مستقيمًا صالحًا، بعيدًا عن المعاصي: فهذه أَمَارَة قبول عمله، إن شاء الله -تعالى-.

أمَّا مَن كان حاله بعد رمضان، كحاله قبله، فهو -وإن على أقبل الله في هذا الشَّهر- إلَّا أنَّه سرعان ما ينكُصُ على عَقِبيْهِ، ويعود إلى المعاصي، ويهجُرُ الطَّاعات، ويَجْتَرِحُ ما حرَّم الله، ويُضَيِّع الصَّلوات، ويتَّبع الشَّهوات، ولا يصون سمعه وبصره وجوارحه، وأقواله وأفعاله وأمواله عن المحرمات فهذا لا يزداد من الله إلا بُعْدًا، والعياذ بالله.

فَهْمٌ خاطئٌ
غريبٌ -يا أهل الإسلام- أن يُسِيء أبناء هذا الدِّين الفهم لشعائر الإسلام، فلا يعملون الطَّاعات إلا في مواسمَ معيَّنةٍ، وأوقاتٍ محددةٍ، فإذا انتهت كان ذلك آخر عهدهم بها! نعوذ بالله من العَمَى بعد الهُدَى؛ {وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} [النحل: 92].

سُئِلَ بعض السَّلف عن أُناسٍ يتعبَّدون في رمضان، فإذا انسلخ رمضان، تركوا؟ فقال: "بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان".

فاتقوا الله -عباد الله- يا مَن عرفتم الخير في رمضان، كيف تزهدون فيه بعده؟!

أنسيتم أنَّ ربَّ الشهور كلِّها واحدٌ، وهو على كلِّ أحوالكم وأعمالكم رقيبٌ مُشاهِدٌ؟!

يا مّن أقبلتم على ربِّكم في رمضان، كيف نسيتموه بعده؟!

يا مَن عرفتم أنَّ الصَّلاة واجبةٌ في أوقاتها، وفي الجماعة في بيوت الله، كيف تجاهلتم ذلك بعد رمضان؟!

يا مَن علمتم أنَّ الله حرَّم عليكم المعاصي، كيف رجعتم إليها؟!

يا مَن كنتم تُقْبِلون على القرآن، كيف هجرتموه؟!

يا لفداحة المصيبة! يا لعِظَم الحرمان أن يحُورَ أُنَاسٌ بعد الخير إلى الشَّرِّ، وبعد الهدى إلى الضَّلالة، وبعد طريق الجنَّة إلى طرُق الجحيم، والعياذ بالله!.

إخواني، أين آثار الصِّيام الَّتي تَرَكَهَا في نفوس المسلمين؟! أين الدُّروس والعِبَر الَّتي أُخِذَت من هذه الفريضة العظيمة؟! أين التَّقوى والقوَّة، والتَّضحية والصَّبر، والمودة والعطف، والتَّعاون الَّذي يجب أن يكون عليه المسلمون في كلِّ وقتٍ؛ ليتحقق فيهم وصف القرآن، وليكونوا كما أراد الإسلام؟! إنَّ هذه الآثار يجب أن تَبْقَى متمثلةً في حياة المسلمين أبديًّا لا آنيًّا، وسرمديًّا لا وقتيًّا!
أنسيتم أنَّ الله افترض عليكم طاعته، وألزمكم بعبادته في كلِّ وقتٍ، ولم يجعل لذلك غاية إلا حلول الأجل؟!

قَرَأَ الحسن البصري -رحمه الله- قوله -تعالى-: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99]؛ فقال: "إنَّ الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلًا دون الموت".

ألا فليعلم ذلك جيدًا مَن ودَّعوا الأعمال الصَّالحة بوداعهم رمضان، أفأمِن هؤلاء أن ينزل بهم الموت ساعةً من ليلٍ أو نهارٍ، وهم على حالٍ لا تُرْضِي العزيز الجبار، ولا تنفعهم يوم العرض على الواحد القهَّار؟!

أمَّا آن لنا أن ندرك ما أصابنا من ضعفٍ وفرقةٍ، إنَّما هو من عند أنفسنا، ونتيجة لعدم فَهْم كثير منَّا لأحكام ديننا، وضعف استفادتنا من مواسم البِرِّ والإحسان، إذا لم تعمل هذه المواسم عمَلها في القلوب؛ فتُحْييها بعد موات، وعملها في الأمَّة، فتجمعها بعد شَتَاتٍ، ولم تُجْدِ في حلِّ المشكلات، وعلاج المعضلات، والخروج من الفتن والآفات فإنَّ ذلك دليلٌ على قلَّة البصير، وتردِّي الوعي، وسوء الفهم للأحكام الشَّرعيَّة.

أما إذا استقامت الأمة على العبادة، ولم تهدم ما بنته في مواسم الخير، ولم تبطل ما عملته فيها، ولم تستلم لنزغات الشَّيطان وأعوانه فإنَّها تمسك بحبل النَّجاة لتصل إلى بَرِّ السَّلام، وشاطئ الأمان، بإذن الله.

ونداءٌ مِلْؤُهُ الحَنَان والإشفاق إلى الَّذين عزموا على العودة إلى المعاصي بعد رمضان، أن يتَّقوا الله -سبحانه-، فالعمر قصيرٌ، والآجال محدودةٌ، والأنفاس معدودةٌ، فإلى متى الاسترسال في الغفلة والإعراض؛ فلتعلنوها جميعًا توبةً صادقةً لا رجعة بعدها إلى الذُّنوب، فهذا -والله- هو الشُّكر الحقيقي لِنعْمَة الصِّيام!

ومن العلاج لهذه الظَّاهرة: تناصُحُ المسلمين، وتعاونهم فيما بينهم والقيام بواجب الدَّعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، بالحكمة والأسلوب الأمثل، كُلٌّ على قدر استطاعته.
فاتَّقوا الله -عباد الله- اشكروه على نِعّمِهِ الَّتي لا تُحصى، وعلى آلائه الَّتي أرسلها إليكم تَتْرى، فقد والى عليكم -جلَّ وعلا- النِّعَم والفضائل، وتابَع عليكم مواسم الخير؛ لرفعة درجاتكم، وزيادة حسناتكم، وتكفير سيِّئاتكم.

فضل صيام السِّتِّ من شوال
ومن ذلك: ما نَدَبَكُم إليه في شهر شوال، من صيام ستَّة أيام منه، ورتَّب على ذلك الأجر العظيم، روى مسلم في "صحيحه" من حديث ابي أيوب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «مَن صَام رمضان ثمَّ أتبعهُ ستًّا من شوال كان كصيام الدَّهر» [رواه مسلم 1164]، وقد يسَّر الإسلام في ذلك، فلم يُلزِم بتتابُعِها في الشَّهر، ولا بلزومها في كلِّ عامٍ.

فالكيِّس مَن شمَّر في عبادة الله قبل أن يتوفَّاه الله، وتذكَّر بذلك سُرْعَة تَصَرُّم العمر، وقُرْبَ حلول الأجل، والعاجِزُ مَن فتح على نفسه باب التَّسويف والتَّثاقل، واسترسل في الغفلات والشَّواغل، واكتفى بالآمال والأماني، فيندم حيث لا ينفعه النَّدم.

وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم.


تأليف فضيلة الشَّيخ الدّكتور
عبد الرَّحمن بن عبد العزيز السُّديس
إمام وخطيب المسجد الحرام


ملفات المطوية

اسم الملف تحميل عدد مرات التحميل
حالنا بعد رمضان 4
تصميم جديد بتنفيذ وذكر 4

اضف تعليقك

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3149 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3492 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3569 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟