نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

المطويات  (  أحكام الطلاق ) 

Post
4-7-2011 4557  زيارة   

قال تعالى : {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّـهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّـهُ وَاسِعًا حَكِيمًا } ، ولهذا ذكر الفقهاء أحكام الطلاق وأحواله والمسائل المتعلقة به ، كما أعطى لكل من الزوجين الحق في الطلاق مع تمليكه للرجل لقدرته في الغالب على ضبط عواطفه وكبح جماح نفسه في الغالب ، فالشريعة الإسلامية عالجت هذه المشاكل التي تقع في حياة الأسرة المسلمة فهي تحض الرجال والنساء على أن يبقوا على ما بينهم من صلات وروابط ، كما تذكر الرجال بان الطلاق وإن كان حلال فإنه مبغوض .

 

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

المقدِّمة
لقد نبَّه الإسلام الرِّجال والنِّساء إلى حسن اختيار الشَّريك في الزَّواج وعند الخطبة لقوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدِّين تربت يداك» [متفق عليه]، وقال للأولياء: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ» [رواه التِّرمذي 1085 وحسَّنه الألباني].

إلا أنَّ ذلك كلَّه على أهميته قد لا يضمن استمرار الحياة الزَّوجيَّة، فربما قصَّر أحد الزَّوجين بحقوق الآخر أو طرأت شائبة عكرت صفو العلاقة الزَّوجيَّة، أو ربما كان ذلك بسبب عناصر خارجيَّة عن الزَّوجين أصلًا، وربما كان بسبب انصراف القلب وتغيره، وربما كانت هذه الأسباب والشّقاق فوق الاحتمال، ففي هذه الحال إمَّا أن يأمر الشَّرع بالبقاء على الزَّوجيَّة مع استمرار الشِّقاق الَّذي قد يتضاعف وينتج عنه فتنةٌ أو جريمةٌ أو تقصيرٌ في حقوق الله -تعالى-، أو على الأقل تفويت الحكمة الَّتي من أجلها شرع النِّكاح، وهي المودة والألفة والنَّسل الصَّالح، وإمَّا أن يأذن بالطَّلاق والفراق، وهو ما اتجه إليه التَّشريع الإسلامي، وبذلك علم أنَّ الطَّلاق يصبح طريقًا لإنهاء الشِّقاق والخلاف بين الزَّوجين؛ ليستأنف الزَّوجان بعده حياتهما منفردين أو مرتبطين بروابط زوجيَّةٍ جديدةٍ حيث يجد كلّ منها من يألفه ويحتمله.

قال -تعالى-: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} [النِّساء: 130]، ولهذا ذكر الفقهاء أحكام الطَّلاق وأحواله والمسائل المتعلقة به، كما أعطى لكلِّ من الزَّوجين الحقَّ في الطَّلاق مع تمليكه للرجل لقدرته في الغالب على ضبط عواطفه وكبح جماح نفسه في الغالب، فالشَّريعة الإسلامية عالجت هذه المشاكل الَّتي تقع في حياة الأسرة المسلمة فهي تحضُّ الرِّجال والنِّساء على أن يبقوا على ما بينهم من صلاتٍ وروابطَ، كما تذكر الرِّجال بأنَّ الطَّلاق وإن كان حلال فإنَّه مبغوضٌ.

ولقد زعم الَّذين حرموا الطَّلاق أنَّ في إباحته ومشروعيته امتهانًا للمرأة وإعلانًا لسلطان الرَّجل عليها بوضع عقدة هذا الرِّباط في يده أوَّل الأمر وآخره، ومنهم من يتمسك بعبارة وردت على لسان المسيح عيسى بن مريم -عليه الصَّلاة والسَّلام- لا يعلم صحَّتها مفادها: "أنَّ الَّذي أحكم ربطه المخلوق الضَّعيف هو الله في علاه لا يحله الإنسان في الأرض"، وهذا تصورٌ خاطئ لمفهوم الطَّلاق وجعله حلًّا شاملًا لمشكلات الأسرة حين يستحيل استمرار العلاقة الزَّوجيَّة.

ما معنى الطلاق السُّنِّي والبدعي؟
السُّنِّي: ما استوفى شروطًا ستَّة:
1- بأن تكون طلقةً واحدةً فلا يجوز أن يتلفظ بأكثر من واحدةٍ.
2- أن تكون كاملةً، فلا يصح تجزئة الطَّلقة لا بعض طلقة كنصف طلقة ولا غيرها.
3- كذلك أن تكون بطهرٍ لا حيض ولا نفاس.
4- لم يمسها في هذا الطُّهر الَّذي طلق فيه.
5- وأن لا تكون في عدَّةٍ فلا يصح أن يوقعها عليها في عدتها من رجعي قبل هذا.
6- أن يوقعه على جملة المرأة لا على بعضها كيدها.

فإن انتفت هذه الشروط أو بعضها، فإن أوقع أكثر من واحدةٍ، أو بعض طلقة أو في حيضٍ أو في نفاسٍ أو في طهرٍ مسَّها فيه أو أردف في عدَّة رجعي فهذا يسمى بدعي.

حكم الطَّلاق البدعي:
أنَّه مكروهٌ عند المالكيَّة والرَّاجح التَّحريم، قال اللخمي: "إيقاع اثنتين مكروه وثلاثة ممنوع، وعبر في المدونة بالكراهية" (الشَّرح الصَّغير 2\\537).

وأوضح ابن العربي ضابط الطَّلاق السُّنِّي والبدعي، حيث قال: "أنَّ الطلاق على ضربين سنّة وبدعة واختلف في تفسيره، فقال علماؤنا أنَّ طلاق السُّنَّة ما جمع سبعة شروط، وهي أن يطلقها واحدةً، وهي ممن تحيض، طاهرًا لم يسمها في ذلك الطُّهر، ولا تقدمه طلاق في حيضٍ، ولا تبعه طلاق في طهر يتلوه، وخلا عن العوض" (أحكام القرآن 2\\264).

وبهذا قال الحنابلة: إنَّ طلاق السُّنَّة هو أن يطلقها طاهرًا من غير جماع واحدةً ثمَّ يدعها حتَّى تنقضي عدَّتها" (المغني والشَّرح الكبير 8\\235).

قال ابن قدامة: "معنى طلاق السُّنَّة الذي وافق أمر الله -تعالى- وأمر رسوله -صلَّى الله عليه وسلَّم- في الآية والخبرين المذكورين، وهو الطَّلاق في طهرٍ لم يصبها ثمَّ يتركها حتَّى تنقضي عدَّتها، ولا خلاف في أنَّه إذا طلقها في طهرٍ لم يصبها فيه ثمَّ تركها حتَّى تنقضي عدتها أنَّه مصيبٌ للسُّنَّة ، مطلق للعدَّة الَّتي أمر الله بها" (المغني والشَّرح الكبير 8\\235).

ونرى أنَّ الحنفيَّة: "لا يعتبرون تفريق الطَّلاق على الأطهار طلاقًا بدعيًّا، بل هو طلاقُ السُّنَّة، وذلك أنَّ من البدعي عندهم أن يطلق أكثر من طلقةٍ في طهرٍ واحدٍ لا غير" (الفتح القدير 3\\22).

أنواع الطَّلاق
أوَّلًا: متى يكون الطلاق واجبًا؟

أ‌- يكون الطَّلاق واجبًا إذا عاد الزوج على موضوعه بالنَّقيض، وذلك كما إذا كان الزَّوج فاقدًا للطاقة الجنسيَّة، كأن يكون عنينًا أو مجبوبًا، ففي هذه الحالة لا يستطيع إنجاب ولدٍ، ولا يمكنه تحصين فرج لعدم قدرته على التَّلاقي مع امرأته تلاقيًا كاملًا منتجًا، وإذا كان الأمر كذلك وجب التَّفريق، قال -تعالى-: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ} [النِّساء: 130]

ب- وكذلك يكون الطَّلاق واجبًا إذا دبَّ الخلاف بين الزَّوجين، واستحكما حكمين بينهما، بحيث عجز الحكمان عن إزالة ذلك الخلاف، فالطَّلاق هو الوسيلة لقطع الشِّقاق، فيكون الطَّلاق في هذه الحالة واجبًا لدفع الضَّرر الَّذي يحبط بكلِّ الزَّوجين، فعدم الطَّلاق يضرُّ الرَّجل والمرأة سواء. ورفع الضَّرر في هذه الحالة واجبٌ لقوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «لا ضرر ولا ضرار» [رواه ابن ماجه 1909 وصحَّحه الألباني].

جـ- وكذلك الإيلاء بعد التَّربص مدَّة أربعة أشهرٍ لقوله -تعالى-: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 226-227].
وهو أن يحلف بالله على عدم قربان الزَّوجة مدة 4 أشهر.

(ولكن وقع خلاف بين المالكيَّة والحنفيَّة في مفهوم العزم على الطَّلاق في الآية السَّابقة):

ذهب المالكية إلى أن مضى المدَّة لا يوقع فرقة، إذ لابد من مراعاة قصده، واعتبار عزمه، ولا تطلق المرأة بمضي مدَّة أربعة أشهر كما قال مالك (ابن العربي، أحكام القرآن: 1\\180).
يؤلون: يحلفون، وقال ابن عباس: "كان إيلاء الجاهليَّة السنة والسنتين وأكثر من ذلك، يقصدون بذلك إيذاء المرأة عند المساءة، فوقَّت لهم أربعة أشهر فمن آلى بأقل من ذلك فليس بإيلاء حكمي" (الجامع: 3\\103).

وقال الحنيفيَّة: "أن عزيمة الطلاق منه بترك الفيئة مدَّة التَّربص.

ثانيًا: متى يكون الطلاق مندوبًا إليه:
أ‌- يكون مندوبًا كما لو كانت بذيئة اللسان يخاف منها الوقوع في الحرام لو استمرت عنده، وكأن يضربها ضربًا مبرحًا، أو يسبُّها ويسبُّ والديها، أو كانت قليلة الحياء تتبرج إلى الرِّجال، أو أن تسب أم الزَّواج إذا كانت عند ابنها وغير ذلك (الشَّرح الصَّغير: 2\\536).

ب‌- وكذلك عند تفريطها في حقوق الله الواجبة عليها، فالطَّلاق في هذه الحالة مندوبٌ إليه عند الفقهاء.

وقال أحمد: "لا ينبغي له إمساكها؛ وذلك لأن فيه نقصِّاً لدينه، ولا يأمن إفسادها لفراشه بإلحاقها به ولدًا ليس منه ولا بأس بالتَّضييق عليها؛ لتفتدي بنفسها، قال -تعالى-: {وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [النِّساء: 19].

جـ- إذا حدث بين الزَّوجين ثغرةٌ لم تصل إلى الحدِّ الَّذي يئس من علاجه.

ثالثًا: متى يكون الطلاق محرَّمًا:
أ‌- يقع الطلاق محرمًا كما لو علم أنَّه إن طلقها وقع في الحرام كزنا، ولا قدرة له على الزَّواج بغيرها (الشَّرح الصَّغير: 2\\536)، وإنَّما كان حرامًا لأنَّه ضرر بنفس الزَّوج، وضرر بزوجته، وإعدام للمصلحة الحاصلة لهما من غير حاجةٍ إليه، فكان حرامًا مثل إتلاف المال، ولقوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «لا ضرر ولا ضرار» [رواه ابن ماجه 1909 وصحَّحه الألباني].

ب- إذا كان الطَّلاق في الحيض أو طهر جامعها فيه، فقد أجمع الفقهاء على التَّحريم ذلك، وسمَّوه طلاق البدعة؛ لأنَّ المطلق خالف السُّنَّة، وقد نقل هذا الإجماع ابن المنذر (الإجماع لابن المنذر: 151 رقم 407) وابن حزم (الإجماع لابن حزم: 17).

ولما رواه مسلم عن يحيى بن يحيى التَّميمي، قال قرأت عن ابن أنس عن نافع عن ابن عمر: أنَّه طلق امرأته وهي حائضٌ في عهد رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله عن ذلك فقال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «فتلك العدَّة الَّتي أمر الله -عزَّ وجلَّ- أن يطلق لها النِّساء» [متفقٌ عليه]، يشير به إلى قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطَّلاق : 1].
فالطَّلاق في العدَّة كما أخبرنا الرَّسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- هو الطَّلاق في الطُّهر الَّذي لا مساس فيها، وهذا واجبٌ كما هو مقتضى الآية الكريمة لأن لفظ طلقوهنَّ أمر والأمر يقتضي الوجوب، إذا عُري عن القرائن، ومخالفة الواجب حرام، فالتَّطليق في الحيض أو في الطُّهر فيه مساسٌ مخالفة الواجب الَّذي أمر الله به ومخالفة الواجب الحرام.

قال القرطبي: "من طلق في طهرٍ لم يجامع فيه نفذ طلاقه، وأصاب السُّنَّة ، وإن طلقها حائضاً نفذ طلاقه وأخطأ السُّنَّة"، وقال سعيد بن المسيب في أخرى: "لا يقع الطَّلاق في الحيض؛ لأنَّه خلاف السُّنَّة" (أبو داود وابن ماجه وقال في الجامع الصحيح: صحيح، وصحَّحه الحاكم في المستدرك).

قال ابن العربي في سبب نزول الآية على قولين:
الأوَّل: أنَّ النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- طلق حفصة، فلمَّا أتت أهلها نزل الله الآية وقيل له: راجعها فإنَّها صوامةٌ قوامةٌ وهي من أزواجك في الجنَّة.

الثَّاني: أنَّها نزلت في عبد الله بن عمر أو عبد الله بن عمرو وعينية بن عمرو، وطفيل بن الحارث وعمرو بن سعيد بن العاص، قال: "وهذا كله وإن لم يكن صحيحًا فالقول الأول أمثل" (أحكام القرآن 4\\1832).

رابعًا: متى يكون الطَّلاق مكروهًا؟
وهو الطَّلاق من غير حاجةٍ إليه، وهو الطَّلاق من غير سنَّة ولا بدعة، وروى أبو هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال : «إن المرأة خلقت من ضلعٍ لن تستقيم لك على طريقةٍ فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها» [رواه مسلم 1468].

فالطلاق المكروه إذًا: هو الطَّلاق من غير حاجةٍ، كأن تكون الحال بين الزَّوجين مستقيمةٌ، ولا يكره الرجل شيئًا من خلق زوجته ولا دينها فيكره أن يطلقها.

خامسًا: متى يكون الطَّلاق مباحًا:
ويكون عند الحاجة إليه، لسوء خلق المرأة، وسوء عشرتها، والتَّضرر بها من غير حصول الغرض منها، وهذا النَّوع اختلف الفقهاء فيه:
فمنهم: من يقول بأنَّه مباحٌ.
ومنهم: من يقول خلاف ذلك.

ما حكم طلاق الغضبان؟
الغضبان الَّذي لا يتصور ما يقول، ولا يدري ما يصدر عنه. فذهب الحنفيَّة: إلى أنَّ الغضبان الَّذي يخرج عن طبيعته وعادته بسبب الغضب بحيث يغلب الهذيان على أقواله وأفعاله، فإن طلاقه لا يقع وإن كان يعلم ما يقول ويقصده، لأنَّه يكون كالمجنون، والمجنون لا يلزم أن يكون دائمًا في حالة لا يعلم منها ما يقول، فقد يكون عاقلًا في بعض الأحيان، ولذلك لا يكون مبينًا على إدراكٍ صحيحٍ. ونقل ابن عابدين عن الحافظ ابن القيم أنَّه قسَّم الغضبان إلى ثلاثة أقسامٍ:


الأوَّل: أن يحصل له مبادئ الغضب بحيث لا يتغير عقله ويعلم ما يقوله ويقصده.
الثَّاني: أن يبلغ النِّهاية فلا يعلم ما يقوله ولا يريده .
الثَّالث: من توسط بين المرتبتين بحيث لم يضر كالمجنون (حاشية ابن عابدين 2\\437). كما نقل عنه هذا نقل عنه أيضًا:
1- أنَّ القسم الأوَّل لا أشكال فيه.
2- وأنَّ القسم الثَّاني لا ريب أنَّه لا ينفذ شيء من أقواله.
3- أمَّا الثَّالث فهو محلُّ نظر ولا أدلة تدلُّ على نفوذ طلاقه. ثمَّ قال والَّذي يظهر لي أنَّ كلا من المدهوش والغضبان لا يلزم أن يكون، بحيث لا يعلم ما يقول بل يكتفي به بغلبة الهذيان واختلاط الجدِّ بالهزل. وجاء في حاشية الدّسوقي: يلزم طلاق الغضبان ولو اشتدَّ غضبه، خلافًا لبعضهم، ذكره السَّيد البليدي في حاشيته (حاشية الدّسوقي على الشَّرح الكبير 2\\366).
وفي رأيي: أنَّ طلاق الغضبان لا يقع إذا كان يغلب الهذيان عليه، ويختلط الجدّ بالهزل، أمَّا إذا كان الغضب لا يصل به إلى الهذيان، فإنَّه يقع طلاقه والأصل في قوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاقٍ» [رواه ابن ماجه 1678 وحسَّنه الألباني] بمعنى لا يقع طلاق الرَّجل الَّذي يقفل عليه باب الإدراك والقصد ويسد عليه طريق الوعي بالمنطق الَّذي لا يدري ما يقول وما يفعل أوِ الَّذي يغلب عليه الخلل والإضراب في أفعاله فلا اعتبار لطلاقه.

قال الشَّوكاني: في تفسير قوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: "«في إغلاق» فسَّره علماء الغريب بالإكراه، وروى ذلك في التَّخليص عن ابن قتيبة، والخطابي وغيرهم ."

وقيل في معنى (الإغلاق): "الجنون، وقيل الغضب وقع ذلك في سنن أبي داود"، وقال أبو عبيدة: "الإغلاق التَّضييق" (نيل الأوطار 3\\90236). لذا فإنَّ الغضبان الَّذي وصل إلى درجة الهذيان بحيث لا يعلم ما يقول وما يفعل، فإنَّه يعامل معاملة المجنون، فلا يقع طلاقه، إلا إذا كان صادرًا عن وعيٍ وإدراكٍ صحيحين، وفي ذلك حفاظًا على رباط الأسرة الَّذي لا يصح أن يحل بمجرد غضبه طارئة ولا تلبس أن تزول.

وهذا ما أخذ به قانون الأحوال الشَّخصيَّة الكويتي: م/102: فجاء في المذكرة الإيضاحيَّة للقانون: أنَّ الغضبان لا يقع طلاقه إذا حال غضبه بينه وبين كمال قصده وتصوره، نصَّ على ذلك الإمام أحمد وغيره، والعمل جار على ذلك في المملكة المغربيَّة، ومصر والسُّودان والأردن والعراق وسورية (المذكِّرة الإيضاحيَّة لقانون الأحوال الشَّخصيَّة 2\\2 وما بعدها).
وجاء في القانون الموحد في الفقرة ب من المادة 83 لا يقع طلاق المجنون والمعتوه والمكره (ومن كان فاقد التَّمييز بسكرٍ أو بغضبٍ أو غيره).

حكم طلاق السَّكران
أوَّلًا: القائلين بوقوع طلاق السَّكران وهم: عمر بن الخطاب، وابن عباس والشَّعبي ومجاهد وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، وعمر بن عبد العزيز وعطاء ابن أبي رباح، وسليمان بن يسار، وهو قول ابن شبرمة، وأجاز ابن أبي ليلى، وسفيان الثَّوري والحسين بن يحيى، والشافعي في أحد قوليه وبه قال مالك والأوزاعي وأبو حنيفية ورواية عن أحمد.
احتجوا بأدلةٍ منها:
أ‌- بقوله -تعالى-: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النِّساء: 43].

ب- قالوا بأنَّه عاصٍ بفعله فلا يزول عنه الخطاب بالسُّكر، ولا الإثم لأنَّه يؤمر بقضاء الصَّلوات وغيرها ممَّا وجب عليه قبل وقوعه في السُّكر.

ج- قالوا: بأن ربط الأحكام بأسبابها أصل من الأصول المأنوسة في الشَّريعة، والتَّطليق سبب للطَّلاق، فينبغي ترتيبه عليه وربطه به.

د- احتجوا بأنَّ الصَّحابة -رضي الله عنهم- جعلوه كالصَّاحي.

هـ- قالوا: بأنَّ عدم وقوع الطلاق من السَّكران مخالف للمقاصد الشَّرعيَّة؛ لأنَّه إذا فعل حرامًا واحدًا لزمه حكمه.

ثانيًا: وأمَّا القائلون بعدم وقوعه وهم عبيد الله بن الحسن والليث بن سعد، واحد قولي الشَّافعي، وقول إسحاق بن راهوية وأبي ثور والمزني.

وبه قال أبو جعفر الطَّحاوي وأبو الحسن الكرخي من شيوخ الحنفيَّة وأهل الظَّاهر ورواية للحنابلة.

واحتجوا: بأنَّهم أجمعوا على طلاق المعتوه لا يقع وقالوا: والسَّكران معتوه بسكره.

وأجابوا على ما احتج به القائلون بوقوع طلاق السَّكران:
أ‌- أمَّا قوله -تعالى-: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النِّساء: 43]، فإن النَّهي في الآية المذكورة إنَّما هو عن أصل السُّكر الَّذي يلزم من قربان الصَّلاة، وقيل أنَّه نهي للثّمل الَّذي لا يعقل الخطاب.
وقوله -تعالى-: {حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النِّساء: ]دليلٌ على أنَّ السَّكران يقول ما لا يعلم ومن كان كذلك فكيف يكون مكلفًا وهو غير فاهمً، والفهم شرط التَّكليف.

ب- أمَّا قولهم بأنَّه عاصٍ بفعله فلا يزول عنه الخطاب بالسُّكر: فقد أجاب الطَّحاوي:
"بأنَّها لا تختلف أحكام فاقد العقل بين أن يكون ذاهب عقله بسبب من جهته أو من جهة غيره، إذ لا فرق بين من عجز عن القيام في الصَّلاة بسبب من قبل الله أو من نفسه، كمن كسر رجل نفسه، فأنَّه يسقط عنه فرض القيام".

ج- قولهم بإنَّ ربط الأحكام بأسبابها أصل من الأصول المأنوسة في الشَّريعة والتَّطليق سببٌ للطلاق فينبغي ترتيبه عليه وربطه به أجيب بالاستفسار عن السَّبب للطَّلاق: هل هو إيقاع لفظه مطلقًا؟ إن قلتم نعم لزمكم أن يقع من المجنون والنَّائم والسَّكران الَّذي لم يعص بسكره إذا وقع من احدهم لفظ الطَّلاق، وإن قلتم إنَّه إيقاع اللفظ من العاقل الَّذي يفهم ما يقول، فالسَّكران غير عاقلٍ ولا فاهمٍ فلا يكون إيقاع لفظ الطلاق منه سببًا.

د- أمَّا قولهم بأنَّ الصَّحابة -رضي الله عنهم- جعلوه كالصَّاحي يجاب بإن ذلك محلُّ خلاف بين الصَّحابة حيث خالف عثمان بن عفان -رضي الله عنه- وغيره من الصَّحابة فلا يكون قول بعضهم حجةً علينا، كما لا يكون حجة على بعضهم بعضًا.

هــ- قولهم بإنَّ عدم وقوع الطَّلاق منَ السَّكران مخالف للمقاصد الشَّرعيَّة يجاب بأنا لم نسقط عنه حكم المعصية الواقعة منه حال السُّكر لنفس فعله المحرم الآخر وهو السُّكر، فإنَّ ذلك ممَّا لا يقول به عاقل، وإنَّما أسقطنا عنه حكم المعصية لعدم مناط التَّكليف وهو العقل (نيل الأوطار 3\\236).

رأي المؤلف
أنَّ السَّكران الَّذي لا يعقل، لا حكم لطلاقه، وذلك لعدم المناط الَّذي تدور عليه الأحكام، وقد عيَّن الشَّارع عقوبته فليس لنا أن نجاوزها برأينا ونقول يقع الطَّلاق عقوبةٌ له فيجمع له بين غريمين أو عقوبتين.

وأنَّ الجريمة الواحدة لا يجوز أن تكون لها عقوبتان، وأيضًا يجب ألا تصيب العقوبة غير الجاني، فقد تصيب الزَّوجة والأولاد، فحظُّ المصيبة في الطَّلاق للمرأة أكبر من حظِّ الرَّجل، فلا يصح إيقاع هذا الطَّلاق المفتت للأسرة، والمشتت لشمل الأولاد عقوبة الزَّوج.

فقول الوليد بن رشد من المالكيَّة وكذلك ابن وهب: "إن كان السَّكران الَّذي لا يعرف الأرض من السَّماء، ولا الرَّجل من المرأة فهو كالمجنون فلا يقع طلاقه هو الصَّواب، وبهذا أخذ قانون الأحوال الشَّخصيَّة الكويتي حيث نصَّ في /102م أنَّه لا يقع طلاق المجنون والمعتوه والمكره والمخطي والسَّكران.. الخ. (قانون الأحوال الشَّخصيَّة) فأخذ القانون برأي القائلين بعدم وقوع طلاق السَّكران وذلك لأنَّه الموافقة للمصلحة والمقاصد الشَّريعة (المذكرة الإيضاحيَّة للقانون 212).

أحكام العدَّة
حكم خروج المرأة بعد الطَّلاق مباشرةً؟
لا يجوز خروج المرأة من بيت الزَّوج بدون إذن زوجها حتَّى ولو طلقها؛ لأنَّ العدَّة لا تكون إلا في بيت الزَّوجيَّة، فإذا خرجت من ذلك البيت فقد أسقطت حقَّها في النَّفقة وأصبحت ناشزًا وهذا في الطَّلاق الرَّجعي لأنَّه العلاقة الزَّوجيَّة لا تزال قائمة بين الزَّوجين في الطَّلقة الأولى والثَّانية، والحكمة في العدَّة أنَّها تعطي الزَّوج الفرصة لإرجاع زوجيَّة مدَّة التَّربص وهي ثلاثة حيضات أو ثلاثة أشهر فإذا خرجت المرأة من بيت زوجها فقد فوتت عليه هذه الفرصة، وكذلك العدَّة وإنَّما هي استبراء للرَّحم فتنتظر المرأة تلك الفترة الزَّمنيَّة حتَّى خلو رحمها من العمل؛ لأنَّه لو تحقق الحمل فإنَّ العدَّة تنتقل من ثلاثة حيضاتٍ إلى وضع الحمل.

ما هي الواجبات الَّتي تجب المرأة في أثناء العدَّة من طلاقٍ رجعيٍّ؟
المرأة أثناء العدَّة من طلاقٍ رجعيٍّ هي زوجة والعلاقة الزَّوجيَّة لا تزال قائمة بينها وبين زوجها، فلا تحجب عنه ولا يجوز لها أن تمنعه من نفسها ولا تخرج من بيته إلا بإذنه، وفي المقابل يجب على الزَّوج النَّفقة كاملةً لزوجته وأولاده وغير ذلك كما أنَّه يجوز للزَّوج أن يسترجع الزَّوجة بالقول أو الفعل بالقول كأن يقول لها "راجعتك" أو بالفعل كالقبلة أو الجماع ولا يحقُّ للمرأة في الجانب الآخران تمتنع عنه؛ لأنَّ حقُّ الرَّجعة هو حقُّ خالصًا للزَّوج فقط دون الزَّوجة.

أنواع العدَّة
العدَّة أمَّا أن تكون في الطَّلاق أو في الوفاة.
أوَّلًا: الطَّلاق: إذا طلقت المرأة كانت من أصحاب الحيض فعدتها ثلاثة حيضات على الرَّاجح من أقوال أهل العلم .
وإذا كانت صغيرةٌ لم تحض أو كبيرةٌ قد انقطع عنها الحيض فعدَّتها ثلاثة أشهر وإن كانت حين طلقها حاملًا فعدَّتها بوضع الحمل.

ثانيًا: الوفاة:
وعدَّة الوفاة للمرأة تكون بأربعة أشهر وعشرًا من حين علمها بوفاة زوجها وإن كانت حاملًا عند وفاته فعدَّتها على خلاف بين أهل العلم فالجمهور على أن عدَّتها بوضع الحمل، وقال بعض أهل العلم أنَّ عدَّتها بأبعد الآجلين أمَّا بوضع الحمل أو بأربعة أشهر وعشرًا.

الطَّلاق الثَّلاث
قال -تعالى-: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] فالزَّوج يملك ثلاث طلقاتٍ؛ لأنَّ الله -تعالى- ذكر اثنتين أوَّلًا والثَّالثة ذكر بعد ذلك في قوله: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] فالزَّوج له بعد الطَّلقة الأولى والثَّانية أن يراجع زوجته، أمَّا الثَّالثة فلا رجعة فيها؛ لأنَّها أصبحت منه بائنةٌ.

أمَّا من تلفظ بثلاثة طلقاتٍ مرَّةً واحدةً وفي مجلسٍ واحدٍ وفي وقتٍ واحدٍ فقد اختلف العلماء في حكمها:
1- ذهب جمهور الفقهاء: على أنَّ الطَّلاق الثَّلاث في لفظٍ واحدٍ يقع طلاقًا بائنًا.
2- وذهب ابن عباس وطاووس وعطاء وجابر بن زيد وابن تيمية وابن القيم أنَّ الطَّلاق الثَّلاثة يقع واحدةً رجعيَّةً.

3- ويوجد قول ثالث ضعيف قالت به الأماميَّة على أنَّه لا يقع أصلًا لا واحدةً ولا أكثر وهو مروي عن ابن علبه وهشام بن الحكم وأبو عبيدة وبعض أهل الظَّاهر.

4- وقال سعيد بن جبير وإسحاق بن راهويه وابن رجب يقع الثَّلاث واحدةً في غير المدخول بها، ويقع ثلاثًا في المدخول بها.
ولكلِّ فريقٍ أدلَّةٌ استدلَّ بها، والصَّحيح من هذه الأقوال والله أعلم.

لقد أطال الباحثون في الفروع في هذه المسألة، وقد اختلف فيها السَّلف والخلف، ولا ينكر برأي على من ذهب إلى قول من الأقوال المختلف فيها إلا أنَّ كلَّ القوانين الخاصَّة بالأحوال الشَّخصيَّة في الدُّول العربيَّة والإسلاميَّة أخذوا برأي ابن تيمية وابن القيم وابن عباس على أنَّ الطلاق الثَّالث يقع واحدةً؛ لما فيه تيسير للنَّاس وحفظًا للأسر من الضَّياع.


تأليف الدّكتور/ سعد العنزي


-بتصرفٍ يسيرٍ-

ملفات المطوية

اسم الملف تحميل عدد مرات التحميل
أحكام الطلاق 2

اضف تعليقك

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3138 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3477 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3553 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟