نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

المطويات  (  هدي النبي في المعاملات المالية ) 

Post
20-6-2011 3731  زيارة   

فهذا يبين أن الأمانة والصدق من أهم الصفات وألزمها للتاجر لينجح في تجارته وحياته ، فبهما رغبت خديجة رضي الله عنها في النبي صلى الله عليه وسلم تاجراً في مالها ، ثم زوجا لها...

 

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الافتتاحية

الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- وعلى آله وصحبه وسلَّم، وبعد:

لقد ولد رسولنا محمد -صلَّى الله عليه وسلَّم- يوم الاثنين كما جاء عن أبي قتادة الأنصاري -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- سئل عن صوم الاثنين فقال: «فيه ولدت،وفيه أنزل عليَّ» [صحيح مسلم 1162].
وكان ذلك لأثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوَّل عام الفيل كما هو مذهب الجمهور.

وقد خرج -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى الدُّنيا يتيمًا حيث ولد بعد وفاة أبيه -عبد الله بن عبد المطلب- بعدَّة أشهر، ثمَّ ما لبثت أمُّه -آمنة بنت وهب- أن توفيت وهو -صلَّى الله عليه وسلَّم- في السادسة من عمره، فكفله جدُّه -عبد المطلب بن هاشم- إلى أن توفيَّ والنَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- في الثَّامنة من عمره فانتقل -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى كفالة عمِّه أبي طالب .
قال الله -تعالى-: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ} [الضُّحى: 6].

فنشأ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- تتولَّاه عناية الله وحدها، بعيدًا عنِ اليد الَّتي تمعن في تدليله، والمال الَّذي يزيد في تنعيمه، حتَّى لا تميل به نفسه -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى مجد المال والجاه، وحتَّى لا يتأثَّر -صلَّى الله عليه وسلَّم- بما حوله من معنى الصَّدارة والزَّعامة، فيلتبس على النَّاس قداسة النُّبوَّة بجاه الدُّنيا، وحتَّى لا يحسبوه يصطنع الأوَّل ابتغاء الوصول إلى الثَّاني.
وكانت تلك المصائب الَّتي أصابت النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- منذ طفولته قد جعلته رقيق القلب مرهف الشُّهور، فالأحزان تصهر النُّفوس وتخلُّصها من أدران القسوة والكبر والغرور، وتجعلها أكثر رقَّةً وتواضعًا.

فشبَّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- والله -تعالى- يكلؤه ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية لما يريد به من كرامته ورسالته حتَّى بلغ أن كان أفضل قومه مروءةً، وأحسنهم خلقًا، وأكرمهم حسبًا، وأحسنهم جوارًا، وأعظمهم حلمًا، وأصدقهم حديثًا، وأعظمهم أمانةً، وأبعدهم من الفحش والأخلاق الَّتي تدنِّس الرِّجال تنزُّهًا وتكرُّمًا حتَّى سماه قومه الأمين لما جمع الله فيه من الأمور الصَّالحة.

بسوى الأمانة في الصّبا والصِّدق***لم يعرفه أهل الصِّدق والأمناء
يا من له الأخلاق ما تهوى العلا***منها وما يتعشق الكبراء
لو لم تقم دينا لقامت وحدها***دينا تضيء بنوره الآناء
زانتك في الخلق العظيم شمائل***يُغرى بهنَّ ويولع الكرماء


كسبه -صلَّى الله عليه وسلَّم- للحلال في صباه:

كان أبو طالب رقيق الحال مقلًّا في المال كثير العيال، فعمل النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- وهو غلام يرعي الغنم مساعدةً لعمِّه، ولقد أخبر -صلَّى الله عليه وسلَّم- عن نفسه الكريمة وعن إخوانه من الأنبياء أنَّهم رعوا الغنم فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم» فقال: أصحابه وأنت؟ قال: «نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكَّة» [صحيح البخاري 2262].

والقيراط جزء من الدِّينار أوِ الدِّرهم وقيل اسم موضع بمكَّة، وفي الحديث حثَّ على الكسب من عمل اليد فالله قادرٌ على أن يغني محمَّدًا -صلَّى الله عليه وسلَّم- عن رعي الغنم ولكن هذه تربيةً له ولأمَّته للأكل من كسب اليد وعرق الجبين، ورعي الغنم نوع من أنواع الكسب باليد.

عن المقدام -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «ما أكل أحد طعاماً قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبيَّ الله داود -عليه السَّلام -كان يأكل من عمل يده» [صحيح البخاري 2072].

ولا شك أنَّ الاعتماد على الكسب الحلال من عمل اليد يكسب الإنسان الحرَّية التَّامَّة والقدرة على قول كلمة الحقِّ والصِّدق بها وكم من النَّاس يطأطئون رؤوسهم للطُّغاة، ويسكتون على باطلهم، ويجارونهم في أهوائهم خوفًا على وظائفهم عندهم.

وفي إقبال النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- على رعي الأغنام لقصد كسب القوت والرِّزق دلالة على الذَّوق الرَّفيع والإحساس الدَّقيق اللذان جمَّل الله -تعالى- بهما نبيَّه -صلَّى الله عليه وسلَّم-، لقد كان عمُّه يحوطه بالعناية التَّامَّة، وكان له في الحنو والشَّفقة كالأب الشّفوق ولكنَّه -صلَّى الله عليه وسلَّم- ما إن آنس في نفسه القدرة على الكسب حتَّى أقبل يكتسب ويتعب نفسه لمساعدة عمِّه في مؤونة الإنفاق، وهذا يدلُّ على شهامةٍ في الطَّبع وبرٍّ في المعاملة، وبذلٍ للوسع.

صدقه -صلَّى الله عليه وسلَّم- في المعاملة:

خرج النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- في صباه مع عمِّه أبي طالب في التِّجارة إلى الشَّام، ثمَّ خرج في شبابه تاجرًا في مال السَّيِّدة خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- فقد كانت السَّيِّدة خديجة امرأةً تاجرةً ذات شرفٍ ومالٍ تستأجر الرِّجال في مالها، وتضاربهم إيَّاه بشيءٍ تجعله لهم وكانت قريش قومًا تجارًا، فلمَّا بغلها عن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- ما بلغها، من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشَّام تاجرًا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التُّجار مع غلام لها يقال له ميسرة فقبل رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- وخرج في مالها ذلك ومعه غلامها ميسرة حتَّى قدما الشَّام وباع رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- سلعته الَّتي خرج بها، واشترى ما أراد أن يشتري، فلمَّا قدم مكَّة على خديجة بمالها، باعت ما جاء به فربحت الضَّعف أو قريبًا وحدثَّها ميسرة عن بعض ما رأى من دلائل النُّبوَّة مثل تظليل الغمام للنَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- وغير ذلك، وكانت خديجة امرأةً حازمةً شريفةً لبيبةً مع ما أراد الله بها من كرامته فلمَّا أخبرها ميسرة بما أخبرها به بعثت إلى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقالت له: يا ابن عم إنِّي قد رغبت فيك لقرابتك، وشرفك في قومك وأمانتك وحسن خلقك، وصدق حديثك، ثمَّ عرضت عليه زواجها، وكانت خديجة يومئذٍ أوسط نساء قريش نسبًا، وأعظمهنَّ شرفًا، وأكثرهنَّ مالًا، فتروجها النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، ولم يتزوَّج عليها حتَّى ماتت -رضي الله عنها-.

فهذا يبيِّن أنَّ الأمانة والصِّدق من أهمِّ الصِّفات وألزمها للتَّاجر لينجح في تجارته وحياته، فبهما رغبت خديجة -رضي الله عنها- في النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- تاجرًا في مالها ثمَّ زوجًا لها.

دفاعه -صلَّى الله عليه وسلَّم- عن أموال النَّاس:

بعض النَّاس يحلوا لهم أن يأكلوا أموال غيرهم بالباطل لا يردعهم عن ذلك دينٌ ولا خلقٌ، وتزيد جرأتهم على هضم الحقِّ إذا كان صاحبه ضعيفًا ما له من قوَّةٍ ولا ناصرٍ.

ومن هؤلاء أبو جهل الَّذي اشترى إبل رجلٍ من غير أهل مكَّة ثمَّ ماطله في دفع الثَّمن حتَّى كاد الرَّجل ييأس من الحصول على حقِّه، ثمَّ بدا له أن يستعين بالملأ من قريش، فوقف على ناديهم واستنصرهم على أبي جهل، فدلُّوه على رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- هازئين لعلمهم مقدار ما يكنُّه أبو جهل من العداوة لرسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فعلوا ذلك وهم يمنون أنفسهم برؤية النَّبيِّ -صلِّى الله عليه وسلَّم- في موقف الجبان المتخاذل عن نصرة الضَّعيف أو المهان تحت غشم أبي جهل.

فأقبل الرَّجل -وهو لا يفطن لمراد القوم- حتَّى وقف على رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقال: يا عبد الله إنَّ أبا الحكم بن هشام قد غلبني على حقٍّ لي قبله وأنا رجلٌ غريبٌ، وقد سألت هؤلاء القوم عن رجلٍ يأخذ لي حقِّي منه فأشاروا لي إليك، فخذ لي حقِّي منه يرحمك الله، فقام معه رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- فلمَّا رأوه قام معه قالوا الرَّجل ممَّن معهم اتبعه فانظر ماذا يصنع.
وخرج رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- حتَّى جاءه فضرب عليه بابه فقال: من هذا؟ قال: محمَّد، فاخرج إليَّ وما في وجهه من رائحة قد انتقع لونه فقال النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: أعط هذا الرَّجل حقه، قال: نعم لا تبرح حتَّى أعطيه الَّذي له، فدخل فخرج إليه وأعطاه حقَّه ثمَّ انصرف -صلَّى الله عليه وسلَّم- وقال للرَّجل الحقّ بشأنك فأقبل الرَّجل حتَّى وقف على ذلك المجلس فقال: جزاه الله خيرًا فقد والله أخذ لي حقِّي.
ثمَّ لم يلبث أبو جهل أن جاء، فقالوا -وقد جنَّ جنونهم- ويلك؟ مالك؟ والله ما رأينا مثل ما صنعت قط؟! قال: ويحكم والله ما هو إلا أن ضرب على بابي وسمعت صوته فملئت رعبًا ثمَّ خرجت إليه وإن فوق رأسه لفحلًا من الإبل ما رأيت مثله قط والله لو أبيت لأكلني.

في كلِّ نفسٍ من سطاك مهابةٌ***ولكلِّ نفس في نداك رجاءُ
وإذا غضبت فإنَّما هي غضبة***في الحقِّ لا ضغن ولا بغضاءُ
وإذا حميت الماء لم يورد ولو***أنَّ القياصر والملوك ظمَّاءُ
وإذا أجرت فأنت بيت الله لم***يدخل عليه المستجير عداءُ
وإذا مشيت إلى العدا فغضنفرٌ***وإذا جريت فإنَّك النَّكباءُ


أمانته -صلَّى الله عليه وسلَّم-:

لم يكن المشركون مع شدَّة عداوتهم لرسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يجدون ملجأ أمنًا لودائعهم إلا عنده -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فليس بمكَّة أحدٌ عنده شيءٌ يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته ولم تحمله عداوتهم له -صلَّى الله عليه وسلَّم- أو سعيهم في قتله على حرمانهم من أماناتهم وودائعهم، بل كلَّف -صلَّى الله عليه وسلَّم- حيث هجرته إلى المدينة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بالبقاء ليرد الودائع إلى أصحابها، وهذا يوضِّح أنَّ الأمانة في شرعة الإسلام جليلة القدر عظيمة الشَّأن، ويجب أن تؤدَّى إلى البرِّ والفاجر، والمسلم والكافر، والقريب والغريب والعدو والحبيب، قال الله -تعالى-: {إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ‌كُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّـهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرً‌ا} [النِّساء: 58].

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» [أخرجه أبو دواد 3535 والتِّرمذي 1264 وصححه الألباني].

أرعي الأمانة لا أخون أمانتي***إنَّ الخَؤُونَ على الطَّريق الأنكب

شراؤه -صلَّى الله عليه وسلَّم- حوائجه بنفسه:

قال ابن عمر -رضي الله عنهما- اشتري النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- جملًا من عمر وقال عبد الرَّحمن بن أبي بكر -رضي الله عنهما- جاء مشرك بغنم فاشتري النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- منه شاه واشترى من جابر بعيرًا [صحيح البخاري 2618].
تلك الأحاديث ترجم البخاري لها "باب شراء الحوائج بنفسه" وفيها من الفقه -كما يقول ابن بطال-: "مباشرة الشَّريف والإمام والعالم شراء الحوائج بنفسه وإن كان له من يكفيه: إيثارًا للتَّواضع وخروجًا عن أحوال المتكبرين؛ لأنَّه لا يشكُّ أحدٌ أن جميع المؤمنين كانوا حراصًا على كفاية النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- ما يعن له من أموره وما يحتاج إلى التَّصرُّف فيه، رغبةً منهم في دعوةٍ منه وتبركًا بذلك" (شرح صحيح البخاري لابن بطال).

ولكنَّه -صلَّى الله عليه وسلَّم- كان يفعله تعليمًا وتشريعًا ولدفع وهم من يتوهَّم أنَّ تعاطي ذلك يقدح في المروءة.

دعاؤه -صلَّى الله عليه وسلَّم- عند دخول السُّوق:

عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «من قال حين يدخل السُّوق لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حيٌّ لا يموت بيده الخير كلّه وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيِّئة وبنى له بيتًا في الجنَّة» [رواه ابن ماجه 1831 وحسَّنه الألباني].

استعارته -صلَّى الله عليه وسلَّم-:

والعاريَّة "في اللغة" بتشديد الياء ويجوز تخفيفها: ما تعطيه غيرك على أن يعيده إليك .
وهي في الشَّرع: "إباحة الانتفاع بالشَّيء مع بقاء عينه" (الموسوعة الفقهيَّة الكويتيَّة).
عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أنَّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- سار إلى حنين لما فرغ من فتح مكَّة.. ثمَّ بعث رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى صفوان بن أمية فسأله أدراعًا عنده مائة درع وما يصلحها من عدتها، فقال: أغصباً يا محمد، قال: «بل عارية مضمونة حتَّى نؤدِّيها عليك» ثمَّ خرج رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّ-م سائرًا [حسَّنه الألباني 2/209 في السِّلسلة الصَّحيحة].

وعن أنس -رضي الله عنه- قال: كان بالمدينة فزع فاستعار النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- فرسًا لأبي طلحة يقال له مندوب فركبه فقال: «ما رأينا من شيءٍ، وإن وجدناه لبحرًا» [رواه البخاري 2627 ومسلم 2307].

وفي رواية أخرى: «.. ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلةٍ، فانطلق ناس قبل الصَّوت. فتلقاهم رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- راجعًا. وقد سبقهم إلى الصَّوت، وهو على فرس لأبي طلحة عري، في عنقه السَّيف وهو يقول: «لم تراعوا، لم تراعوا» قال: «وجدناه بحرًا أو إنَّه لبحر» قال: «وكان فرسًا يبطأ» [صحيح مسلم 2307 من حديث أنس -رضي الله عنه-].

أما قوله «يبطأ» فمعناه يعرف بالبطء والعجز وسوء السَّير، وقوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «لم تراعوا» أي روعًا مستقرًّا أو روعًا يضرّكم.
وفي الحديث بيان شجاعته -صلَّى الله عليه وسلَّم- من شدَّة عجلته في الخروج إلى العدوِّ قبل النَّاس كلِّهم بحيث كشف الحال ورجع قبل وصول النَّاس، وفيه بيانُ عظيم بركته ومعجزته في انقلاب الفرس سريعًا بعد أن كان يبطأ وهو معنى قوله -صلَّى الله عليه وسلَّم- وجدناه بحرًا أي واسع الجري، وفيه جواز سبق الإنسان وحده في كشف أخبار العدوِّ ما لم يتحقق الهلاك، وفيه جواز العاريَّة، وجواز الغزو على الفرس المستعار لذلك، وفيه استحباب تقلُّد السَّيف في العنق، واستحباب تبشير النَّاس بعدم الخوف إذا ذهب (شرح النَّووي على صحيح مسلم).

وكالته وتوكيله -صلَّى الله عليه وسلَّم-:

والوَكالة بفتح الواو وقد تكسر التَّفويض والحفظ، تقول وكَّلت فلانًا إذا استحفظته، ووكَّلت الأمر إليه بالتَّخفيف إذا فوضته إليه، وهي في الشَّرع إقامة لشخص غيره مقام نفسه مطلقًا أو مقيَّدًا (فتح الباري).

قال ابن قيِّم الجوزية -رحمه الله-: "ووكَّل -صلَّى الله عليه وسلَّم- وتوكَّل، وكان توكيله أكثر من توكله" (زاد المعاد في هدي خير العباد).

ومن ذلك أنَّه -صلَّى الله عليه وسلَّم- وكَّل أبا هريرة -رضي الله عنه- بحفظ زكاة رمضان [صحيح البخاري 3275].

وعن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- أعطاه غنما يقسمها على أصحابه ضحايا فبقى عتود -صغير المعز إذا قوى وأتى عليه الحول- فذكره لرسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقال: «ضح به أنت» [متفقٌ عليه].

وعن عروة بن أبي الجعد البارقي -رضي الله عنه- قال: «دفع إلي رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم دينارًا لأشتري له شاةً فاشتريت له شاتين فبعت إحداهما بدينار وجئت بالشاَّة والدِّينار إلى النَّبيِّ -صلَّى الله عليه و سلَّم- فذكر له ما كان من أمره فقال: «بارك الله لك في صفقة يمينك» [رواه التِّرمذي 1258 وصحَّحه الألباني].

استدانته -صلَّى الله عليه وسلَّم-:

قال ابن قيِّم الجوزيَّه: "واستدان -صلَّى الله عليه وسلَّم- برهنٍ، وبغير رهنٍ واستعار، واشترى بالثَّمن الحال والمؤجل" (زاد المعاد).

ومن ذلك ما ورد عن عائشة -رضي الله عنها-: «أنَّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم اشترى من يهودي طعامًا الى أجلٍ. ورهنه درعًا له من حديدٍ» [متفقٌ عليه].

وهذا الطَّعام كان شعيرًا كما بينته رواية أنس -رضي الله عنه- حيث قال: «.. ولقد رهن النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- درعًا له بالمدينة عند يهودي وأخذ منه شعيراً لأهله، ولقد سمعته يقول: «ما أمسى عند آل محمَّد -صلَّى الله عليه وسلَّم- صاع برٍّ، ولا صاع حبٍّ، وإنَّ عنده لتسع نسوةٍ» [صحيح البخاري].

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «توفي رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- ودرعه مرهونةٌ عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعيرٍ» [صحيح البخاري 2916].

والرَّهن في اللغة: الثُّبوت والدَّوام يقال: ماء راهن أي: راكد ودائم، ويأتي بمعنى الحبس ومن هذا المعنى قوله -تعالى-: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَ‌هِينَةٌ} [المدَّثِّر: 38].

وفي الشَّرع: جعل عين ماليةٍ وثيقةً بدينٍ يستوفي منها أو من ثمنها إذا تعذر الوفاء (الموسوعة الفقهيَّة الكويتيَّة).

سبحان الله!! نبيَّ الله وحبيبه -صلَّى الله عليه وسلَّم- يرهن درعه في طعام لأهله ولو أراد المال لسير الله له الجبال ذهبًا.

وراودته الجبال الشَّمُّ من ذهبٍ***عن نفسه فأراها أيما شمم
وأكدت زُهدَهُ فيها ضرورتهُ***إنَّ الضَّرورة لا تعدو على العصم


وفي هذا بيان ما كان عليه النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- من التَّواضع والزُّهد في الدُّنيا، والتَّقلُّل منها مع قدرته عليها، والكرم الَّذي أفضى به إلى عدم الادخار حتَّى احتاج إلى رهن درعه، والصَّبر على ضيق العيش، والقناعة باليسير، وفضيلة لأزواجه -رضي الله عنهنَّ- لصبرهنَّ معه على ذلك.

وفي الحديث جواز معاملة غير المسلمين فيما لم يتحقق تحريم عين المتعامل فيه، وعدم الاعتبار بفساد معتقدهم ومعاملاتهم فيما بينهم، واستنبط منه جواز معاملة من أكثر ماله حرام، وفيه ثبوت أملاك أهل الذِّمَّة في أيديهم، وجواز الشِّراء بالثَّمن المؤجل، واتخاذ الدُّروع والعدد وغيرها من آلات الحرب وأنَّه غير قادحٍ في التَّوكُّل (فتح الباري).

وأمَّا الحكم في اشتراء النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- الطَّعام من اليهودي ورهنه عنده دون الصَّحابة: فقيل فعله بيانًا لجواز ذلك، وقيل لأنَّه لم يكن هناك طعامٌ فاضلٌ عن حاجة صاحبه إلا عنده، وقيل لأنَّ الصَّحابة لا يأخذون رهنه -صلَّى الله عليه وسلَّم- ولا يقبضون منه الثَّمن فعدل إلى معاملة اليهودي لئلا يضيق على أحدٍ من أصحابه (شرح النَّووي على صحيح مسلم).

وقد كان -صلَّى الله عليه وسلَّم- حسن الأداء لديونه، فكان يصبر على الغلظة الَّتي تصدر من صاحب الدِّين ثمَّ يوفيه حقَّه ويزيده.

عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنَّ رجلًا تقاضى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فأغلظ له فهم به أصحابه؟ فقال: «دعوه، فإنَّ لصاحب الحقِّ مقالًا» وقال: «اشتروا له سنا فأعطوه إيَّاه»، وقالوا: لا نجد إلا أفضل من سنه، قال: «فاشتروها، فأعطوها إيَّاه، فإن من خيركم أحسنكم قضاء» [متفقٌ عليه واللفظ للبخاري 2390].

الخاتمة:

تلك نماذج يسيرة من هديه -صلَّى الله عليه وسلَّم- في المعاملات الماليَّة، ونسأل الله -تعالى- أن يوفقنا لحسن الاقتداء به -صلَّى الله عليه وسلَّم- في معاملاته وعبادته وأخلاقه وجميع شؤونه وأحواله، لننال الفلاح في الدُّنيا والآخرة كما قال -تعالى-: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَ‌سُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْ‌جُو اللَّـهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ‌ وَذَكَرَ‌ اللَّـهَ كَثِيرً‌ا} [الأحزاب: 21].
إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه وصلَّ اللهمَّ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم.


المنتدى
وزارة الأوقاف والشُّؤون الإسلاميَّة



-بتصرفٍ يسيرٍ-

ملفات المطوية

اسم الملف تحميل عدد مرات التحميل
هدي النبي في المعاملات المالية 6

اضف تعليقك

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3138 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3476 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3549 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟