نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

المطويات  (  قصة معتكف ) 

Post
1-6-2011 3004  زيارة   

قال: (يريد التأكد) هل أنتم معتكفون؟

 

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

في مساء ليلةٍ شاتيةٍ... كنت مدعوًّا لوليمة عشاء... بعد ما انتهى رمضان بعدَّة أيَّامٍ... كنا نتجاذب أطراف الحديث... ونتذكر تلك الليالي الرَّوحانيَّة.

كان أحدهم مطأطأ برأسه... وقد أنعقد انعقد حاجباه... وكأنَّه يتذكر موقفًا في مخيلته... هذا يضحك... والآخر يبتسم... والثَّالث والرَّابع...

ومن بين تلك الأصوات... انبثق صوتٌ حادٌ... خافتٌ... جادٌّ!؟

خشعت الأصوات... سكنت الضَّحكات...

من المتكلم؟... الكلُّ يلتفت عن يمينه ويساره...!

ارتفع ذلك الوجه المطأطئ... نظر الكلُّ إليه... العيون شاخصةٌ... إنَّه محمَّدٌ؟ وجهٌ منعقدٌ جبينه؟
حزنًا قد سكن فؤاده! أراد أن ينطق... التقط نفسًا عميقًا... وإذا به يلفظ أنفاسه... وكأنَّه يخرج الهمَّ الَّذي قد حشا فؤاده... والموقف الَّذي كاد يوقف قلبه...

كان سؤالًا بريئًا وكانت عبارات من رجلٍ متواضعٍ... لكن !

خنقته العبرات... وجرحت قلبه تلك الكلمات... لأنَّ السُّؤال أزف في حينه... فكانت بحقٍّ تلك الكلمات...

كلمات...
يقول محمَّد: كنت معتكفًا العشر الأواخر... وكنت أضحك لهذا... وابتسم لذلك... وأحاديث...
كنت ألاحظ رجلًا له لحيةٌ كثَّةٌ بيضاء يختلس النَّظر إليَّ وإلى رفاقي في إحدى زوايا المسجد...
كان يوهمنا عامل المسجد (الباكستاني)... إنَّه لا ينظر إلينا... ولكنَّه يحاول أيضًا أن يسترق السَّمع... ماذا نقول؟ ما سرُّ تلك الضَّحكات؟ هل نحن معتكفون؟ كنت أنظر إلى هذا العامل وأنا أحسُّ بهذه الأسئلة تصول وتجول في عقله وخاطره...

وفي آخر الأيام العشر... تأكد العامل أنَّا معتكفون... كنت أضحك مع أحد المعتكفين... فإذا بجسدٍ يفاجئني! وقف بجانبي... أثنى ركبته... جلس... نظرت! حدقت النَّظر ؟ إنَّه صاحب اللحية البيضاء عامل المسجد (الباكستاني)...
ابتسمت في وجهٍ... أهلًا... حياك الله...!
رد بابتسامةٍ... لكن ليس كابتسامتي... ابتسامة استغراب... وابتسامة دهشة... لا أصفها إلا بابتسامة يريد بها أن يسأل... نطق بكلماتٍ مكسرةٍ...
أريد أن أسأل؟
قلت: تفضل...
قال: (يريد التَّأكد) هل أنتم معتكفون؟
ربط العجب لساني... واستعجم بياني... نعم!
الدَّهشة أراها في وجهه... حاجباه ارتفعا... كأنَّه صفع، قال وأنفاسه تضطرب: نحن في باكستان... إذا اعتكفنا لا نكثر محادثة الخلق... نضع ستارًا لنا في إحدى زوايا المسجد... ونتعبد خلفه كما يفعل الرَّسول -صلَّى الله عليه وسلَّم-... ولا ندخل في أجوافنا إلا ما نمسك به أرواحنا... كما يفعل الرَّسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- أيضًا...
نتعبد... نبكي... ندعو... نترنَّم بالقرآن...

ثمَّ أكمل حديثه بعد ما ألتقط أنفاسه...
وأنتم... قاطعته بابتسامةٍ... وريقي قد جف... الأطراف ترتجف... ثمَّ قلت في نفسي: أنَّه يوبخنا بطريقةٍ غير مباشرةٍ... يطرق بتلك الكلمات أسماعنا... بغلظةٍ! ... يعنف!

لعلنا نفهم... واللبيب بالإشارة يفهم... طأطأ برأسه... لحيته الكثَّة التصقت بصدره... إذا به يحدِّق النَّظر إلى الأرض... يفكر... عينان احمرتا واتسعتا! أوداجه انتفخت... أخذ يعض على شفتيه... يفرك نواجذه ببعضها... التقط أنفاسه... وكأنَّه يريد أن يطفئ النَّار الَّتي تأججت في صدره...

ارتفع النَّظر الشاخص... بهدوءٍ... التقى سوادي بسواده... زاد حدَّة النَّظر... عيناه تتطاير منها الشَّرر!
قال بهدوءٍ... بصوتٍ خافتٍ وبنبرةٍ خزينةٍ... هل هكذا مذهبكم؟ (يعني في مخالفة سنَّة الاعتكاف)...

اضطربت أنفاسي، أردت أن أنطق... إذا بي لا أستطيع... ثمَّ قلت بصوتٍ عالٍ: لا... لا نحن المسيئون... نحن... نحن...

نعم... لماذا لا يعذر هذا الرَّجل وهو يتكلم بهذا الكلمات يرى بدل الدَّمعات... الضَّحكات...
يرى بدل الصَّلوات... الابتسامات...

يرى بدل التَّرتيل بالقرآن... المحادثات... يرى خلاف... الخشوع... الخشوع... الدُّموع...

أقول لكلِّ معتكفٍ {خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: 12].

انظر إلى النُّجوم إذا تقاست:
- قام أبو مسلم الخولاني ليلةً فتعبت قدماه فضربهما بالسَّوط وقال: "أيظنُّ أصحاب رسول الله -صلَّى لله عليه وسلَّم- أن يسبقونا عليه؟ والله لنزاحم عليه حتَّى يعلموا أنَّهم خلَّفوا رجالًا".

- قام سفيان الثَّوري ليلةً، فمن شدة قيامه وقعت قدميه على الحائط لينزل الدَّم إلى رأسه.

- كان إبراهيم النَّخعي يختم في العشر كلّ ليلةٍ وفي بقية الشَّهر في ثلاث.

- كان قتادة في غير رمضان يختم القرآن في كلِّ سبع ليالٍ مرَّةً، فإذا جاء رمضان ختم في كلِّ ثلاث ليال مرَّةً فإذا جاء العشر ختم في كلِّ ليلةٍ مرَّةً.

- وكان الشَّافعي يختم القرآن ستين مرَّةً في رمضان.

- وكان الإمام الزُّهري إذا دخل رمضان يفرُّ من الحديث ومجالسه أهل العلم ويقبل على تلاوة القرآن من المصحف.

- كان عثمان بن عفان يختم القرآن كلَّ يومٍ.

رسالةٌ إلى من اعتكف (هامَّةً):

- اعلم أنَّك لم تفارق أعزَّ مخلوقين إلا لأجل أن تذهب لمن هو أعزُّ وأغلى منهما.

- اعلم أنَّه لن يبلغ رمضان القادم إلا الأحياء فقط! وقد لا تكون منهم فأحسن عملك... واستعد للقاء ربِّك... فقد يكون هذا هو الموسم الأخير لك...

- اعلم أنَّ تحت أطباق الثَّرى... أناسًا يتذكرون وأنَّى لهم الذِّكرى... كلُّ واحدٍ منهم يقول: يا لتني قدمت لحياتي... فكم ضيعوا من رمضاناتٍ... وهم يبكون الآن بدل الدَّمع دمًا فاحذر أن تكون منهم.

- اعلم أنَّ في المستشفيات من قد أُلقى على سريرٍ أيضًا... قد ابتلاه الله بالأمراض والأسقام ودموعهم تسيل حسرةً؛ لعدم مشاركة إخوانهم في هذا الموسم، فاحمد الله إذ عافاك وابتلى غيرك.

- اعلم أنَّ الرَّسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- دعا على من بلغ رمضان ثمَّ خرج ولم يغفر له فاحذر أن تكون منهم...

- اعلم أنَّ اعتكافك لا يقارن لا بربع ولا عشر السَّنة.
إذا أنت مقارن (10) أيام بثلاثمائة وستين يومًا لا شيء فاحمل وجد في هذا الليالي.

- اعلم أنَّه لولا حبُّ الله إيَّاك لما جعلك من المعتكفين وغيرك عاكفٌ على ما يغضب الجليل من الحرام والآثام.

- اعلم أنَّ الحسرة والألم والحزن ستملأ قلبك يوم الحسرة إذا فاتتك ليلة الألف شهر...

- اعلم أنَّ قلبك لن يعتصره الحزن إلا إذا قيل غدًا العيد وأنت لم تعمل...

- اعلم معنى وحقيقة الاعتكاف:
"قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق".

كيف تعلم أنَّ رمضانَ قُبِل منك؟

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} تأمل الحكمة: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} نعم... {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].
فهذا هو سرُّ قبول شهر رمضان... بل هو الحكمة الأساسيَّة في مشروعيَّة رمضان...

بشرى... إلى من زاد تقواه... وزاد خوفه من مولاه...

بشرى... إلى من كان يدخن... وترك التَّدخين لله.

بشرى... إلى من كان عاكفًا على الغناء... وترك الغناء لله.

بشرى... إلى من كان عاكفًا على النَّظر للأفلام... وتركها لله...

بشرى... لمن هجر القرآن ثمَّ عاد له ولم يفلته...

بشرى... لمن رطَّب لسانه بذكر الله واستمر...

بشرى... لمن طبق معنى التَّقوى...
فالتَّقوى: هي الخوف من الجليل، والعمل بالتَّنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرَّحيل...

بشرى لمن استمر في تقواه... ولم يخف حتَّى من الموت متى أتاه...

فمن زاد تقواه فهذا بشراه...

كان مهجة قلبي:
كان محمَّدٌ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «يجتهد في العشر الأواخر، ما لا يجتهد في غيره» [رواه مسلم 1175].

كان محمَّدٌ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله» [رواه البخاري 2024].

كان محمَّدٌ -صلَّى الله عليه وسلَّم- كما تقول عائشة -رضي الله عنها-: «إذا دخل العشر، أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر» [رواه مسلم 1174] لماذا؟

يقول ابن رجب -رحمه الله-: "إنَّما كان يعتكف النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- في هذه العشر الَّتي يطلب فيها ليلة القدر قطعًا لأشغاله وتفريغًا لليالية وتخليًا لمناجاة ربِّه وذكره ودعائه وكان يحتجر حصيرًا يتخلَّى فيها عن النَّاس فلا يخالطهم ولا يشتغل لهم".

أترى يا معتكف؟ إلى من اعتكف...

أتريد ليلة القدر... ؟ أفلا تريد أجر ثلاثة وثمانين عامًا... أفلا تريد؟

أفلا تريد ليلة تنزل فيها الملائكة... أفلا تريد ليلة يغفر لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر؟

أتريد أن تحرم الخير كلَّه... أتريد الحرمان والخسران...

اسأل الله أن يجعلني وإيَّاك من المقبولين، وأن يبارك لنا في أعمالنا وأن يغفر لنا زللنا وخطأنا إنَّه سميعٌ مجيبٌ.


إعداد
د/ عمر عبد الرَّحمن السَّعدان
دار القاسم



-بتصرفٍ يسيرٍ-

ملفات المطوية

اسم الملف تحميل عدد مرات التحميل
قصة معتكف 1

اضف تعليقك

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3143 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3482 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3557 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟