نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

المطويات  (  التجارة ضوابط وآداب ) 

Post
24-4-2011 4850  زيارة   

يستطيع التاجر المسلم أن يكو نمن أفضل الدعاة إلى الله ، وذلك بالتزامه بالمنهج الإسلامي سلوكا وعملا، فالدعوة بالقدوة هي أكثر وسائل الدعوة إقناعا، ولذلك قيل : « إن عمل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل لرجل».

 

الحمد لله وحده، والصَّلاة والسَّلام على من لا نبيَّ بعده وبعد:
إنَّ التَّجارة من الأمور الهامَّة في الحياة، ولا تستقيم حياة النَّاس بدونها، وذلك أن الإنسان محتاجٌ في حياته إلى أشياءَ كثيرةٍ، من أنواع الطَّعام والشَّراب والملابس والمساكن والأثاث والمراكب إلى غير ذلك وحاجته إلى بعض تلك الأشياء متجددة دائمًا وقليل من النَّاس، بل لا يكاد يوجد من يكتفي ذاتيًّا ولا يحتاج إلى غيره في تحصيل كثير من أغراض وحاجاته. وأنَّى يوجد الآن من يأكل من غرسه، ويلبس من غزله أو نسجه،.....؟!
ومن هنا كانت حاجة النَّاس إلى تبادل السِّلع والمنافع بالبيع والشذِراء ملحةٌ؛ لتحصيل أغراضهم وتسيير أمورهم.

تعريف التِّجارة:

تطلق التِّجارة في اللغة على البيع والشِّراء، يقول ابن منظور: تَجَرَ يتْجُرُ تَجْراً وتِجَارَةً باع وشرى (لسان العرب).
ويقول الجرجاني: التِّجارة عبارة عن شراء شيءٍ ليباع بالرِّبح (التَّعريفات).

من حديث القرآن عنِ التِجارة :

وردت مادة " تجر" بمشتقاتها في القرآن الكريم تسع مرَّات، ومن ذلك قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [ النِّساء: 29].

ومادة "بيع" بمشتقاتها خمس عشرة مرَّةً، ومن ذلك قوله -تعالى-: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275].

ومادة " شرى" بمشتقاتها خمسًا وعشرين مرَّةً ومن ذلك قوله -تعالى-: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ} [يوسف: 20] (المعجم المفهرس لألفاظ القرآن).

وهذا فضلًا عن ألفاظ أخرى ذكرت ويراد بها التِّجارة مثل قوله -سبحانه وتعالى-: {فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10].
ومن ثمَّ ذكر البخاري في صحيحه "باب الخروج في التَّجارة وقول الله -تعالى-: {فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة:10].

فضل التِّجارة:

التِّجارة من أفضل طرق الكسب، وأشرفها إذا توقى التَّاجر طرق الكسب الحرام والتزم بآداب الإسلام. عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال : سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أي الكسب أفضل؟ قال: «عمل الرَّجل بيده، وكلِّ بيعٍ مبرورٍ» [صحَّحه الألباني 1690 في صحيح التَّرغيب].
والبيع المبرور هو الّذي لا يخالطه كذب ولا شيءٌ من الإثم (غريب الحديث لابن سلام).

ولقد سوَّى القرآن بين درجة المجاهدين في سبيل الله والمكتسبين المال من الحلال وخاصَّةً عن طريق التِّجارة وذلك في قول الله -تعالى-: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [المزمل: 20].
يقول الإمام القرطبي: "سوَّى الله -تعالى- في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال الحلال لنفقة على نفسه وعياله، والإحسان والإفضال، فكان هذا دليلًا على أنَّ كسب المال بمنزلة الجهاد؛ لأنَّه جمعه مع الجهاد في سبيل الله.... وقال ابن عمر -رضي الله عنهما-: "ما خلق الله موتةً أموتها بعد الموت في سبيل الله أحبَّ إليَّ من الموت بين شعبتي رحلي، أبتغي من فضل الله ضاربًا الأرض" (تفسير القرطبي).

من المحظورات في التِّجارة

1- التِّجارة في المحرمات:

ما حرَّمته الشَّريعة فبيعه والاتجار فيه حرام. فالتِّجارة بالخمور أو المخدرات أو الخنازير أو الأصنام والتَّماثيل أو الأفلام الخليعة أو الصُّحف والمجلات الّتي تنشر الفحشاء.... ونحو ذلك ممَّا يحرِّم الإسلام تناوله أو تداوله أو الانتفاع به تجارةً محرَّمةً، وكلّ كسبٍ يجيء من طريقها إنَّما هو سحتٌ خبيثٌ وكلّ لحمٍ نبت من هذا السُّحت فالنَّار أولى به.

عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أنَّه سمع رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يقول عام الفتح وهو بمكة: «إنَّ الله ورسوله حرَّم بيع الخمر والميَّتة والخنزير ، والأصنام، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميَّتة، فإنَّها يطلى بها السُّفن، ويدهن بها الجلود ، ويستصبح بها النَّاس -يجعلونها في مصابيحهم يستضيئون بها-؟ فقال: لا، هو حرام. ثمَّ قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- عند ذلك: قاتل الله اليهود إنَّ الله لمَّا حرَّم شحومها -شحوم الميَّتة أو شحوم البقر والغنم كما أخبر الله بقوله: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} [الأنعام: 146]- جملوه -أذابوه واستخرجوا دهنه-، ثمَّ باعوه فأكلوا ثمنه» [متفقٌ عليه].

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قال: «إنَّ الله إذا حرَّم شيئًا حرَّم ثمنه» [صحَّحه الألباني 318 في غاية المرام].

2- الغشّ:

يحرَّم في التِّجارة جميع أنواع الغش والخداع، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: «أنَّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلّم مرَّ على صبرة طعام -الكومة المجموعة من الطَّعام- فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال: ما هذا يا صاحب الطَّعام؟ قال: أصابته السَّماء يا رسول الله! قال: أفلا جعلته فوق الطَّعام كي يراه النَّاس؟ من غشَّ فليس منِّي» [صحيح مسلم 102].
وقوله -صلّى الله عليه وسلّم- «فليس منِّي» أو «فليس منَّا» كما في روايات أخرى، معناه عند أهل العلم أنَّه ليس ممن اهتدى بهدينا واقتدى بعلمنا وعملنا وحسن طريقتنا، كما يقول الرَّجل لولده إذا لم يرضَ فعله، لست منِّي، وهكذا القول في كل الأحاديث الواردة بنحو هذا القول (شرح النَّووي على صحيح مسلم).

ومن الصُّور الّتي تندرج تحت هذا الباب ما يلي:
أ‌- بيع المواد الفاسدة والمنتهية الصَّلاحيَّة.
ب- التَّلاعب في الأوزان، كأن يكتب على العبوة وزنًا معيَّنًا والواقع غير ذلك.
ت- الغشُّ التِّجاري باستبدال العلامات التِّجارية أو بيع البضائع المقلدة على أنَّها أصليةٌ.
ث- وصف مكونات السِّلع أو المنتجات بأوصاف غير حقيقيةٍ.
ج- الغشُّ في تنفيذ المقاولات وأعمال البناء.
ح- استخدام الأموال المزيفة في البيع والشِّراء.
خ- كتمان عيوب السِّلعة أو الثَّناء عليها بما ليس فيها.

كان جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله عنه- إذا قام إلى السِّلعة يبيعها بَصّرَ بعيوبها وقال: إن شئت فخذ وإن شئت فاترك. فقيل له: إنَّك إذا فعلت مثل هذا لم ينفذ لك بيع، فقال: إنَّا بايعنا رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- على النُّصح لكلّ مسلمٍ.

وباع محمد بن سيرين شاةً، فقال للمشتري: أبرأ إليك من عيبٍ فيها إنَّها تقلب العلف برجلها (إحياء علوم الدِّين).

وكان واثلة بن الأسقع -رضي الله عنه- واقفًا، فباع رجلٌ ناقةً له بثلاثمائةٍ درهم فغفل واثلة وقد ذهب الرَّجل بالنَّاقة، فسعى وراءه وجعل يصيح به: يا هذا اشتريتها للحم أو للظهر؟ فقال: بل للظهر، فقال: إن بخفها نقبًا قد رأيته، وأنها لا تتابع السير، فعاد فردها، فنقصها البائع مائة درهم، وقال لواثلة: رحمك الله أفدت علي بيعي! فقال: إنا بايعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على النُّصح لك لمسلم وقال سمعت رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يقول: «لا يحلُ لأحدٍ يبيع بيعًا إلا بيَّن ما فيه و لا يحلُّ لمن يعلم ذلك إلا بيَّنه» [صحَّحه الألباني 339 في غاية المرام].

وكان عند يونس بن عبيد حُلل مختلفة الأصمان بعضها بأربعمائة وبعضها بمائتين، فمرَّ إلى الصَّلاة وخلف ابن أخيه في الدُّكان، فجاء أعرابي وطلب حلة بأربعمائة فعرض عليه من حلل المائتين فاستحسنها واشتراها ومضى بها فاستقبله يونس فعرف حلته، فقال: للأعرابي بكم اشتريت؟ فقال: بأربعمائة، فقال: لا تساوي أكثر من مائتين فارجع حتى تردها، فقال: هذه تساوي في بلدنا خمسمائة وأنا أرتضيتها، فقال له يونس: إنَّ النُّصح في الدِّين خيرٌ من الدُّنيا بما فيها ثمَّ ردَّ عليه مائتي درهم، وخاصم ابن أخيه في ذلك وقاتله، وقال: أمَّا استحييت؟ أمَّا اتَّقيت الله؟! تربح مثل الثَّمن وتترك النُّصح للمسلمين؟! فقال: والله ما أخذها إلا وهو راضٍ بها، قال: فهلا رضيت له بما ترضاه لنفسك.

3- اليمين الكاذبة:

يحرَّم ترويج السِّلعة باليمين الكاذب فعن أبي ذر -رضي الله عنه- عن النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، قال فقرأها رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- ثلاث مرار، قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل -الّذي يجر ثوبه خيلاء-، والمنَّان -الّذي يذكر إحسانه ممتنًا به على المحسن إليه- والمنفق سلعته -المروج لها- بالحلف الكاذب» [صحيح مسلم 106].
هذا ويحظر أيضًا كثرة الحلف ولو صدّقًا. عن أبي قتادة الأنصاري -رضي الله عنه- أنَّه سمع رسول الله -رضي الله عنه- يقول: «إيَّاكم وكثرة الحلف في البيع فإنَّه ينفق ثمَّ يمحق» [صحيح مسلم 1607].

4- تلقي الجلب:

وهو أن يستقبل الحضري البدوي ، قبل وصوله إلى السوق؛ ليشتري منه سلعته بأقل من الثَّمن (الموسوعة الفقهيَّة الكويتيَّة).
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «نهى رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أن يتلقى الجلب» [صحيح مسلم ].
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنَّ رسول الله -صلّى الله عليه سلّم- نهى أن تتلقى السِّلع حتى تبلغ الأسواق» [الصَّحيحين واللفظ لمسلم 1519].

5- الاحتكار:

ومعناه حبس كل ما يحتجه النَّاس ويتضررون من حبسه، من طعامٍ وشرابٍ ولباسٍ وغير ذلك إرادة الغلاء.
عن معمر بن عبد الله: عن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: «لا يحتكر إلا خاطئ » [صحيح مسلم 1605].
الخاطئ بالهمزة هو العاصي الآثم وهذا الحديث صريح في تحريم الاحتكار (شرح النَّووي على صحيح مسلم).
وليست كلمة خاطئ هذه كلمة هيِّنة؛ ويكفي أنَّها الكلمة الّتي دمغ بها القرآن أعتى الجبارة العتاة المشركين بالله فقال -تعالى-: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} [القصص: 8].

وقال ابن مسعود -رضي الله عنه -: "أيما رجلٌ جلب شيئًا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرًا محتسبًا، فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشُّهداء وقرأ {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ} [المزمل: 20]".

وعن بعض السَّلف أنَّه أرسل سفينة حنطةٍ إلى البصرة كتب إلى وكيله: "بع هذا الطَّعام يوم يدخل البصرة ولا تؤخره إلى غد". فوافق سعةً في السَّعر فقال له التُّجار: لو أخرته جمعة ربحت فيه أضعافه، فأخره جمعة فربح فيه أمثاله وكتب إلى صاحبه بذلك، فكتب إليه صاحب الطَّعام: "يا هذا إنَّا كنَّا قنعنا بربحٍ يسيرٍ مع سلامة ديننا، وإنَّك قد خالفت، وما نحب أن نربح أضعافه بذهاب شيءٍ من الدذِين، فقد جنيت علينا جنايةً، فإذا أتاك كتابي هذا فخذ المال كله فتصدق به على فقراء البصرة، وليتني أنجو من إثم الاحتكار كفافًا لا عليَّ ولا لي" (إحياء علوم الدِّين).

6- بيع الرَّجل على بيع أخيه وسومه على سومه:

عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنَّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: «ولا يبيع الرَّجل على بيع أخيه» [الصَّحيحين].

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه -: أن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: «لا يسم المسلم على سوم أخيه» [صحيح مسلم 1413].

أمَّا البيع على بيع أخيه فمثاله أن يقول لمن اشترى شيئًا في مدَّة الخيار افسخ هذا البيع وأنا أبيعك مثله بأرخص من ثمنه أو أجود منه بثمنه، ونحو ذلك وهذا حرام. ويحرم أيضًا الشِّراء على شراء أخيه وهو أن يقول للبائع في مدَّة الخيار أفسخ هذا البيع وأنا أشتريه منك بأكثر من هذا الثَّمن ونحو هذا.
وأمَّا السّوم على سوم أخيه فهو أن يكون قد اتفق مالك السِّلعة والرَّاغب فيها على البيع ولم يعقداه، فيقول الآخر للبائع أنا أشتريه وهذا حرام بعد استقرار الثَّمن. وأمَّا السّوم في السِّلعة الّتي تباع فيمن يزيد (المزاد) فليس بحرام (شرح النَّووي على صحيح مسلم).

7- النَّجْش:
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «أنَّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- نهى عن النَّجْش» [الصَّحيحين]. النَّجْش بفتح النُّون وسكون الجيم بعدها شين وهو في اللغة: تنفير الصَّيد واستثارته من مكانه ليصاد. وفي الشَّرع هو أن يزيد في ثمن السِّلعة لا لرغبةٍ فيها بل ليخدع غيره ويغره ليزيد ويشتريها وهذا حرام بالإجماع... وقال ابن قتيبة: "أصل النَّجْش الختل وهو الخداع ومنه قيل لصائد ناجش؛ لأنه يختل الصَّيد ويحتال له" (شرح النَّووي على صحيح مسلم).

8- التّصرية:
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قال «لا تُصَرُوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فإنَّه بخير النّظرين بعد أن يحتلبها: إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاع تمر» [الصَّحيحين].
لا تُصَرُوا أي لا تجمعوا اللبن في ضرعها عند إرادة بيعها حتَّى يعظم ضرعها فيظنَّ المشتري أن كثرة لبنها عادةٌ له مستمرةٌ.
واعلم أنَّ التّصرية حرامٌ سواءً تصرية النَّاقة والبقرة والشَّاة والفرس والأتان وغيرها؛ لأنَّه غشٌ وخداعٌ، وبيعها صحيح مع أنَّه حرامٌ، وللمشتري الخيار في إمساكها وردها، وفيه دليل على تحريم التَّدليس في كلّ شيءٍ، وأنَّ البيع من ذلك ينعقد، وأنَّ التَّدليس بالفعل حرام كالتَّدليس بالقول (شرح النَّووي على صحيح مسلم).
وفضلًا عن ذلك فإنَّها تحرَّم أيضًا لم فيها من إيذاء الحيوان بحبس اللبن فيه (فتح الباري).

9- المتاجرة مع أعداء الإسلام وأهل الفتنة:

ومن المحظورات كذلك: المتاجرة مع العدو بما فيه تقويتهم على حربنا كالسِّلاح والحديد ونحوه، ولو بعد صلح؛ لأنَّه -صلّى الله عليه وسلّم- نهى عن ذلك، ويجوز المتاجرة معهم بغير ذلك، إذا لم يكن المسلمون في حاجةٍ إليه.
فيحرَّم بيع السِّلاح لأهل الحرب ولمن يعلم أنَّه يريد قطع الطَّريق على المسلمين أو إثارة الفتنة بينهم.
قال الحسن البصري: "لا يحل لمسلم أن يحمل إلى عدوِّ المسلمين سلاحًا يقويهم به على المسلمين، ولا كراعًا (اسم للخيل والسِّلاح)، ولا ما يستعان به على السِّلاح والكراع؛ لأن في بيع السَّلاح لأهل الحرب تقويةً لهم على قتال المسلمين وباعثًا لهم على شنِّ الحروب ومواصلة القتال؛ لاستعانتهم به، وذلك يقتضي المنع (الموسوعة الفقهيَّة الكويتيَّة).

من آداب التِّجارة:

إنَّ التِّجارة في الإسلام تحكمها ضوابطٌ وقيمٌ أخلاقيَّةٌ ينبغي على التُّجار التَّحلي بها، وهذه الضَّوابط والقيم مستمدة من كتاب الله -تعالى- ومن سنَّة نبيِّه -صلّى الله عليه وسلّم- ومن سير الصَّحابة والسَّلف في تعاملهم التَّجاري. ومن تلك الآداب ما يلي:

1- النِّيَّة الصَّالحة:

عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال سمعت رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يقول: «إنَّما الأعمال بالنِّيَّات، وإنَّما لكلّ امرئٍ ما نوى....» [صحيح البخاري 1].
إنَّ النِّيَّة الصَّالحة تحول العادة إلى عبادة، فعلى كلّ إنسانٍ -وخاصة من يعمل في التِّجارة- أن يحسن نيَّته ليأخذ الأجر من الله.
يقول أبو حامد الغزالي في بيان أول ما على التَّاجر مراعاته: "حسن النَّيِّة في ابتداء التِّجارة، فلينو بها الاستعفاف عنِ السُّؤال وكفِّ الطَّمع عن النَّاس استغناء بالحلال عنهم واستعانة بما يكسبه على الدِّين وقيامًا بكفاية العيال؛ ليكون من جملة المجاهدين به وليَنوا النُّصح للمسلمين، وأن يحب لسائر الخلق ما يحبَّ لنفسه وليَنو اتِّباع طريق العدل والإحسان في معاملته وليَنو الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر في كلِّ ما يراه في السُّوق فإذا أضمر هذه العقائد والنِّيَّات كان عاملًا في طريق الآخرة فإنِ استفاد مالًا فهو مزيد وإن خسر في الدنيا ربح في الآخرة (إحياء علوم الدِّين).

2- السَّماحة في المعاملة:

على المسلم السَّماحة في المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق، وترك المشاحة والتَّضييق على النَّاس بالمطالبة.
عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أنَّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال : «رحم الله رجلًا، سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى» [صحيح البخاري 2076].
وقوله: «رحم الله رجلًا» دعاءً من النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- بالرَّحمة لمن يتصف بالسَّماحة في المعاملة، ودعاء الرَّسول حريٌّ بالقبول عند الله -عزّ وجلّ- أو إخبار منه -صلّى الله عليه وسلّم- بأنَّ رحمة الله تشمل من كان هذا حاله، وعلى كلا الأمرين- الدُّعاء أو الإخبار- فيه الحضّ على السَّماحة في المعاملة.

3- تحري الصِّدق والأمانة:
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: «التَّاجر الأمين الصَّدوق مع الشُّهداء يوم القيامة» [رواه الألباني 1783 في صحيح التَّرغيب وقال: حسن صحيح].

4- ذكر الله -تعالى- في السُّوق:

عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: «من دخل السُّوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حيٌّ لا يموت بيده الخير وهو على كل شيءٍ قديرٍ كتب الله له ألف ألف حسنةٍ ومحا عنه ألف ألف سيِّئةٍ ورفع له ألف ألف درجةٍ» [رواه التِّرمذي 3428 وحسَّنه الألباني].

5- التَّصدق من مال التِّجارة:

عن قيس بن أبر غرزة -رضي الله عنه- قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم- ونحن -في السُّوق- نسمي السَّماسرة فقال «يا معشر التُّجار! إنَّ الشَّيطان والإثم يحضران البيع فشوبوا بيعكم بالصَّدقة» [أخرجه التِّرمذي 1208 وصحَّحه الألباني]. وفي خلافة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- أصاب النَّاس قحط وجاءت عير لعثمان بن عفان -رضي الله عنه- من الشَّام فإذا هي ألف بعير محملة بُرًّا وزبيتًا وزبيبًا، فجاء التُّجار فقال لهم: كم تربحوني على شرائي؟ قالوا: الدِّرهم درهمين، قال: أعطيت زيادةً على هذا، قالوا: أربعة، قال: أعطيت زيادة على هذا، قالوا: خمسة، قال: أعطيت أكثر من هذا، قالوا: ما بقي في المدينة تجارٌ غيرنا وما سبقنا إليك أحدٌ فمن ذا الّذي أعطاك أكثر؟ قال: إنَّ الله أعطاني بكلِّ درهمٍ عشرة أعندكم زيادة قالوا: لا، قال: فإنِّي أشهد الله أنَّي جعلت ما حملت هذه العير صدقةً لله على المساكين وفقراء المسلمين (غرر الخصائص الواضحة).

6- التَّبكير بالتِّجارة:

عن صخر الغامدي -رضي الله عنه- عن النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قال: «اللهمَّ بارك لأمتي في بكورها، وكان إذا بعث سريَّةً أو جيشًا بعثهم من أول النَّهار وكان صخر رجلًا تاجرًا وكان يبعث تجارته من أول النَّهار فأثرى وكثر ماله» [أخرجه أبو داود وصححه الألباني].

دور التُّجار في نشر الإسلام:

يستطيع التَّاجر المسلم أن يكون من أفضل الدُّعاة إلى الله، وذلك بالتزامه بالمنهج الإسلامي سلوكًا وعملًا، فالدَّعوة بالقدوة هي أكثر وسائل الدَّعوة إقناعًا، ولذلك قيل: "إن عمل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل لرجل" وإذا تأملت التَّاريخ الإسلامي وجدت أنَّ بلدانًا في جنوب شرق آسيا وفي أواسط أفريقيا دخل الإسلام إليها ولم يصل إليها جيشٌ إسلاميٌّ ولا بعثةٌ دعويَّةٌ؛ وإنمَّا وصل إليها تجار مسلمون حسنت أخلاقهم فكان سكان تلك البلاد من عبدة الأوثان أوِ النَّصارى أو غيرهم يتعجبون من أخلاق التُّجار وأمانتهم فيسألونهم عن سبب هذه الأخلاق وتلك الأمانة فيقولون: الإسلام. فيتعرفون على الإسلام ويدخلون فيه أفواجًا.

ومن تلك البلاد الّتي دخلها الإسلام عن طريق التِّجارة، تركستان الشَّرقيَّة في الصِّين، وإندونيسيا وماليزيا والفلبين وجزر المالديف وفيتنام، وأوغندا والصومال وكينيا وتنزانيا وغانا وغيرها.
وفي هذا أبلغ ردٍّ على المفترين الّذين يتهمون الإسلام كذبًا بأنَّه لم ينتشر إلا بالسَّيف.
فحريٌّ بالمسلمين جميعًا والتُّجار على وجه الخصوص أن يقوموا بالدَّعوة العمليَّة عن طريق الالتزام العملي بضوابط وآداب الإسلام.

وفي الختام:

نسأل الله أن ييسر الأمور لجميع المسلمين وأن يبارك لهم في أرزاقهم وأن يرزقهم الحلال ويبارك لهم فيه، ويباعد بينهم وبين الحرام كما باعد بين المشرق والمغرب، اللهمَّ اكفنا بحلالك عن حرامك واغننا بفضلك عمن سواك وصل الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسلّم.


المنتدى
وزارة الأوقاف والشُّؤون الإسلاميَّة


ملفات المطوية

اسم الملف تحميل عدد مرات التحميل
التجارة ضوابط وآداب 6
تصميم جديد بتنفيذ وذكر 7

اضف تعليقك

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3147 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3489 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3564 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟