نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

المطويات  (  بشرى للتائبين ) 

Post
25-1-2009 3180  زيارة   

وتأمل أخي رقة العبارة ولطف العتاب بقوله: {يَا عِبَادِيَ} تندرج تحتها الآمال والرجاء والمبشرات وحسن الظن بالله، ففيها أمل ورحمة ورأفة وإحسان وجود وكرم وعطاء من ملك الملوك الذي لا يتعاظمه شيء فمهما بلغت الذنوب فعفو الله أعظم...


 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، أما بعد:

فإن البشر تعتريهم صفات النقص ويجري عليهم من الغفلة والزلل والوقوع في المعاصي وليس لهم الكمال والعصمة فهم عرضة للخطأ والنسيان والسهو والهفوة.

دلَّ على ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم».

وقوله عليه الصلاة والسلام من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك ذلك لا محالة فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرِّجل زناها الخطاء والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ويكذبه».

فهذه النصوص الصريحة من السنة تدل دلالة واضحة على أن الإنسان معرض للوقوع في المعصية لأنه عبد ضعيف تغلبه الأمارة بالسوء وهواه وشيطانه، ولكن المسلم الفطن العاقل اللبيب يتدارك ذلك بالتوبة والاستغفار والإقلاع المباشر قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 135].

قال ابن كثير: "أي إذا صدر منهم ذنب أتبعوه بالتوبة والاستغفار"

فكان الجزاء:
{أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 136].

وقوله عليه الصلاة والسلام: «كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون».

فالله جل وعلا يتوب على التائبين الصادقين، وأنه لا أحد يحول بينك وبين التوبة وبينك وبين الله عز وجل فهو سبحانه يقول: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186].

وعن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها».

وأن الله جل وعلا يفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه مع غناه وكماله سبحانه وتعالى.

قال ابن القيم رحمه الله: "وهذه فرحة إحسان وبر ولطف لا فرحة محتاج إلى توبة عبده منتفع بها؛ فهو سبحانه لا يتكثر من قلَّة ولا يعتز به من ذلة ولا ينتصر به من غلبة ولا يعده لنائبة ولا يستعين به في أمر".

ويصور لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الفرحة بمثال فيقول: «الله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلت عنه وعليها طعامه وشرابه فاضطجع في ظلها قد أيِِس من راحلته فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك" أخطأ من شدة الفرح».

وتأمل كيف كانت فرحته بهذه الراحلة التي عليها طعامه وشرابه وهو في هذه الأرض الخالية التي لا يوجد عليها سبب من أسباب الحياة وإلا هذه الراحلة وعلى هذه الراحلة الطعام والشراب فذهب الجمل بما حمل، وتأمل فرحته حينما أخذ بخطامها لم يقل رآها بعيدة أو سمع صوتا بل قال قائمة عنده وهذا يجعله يدهش ويتمسك بها بكل ما أوتي من قوة.

دل ذلك خطأه حينما قال: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك" ومع هذه الفرحة الشديدة بهذه الراحلة وعودة الحياة إليه من جديد، فالله أشد فرحاً منه بعودته إليه تائباً نادماً مخبتاً من عودة دابة عليه، فعودة الراحلة إليه من أسباب الحياة المؤقتة في الدنيا الزائلة، ولكن عودة العبد إلى ربه ومولاه تائباً مؤمناً منكسر القلب من أسباب الحياة الحقيقية وهي حياة قلبه بنور الإيمان المبشر بالحياة السرمدية الأبدية في جناته جنات النعيم.

فهو سبحانه أرحم من أنفسنا وآبائنا وأمهاتنا.

وهذا موضع الحكاية المشهورة أنه كان أحدهم يسير في إحدى السكك، فرأى باباً قد فتح وخرج منه صبي يستغيث ويبكي وأمه خلفه تطرده حتى خرج فأغلقت الباب في وجهه ودخلت فذهب الصبي غير بعيد ثم وقف مفكراً فلم يجد له مأوى غير البيت الذي أخرج منه ولا من يؤويه غير والدته فرجع مكسور القلب حزيناً فوجد الباب مرتجاً فتوسده ووضع خده على عتبة الباب ونام فخرجت أمه فلما رأته على تلك الحال لم تملك أن رمت نفسها عليه والتزمته تقبله وتبكي، وتقول: "يا ولدي أين تذهب عني ومن يؤويك سواي؟ ألم أقل لك لا تخالفني ولا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة بك والشفقة عليك وإرادتي الخير لك؟" ثم أخذته ودخلت.

فتأمل قول الأم: "لا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة والشفقة"
وتأمل قول صلى الله عليه وسلم: «الله أرحم بعباده من هذه بولدها»
وأين تقع رحمة الوالدة من رحمة الله التي وسعت كل شيء؟
فمن هذا شأنه ورحمته التي وسعت كل شيء لا ينبغي اليأس والقنوط من رحمته وعفوه.

كذلك أنه سبحانه يتفضل على عبده التائب العائد إليه ويكرمه بأن يجعل تلك السيئات حسنات إذا أتبع التوبة بعمل صالح.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [الفرقان: 68-70] وتأمل قوله سبحانه وتعالى: {فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} تبين لك فضل الله العظيم وسعة عطائه وكثرة جوده.

قال أهل العلم: التبديل هنا نوعان:
الأول: تبديل الصفات السيئة بصفات حسنة كإبدالهم بالشرك إيمان وبالزنا عفة وإحصاناً وبالكذب صدقاً وبالخيانة أمانة وهكذا.

الثاني: تبديل السيئات التي عملوها بحسنات يوم القيامة.

وانظر إلى شرح هذا الكرم الإلهي في هذا الحديث: جاء شيخ كبير هرم قد سقط حاجباه على عينيه وهو يدعم على عصا حتى قام بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها فلم يترك منها شيئاً وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة -أي: لا صغيرة ولا كبيرة- إلا أتاها" وفي رواية "إلا اقتطفها بيمينه" لو قسمت خطيئته بين أهل الأرض لأبقتهم -أي: أهلكتهم- فهل له من توبة"، فتخيل بعد هذا العمر الطويل والكم الهائل من المعاصي يسأل ويقول: هل لي من توبة؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فهل أسلمت؟»
قال: "أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله"
قال: «تفعل الخيرات وتترك السيئات فيجعلهن الله لك خيرات كلهن».
قال: "وغدراتي وفجراتي؟"
قال: «نعم»
قال: "الله أكبر"، فما زال يكبر حتى توارى. [قال الهيثمي: رواه الطبراني والبزار، وقال المنذري في الترغيب: إسناده جيد قوي].
وآيات الفرقان الآنفة الذكر تدل له وتشهد له.

وهكذا ينبغي للتائب الصادق في توبته ترك السيئات وفعل الخيرات حتى يبدل الله سيئاته حسنات.

وإليك أخي هذا النداء من ملك الملوك عز وجل:
{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].
أي: قل لعبادي يا محمد الذين أكثروا من المعاصي لا يقنطوا من رحمتي وعفوي فأنا أغفر الذنوب كلها صغيرها وكبيرها، وإني أنا الغفور الرحيم.

وتأمل أخي رقة العبارة ولطف العتاب بقوله: {يَا عِبَادِيَ} تندرج تحتها الآمال والرجاء والمبشرات وحسن الظن بالله، ففيها أمل ورحمة ورأفة وإحسان وجود وكرم وعطاء من ملك الملوك الذي لا يتعاظمه شيء فمهما بلغت الذنوب فعفو الله أعظم.

قال الإمام الشافعي رحمه الله عند موته:
ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي *** جعلت الرجاء مني لعفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته *** بعفوك ربي كان عفوك أعظم


وفي الحديث القدسي: «يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا بن آدم لو أنك أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة».

قال تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ} [النساء: 18].

فهذه توبته غير مقبولة لأنها ليست في زمن التوبة المقبولة.

وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» والغرغرة: هي بلوغ الروح الحلقوم.

وقوله عليه الصلاة والسلام: «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه».

فبادر أخي قبل أن تبادر فما هي إلا أيام أو ساعات أو لحظات وإذا بك في عداد الأموات فأصبح الغيب لديك علانية، فعد قبل أن تقول: {رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ} [المؤمنون: 99-100].

فيقال لك: {كَلَّا}.

أو تقول: {يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ} [الزمر: 56].

أو تقول: {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} [الفجر: 24].

تدري أي حياة هذه؟ إنها الحياة الأخروية الأبدية التي ليس فيها موت، ففي صحيح الإمام مسلم: عن عبدالله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وصار أهل النار إلى النار أتى بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم ينادي مناد "يا أهل الجنة لا موت، يا أهل النار لا موت"، فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزناً إلى حزنهم».

فهؤلاء في الجنة مكرمون: {وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ} [الأنبياء: 102].

وهؤلاء في النار والعذاب المهين: {لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا} [فاطر: 36].

قدم لنفسك توبة مرجوة *** قبل الممات وقبل حبس الألسن
بادر بها غلق النفوس فإنها *** ذخر وغنم للمنيب المحسن


والله تعالى أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


إعداد: خالد بن ضيف الله الوهبي المالكي
راجعها فضيلة الشيخ الدكتور: عبد العزيز بن عبدالله الراجحي
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
فريق عمل موقع وذكر الإسلامي

دار الوطن العدد 391مدار الوطن
الملز : الدائري الشرقي - مخرج 15 - بعد أسواق المجد بـ 2كم غرباً
هاتف: 0096614792042
فاكس : 0096614723941




ملفات المطوية

اسم الملف تحميل عدد مرات التحميل
بشرى للتائبين 3

اضف تعليقك

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3138 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3476 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3549 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟