نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

المطويات  (  شهر شوال وأحداث هامة في تاريخ الأمة ) 

Post
4-11-2010 4058  زيارة   

فإذا ذهب رمضان بصيام الفريضة، فإن صيام النافلة متاح طول العام ولا يزال باب الريان مفتوحا للصائمين.

 

الافتتاحية

الحمد لله والصّلاة والسّلام على من لا نبيّ بعده، وبعد
ها هي الأيام قد دارت دورتها المعتادة، وانقضى شهر رمضان بما كان فيه من صيامٍ وقيامٍ وتلاوةٍ للقرآن وذكرٍ وتسبيحٍ وصدقاتٍ،.... إلى غير ذلك من أنواع الطَّاعات والقربات.

مضى رمضان وقد ربح فيه من ربح وخسر من خسر، وسيأتي رمضان يوم القيامة شاهدًا لأناسٍ، وشاهدًا على آخرين.

وقد تعود المسلمون في رمضان المحافظة على صلاة القيام كما قال -تعالى-: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السّجدة: 16].

لقد كان رمضان ميدانًا يتنافس فيه المتنافسون، ويتسابق فيه المتسابقون، ويحسن فيه المؤمنون، تروضت فيه النُّفوس على الطَّاعة، وتربت فيه على الفضيلة، وترفعت فيه عن الخطيئة، وتعالت عن الرَّذيلة، واكتسبت فيه كلّ خيرٍ وهدًى، وتزودت فيه من الرَّشاد والبرِّ والتَّقى، وسمت فيه النُّفوس إلى جنَّة الفردوس، وتطلعت فيه الرَّضى الملك القدوس، وتعالت فيه الهمم، وارتفعت وسمت فيه العزائم فخشعت القلوب ودمعت الأعين، وخضعت الجوارح وزكت النُّفوس، وتهذبت الأخلاق.

فيا عين جودي بالدَّمع من أسف***على فراق ليال ذات أنوارِ
على ليال لشهر الصّوم ما جعلت***إلا لتمحيص آثامٍ وأوزارٍ
ما كان أحسننا والشَّمل مجتمع***منَّا المصلي ومنا القانت القاري
وفي التَّراويح للرَّاحات جامعة***فيها المصابيح تزهو مثل أزهاري
في ليلة القدر الَّذي شرفت***حقًّا على كلّ شهرٍ ذات أسرارِ
تنزل الرّوح والملاك قاطبةً***بإذن ربّ غفور خالق باري
شهر به يعتق الله العصاة وقد***أشفوا على جرف من خطة النَّار
فابكوا على ما مضى في الشَّهر واغتنموا***ما قد بقى من فضل أعمار


وأتى شوَّال يقدم فرصةً عظيمةً لمن يريد أن يتدارك بعض ما فاته من رمضان، كما في الصَّحيحين أنَّ النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- اعتكف مرّة في العشر الأول من شوال ليقضي اعتكافًا فاته في رمضان [متفقٌ عليه].

شوَّال بين الجاهلية والإسلام

كان العرب في الجاهلية يتشاءمون بشهر شوَّال، فكانوا لا يتزوجون فيه زعمًا منهم أنَّ الزَّواج فيه لا يفلح، وسبب تشاؤمهم ما في اسم شوَّال من الإشالة وهي الرَّفع والقلة يقال: شال الميزان، إذا ارتفعت إحدى كفتيه لخفتها، وشالت النَّاقة إذا رفعت ذنبها، أو قل لبنها (تهذيب اللغة، لسان العرب).
وقيل لأن طاعونا وقع فيه قديمًا مات منه كثير من العرائس (الدّرر السّنية في الأجوبة النَّجدية).

وقد حارب النّبيّ -صلّى الله عليه وسلمّ بأقواله وأفعاله- التَّشاؤم بشوَّال وبغيره.
فمن أقواله -صلّى الله عليه وسلّم: «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصَّالح: الكلمة الحسنة» [صحيح البخاري 5756].
فالدَّاء لا ينتقل من مريضٍ إلى صحيحٍ بنفسه أو بطريقةٍ تلقائيَّةٍ كما كان يعتقد الجاهليُّون وإنّما بمشيئة الله -تعالى-، وإلا فمن أصاب الأول بالمرض وكان النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- يحب الفأل الحسن، لما فيه من حسن الظّنّ بالله -تعالى-، ولذا لما رأى النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- سهيل بن عمرو -وقد أرسلته قريش ليفاوض النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- في صلح الحديبية-، قال -صلّى الله عليه وسلّم-: «لقد سهل لكم من أمركم» [صحيح البخاري 2731].

ومن أفعاله -صلّى الله عليه وسلّم- أنَّه تزوج في شهر شوَّال ليبين بطريقةٍ عمليَّةٍ بطلان ما يعتقده الجاهليون في هذا الشَّهر. فعن عائشة قالت: «تزوجني رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- في شوال. وبنى بي في شوَّال. فأي نساء رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- كان أحظى عنده منِّي؟ قال: وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساءها في شوَّال» [صحيح مسلم 1423].

وقصدت عائشة -رضي الله عنها- بهذا الكلام ردّ ما كانت الجاهلية عليه وما يتخيله بعض العوام اليوم من كراهة التّزوج والتَّزويج والدّخول في شوَّال وهذا باطلٌ لا أصل له وهو من آثار الجاهلية (صحيح مسلم بشرح النّوويّ).

وكذلك نهى النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- عن الطّيرة، فقد كان أحدهم يزجر الطّير فإن طار إلى الأمام أو اليمين استبشر ومضى لحاجته، وإن طار إلى الخلف أو اليسار تشاءم ولم يمض.

فلمَّا جاء الإسلام هدم هذه المعتقدات الباطلة وبين القرآن أنَّ النّفع والضّرّ بيد الله -تعالى- وحده. قال الله -تعالى-: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 107]، {قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران: 154].

صيام ستّ شوَّال

على المسلم -بعد أداء الفرائض- أن يتقرب إلى الله -تعالى- بلانوافل، وفي مقدمتها صيام ستّة أيام من شوَّال. فقد قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: «من صام رمضان ثمَّ أتبعه ستًّا من شوَّال كان كصيام الدّهر» [صحيح مسلم 1164]، في هذا الحديث دلالة على استحباب صوم هذه السّتّة، والأفضل أن تصام متوالية عقب يوم الفطر، فإن فرقها أو أخرها إلى أواخر شوَّال حصلت فضيله المتابعة؛ لأنّه يصدق أنّه أتبعه ستًّا من شوَّال.

قال العلماء وإنَّما كان ذلك كصيام الدّهر لأنَّ الحسنة بعشرة أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر والسّتّة بشهرين. وهذا كما جاء في حديث ثوبان -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: «صيام شهر رمضان بعشرة أشهرٍ، وصيام ستَّة أيام بشهرين، فذلك صيام السّنّة» [صححه الألباني 1007 في صحيح التّرغيب].

وفي صيام السّت من شوَّال حكم عديدة منها:

1- أنَّ صيام شوَّال وشعبان كصلاة السّنن الرّواتب قبل الصّلاة المفروضة وبعدها، فيكمل بذلك ما حصل في الفرض من خللٍ ونقصٍ فإنَّ الفرائض تجبر أو تكمل بالنَّوافل يوم القيامة كما ورد ذلك عن النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: «إنَّ أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإنَّ صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإنِ انتقص من فريضة شيئًا، قال الربُّ -تبارك وتعالى-: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك» [رواه التّرمذي 413 وصححه الألباني] (لطائف المعارف).

2- أنَّ معاودة الصّيام بعد صيام رمضانَ علامةٌ على قبول صوم رمضان فإنّ الله -تعالى- إذا تقبل عمل عبده وفقه لعمل صالح بعده كما قال بعض السّلف: "من ثواب الحسنة الحسنة بعدها" (لطائف المعارف).

3- قال الله -تعالى-: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185].
فمن جملة شكر العبد لربِّه على توفيقه لصيام رمضان، وإعانته عليه ومغفرة ذنوبه، أن يصوم له شكرًا عقب ذلك. كان بعض السّلف إذا وفق لقيام ليلة من الليالي أصبح في نهاره صائمًا ويجعله صيامه شكرًا للتَّوفيق للقيام (لطائف المعارف).

جهاد الأعداء بعد جهاد النَّفس

كان شهر شوال سجلًا لأحداثٍ وغزواتٍ هامّةٍ حاسمةٍ في تاريخ الإسلام والمسلمين، ففيه وقعت عزوة أحد في السّنة الثّالثة للهجرة، وعزوة الخندق (الأحزاب) في السّنة الخامسة، وغزوة حنين في السّنة الثّامنة، إلى غير ذلك من غزواتٍ وأحداثٍ.

ولا عجب فإنَّ الصّحابة بعد أن تغلبوا على أنفسهم في شهر رمضان بالصّيام والقيام والذّكر والصّدقات، وغير ذلك من أنواع الطَّاعات، انقادت لهم أنفسهم فسهل عليهم أن يواجهوا أعدائهم في ميدان القتال. فإنَّ من لا يستطيع أن يتغلب على نفسه وهي عدوه الدّاخلي كيف سيتغلب على عدوه الخارجي؟!

ومن منعته نفسه أن يصبر عنِ الطَّعام والشّراب سويعات، أو يصف قدميه دقائق معدودة في ركعات بين يدي ربّ الأرض والسّماوات، أنّى له أن يصبر في ميدان الوغي، حيث صليل السّيوف، وصرخات الأبطال، وفقدان الأرواح!!

ومن ثمَّ قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: «أفضل المؤمنين إسلامًا من سلم المسلمون من لسانه و يده، وأفضل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا؛ وأفضل المهاجرين من هجر ما نهى الله -تعالى- عنه، و أفضل الجهاد من جاهد نفسه في ذات الله -عزّ و جلّ-» [صححه الألباني 1129 في صحيح الجامع].

ولهذا كان جهاد النَّفس مقدمًا على جهاد العدو في الخارج وأصلًا له، إذ لا يمكنه الخروج إلى عدوه، حتى يجاهد نفسه على الخروج (زاد المعاد).

لابد من صنع الرِّجال***ومثله صنع السَّلاح
وصناعة الأبطال علم***قد دراه أولو الصّلاح
في روضة القرآن في ظلّ***الأحاديث الصّحاح
من خان حي عليه الصّلاة***يخون حي على الكفاح


ولنعرض باختصار لغزوتي أحد والخندق وما فيهما من دروسٍ وعبرٍ، لما لها من أثرٍ كبيرٍ في تاريخ الإسلام.

عزوة أحد

في شوَّال من السّنة الثّالثة للهجرة أرادت قريش الثّأر لما أصابه في بدر على يد المسلمين، فجمعوا جيشًا قوامه ثلاثة الآف مقاتلة بكامل العتاد، وتوجهوا للمدينة بقيادة أبو سفيان.

لمَّا علم النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- بذلك استشار أصحابه، واستقر الرّأي على الخروج لملاقاة المشركين عند جبل أحد. فخرج النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- بألف من المسلمين، وفي الطّريق رجع عبد الله بن أبي سلول بنحو ثلث الجيش وبقي النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- في سبعمائة.
وضع النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- خمسين راميًا على جبل خلف ظهور المسلمين؛ لينضحوا خيل المشركين بالنُّبل، وأمرهم ألا يبرحوا أماكنهم مهما حدث.

بعد بداية المعركة نصر الله تعالى المسلمين، وولى المشركون الأدبار، وأخذ المسلمون في جمع الغنائم.
اختلف الرُّماة فنزل غالبيتهم من على الجبل ليحرزوا نصيبًا من الغنائم مخالفين بذلك أمر الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم- لهم بعدم مغادرة أماكنهم مهما حدث.

انتهز فرسان المشركين الفرصة -وكان قائدهم خالد بن الوليد- فصعدوا إلى الجبل، وقتلوا بقية الرُّماة وطوقوا المسلمين من خلفهم.
دارت الدّائرة على المسلمين وسقط منهم سبعون شهيدًا من كبار الصحابة، من بينهم أسد الله حمزة بن عبد المطلب -رضي الله عنه-.

خلص المشركون إلى رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- فجرحوا وجهه وكسروا رباعيته اليمنى وكادت السّفلى هشموا البيضة على رأسه ورموه بالحجارة حتى وقع لشقِّه وسقط في إحدى الحفر.

روى في الصّحيحين عن أنس «أنَّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- كسرت رباعيته يوم أحد. وشجَّ في رأسه. فجعل يسلت الدّم عنه ويقول: "كيف يفلح قوم شجُّوا نبيَّهم وشجُّوا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله؟" فأنزل الله -تعالى-: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128]» [متفقٌ عليه واللفظ لمسلم].

بعض الدّروس المستفادة من عزوة أحد:

1- خطورة المعصية وشؤم عاقبتها فإنَّ ما حلّ بالمسلمين في هذه العزوة إنّما كان بسبب مخالفة الرّماة لأمر رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-.

2- على المسلم أن يتَّقى الله ربّه ويبتعد عن المعاصي وليحذر أن يؤتى الإسلام والمسلمون من قبله، فإن عقاب المعاصي إذا انتشرت لا ينال العصاة وحدهم، بل قد يعم الجميع {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25].

3- الله -سبحانه وتعالى- يبتلى عبادة بالمصائب والشّدائد لتكون تكفيرًا لذنوبهم، ورفعةً في درجاتهم، وليميز الخبيث من الطّيِّب، والمؤمنين من المنافقين. {إإِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 140-142].

4- الأيام دولٌ، والحياة لا تسير على نسقٍ واحدٍ، بل يومٌ لك ويومٌ عليك، فإن كنت في ضيقٍ فانتظر السّعة، وإن كنت في سعةٍ ونعمةٍ فاستدمها بالشّكر والطَّاعة.

إذا كنت في نعمة فارعها***فإنَّ المعاصي تزيل النّعم
وداوم عليها بشكر الإله***فإنّ الإله شديد النّقم


روائع إيمانية في عزوة أحد:

غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر -رضي الله عنه-:

ما إن سمع داعي الجهاد حتى خرج من فوره ليلبي حيَّ على الكفاح، وكان جنبًا، فلمَّا استشهد في المعركة أخبر النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أصحابه أن الملائكة تغسل، ثمَّ قال: سلوا أهله ما شأنه، فسألوا امرأته فأخبرتهم الخبر (سيرة ابن هاشم).

من أهل الجنَّة ولم يصل لله صلاة:

إنّه عمرو بن ثابت المعروف بالأصيرم -رضي الله عنه- من بني عبد الأشهل، كان يأبى الإسلام ثمَّ أسلم يوم أحد؛ فأخذ سيفه وحارب مع المسلمين ولم يعلم أحد به وبعد المعركة وجدوه في الرَّمق الأخير فسألوه ما جاء بك؟ فقال: آمنت بالله ورسوله ثمَّ قاتلت مع رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- حتى أصابني ما ترون، ثم مات ، فقال -صلّى الله عليه وسلّم: هو من أهل الجنَّة، قال أبو هريرة: "ولم يصل لله صلاة" (زاد المعاد).

غزوة الخندق (الأحزاب)

في شوَّال من السّنة الخامسة للهجرة توجهت قريش ومن شايعها من القبائل إلى المدينة في جيشٍ جرارٍ قوامة عشرة آلاف مقاتل، يريدون القضاء على الإسلام واستئصال شأفة المسلمين، وكان ذلك بتخطيط وتحريض من اليهود.

استشار النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أصحابه، فأشار سلمان الفارسيّ -رضي الله عنه- بحفر الخندق، واشترك النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- مع المسلمين في أعمال الحفر.

حاصر المشركون المدينة لما فوجئوا بالخندق، ولم يستطيعوا اقتحامه، سوى محاولاتٍ فرديةٍ باءت بالفشل.

في أثناء الحصار نقض يهود بني قريظة عهدهم مع المسلمين، وأعلنوا العداوة فأصبح المسلمون بين شقي الرّحى، فأمامهم المشركون وفي ظهورهم اليهود وغدا المسلمون في حالٍ لا يحسدون عليه، وفي كرب وبلاء لا يعلم مداه إلا الله -تعالى-، وهو ما عبر عنه القرآن بقوله: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا} [الأحزاب: 10-11].

نصر الله تعالى الإسلام برجلٍ هو نعيم بن مسعود الأشجعي -رضي الله عنه-، أسلم سرًّا وجاء إلى الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم- فقال له الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم-: «الحرب خدعة» [متفقٌ عليه]، فعمل على إيقاع الفرقة والخلاف بين المشركين واليهود، وتم ما أراد فوهن عزم الفريقين، وانفض جمعهم، وانفرط عقدهم.

ثم جاء النّصر الحاسم من الله -تعالى-، فأرسل على المشركين جندًا من الرِّيح والملائكة، اقتلعا خيامهم، وكفأت قدورهم، وبثت الرّعب في قلوبهم، فارتحلوا خائبين، وارتدوا على أعقابهم خاسرين، ونجى الله -تعالى- الإسلام والمسلمين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- كان يقول: «لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده» [متفقٌ عليه].
وقال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الأحزاب: 9].

دروسٌ وعبرٌ من عزوة الأحزاب:

1- أهمية الشّورى في حياة المسلمين حكامًا ومحكومين، فما خاب من استخار، ولا ندمَ من استشار. قال الله -تعالى-: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 159]، {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشّورى: 38].

يا رافعًا راية الشّورى وحارسها***جزاك ربك خيرًا عن محبيها
رأى الجماعة لا تشقى البلاد به***رغم الخلاف ورأى الفرد يشقيها


2- الله -تعالى- يؤيد دينه وينصره بجنود من عنده، {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [الفتح: 7]، {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} [المدثر: 31].

3- النّصر مع الصّبر، والفرج مع الكرب، اليسر مع العسر، وكما قيل:
ولربَّ نازلةٍ يضيق بها الفتى***ذرعًا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها***فرجت وكنت أظنها لا تفرج


4- على المسلم أن يأخذ بالأسباب، ويبذل وسعة في ذلك، ثم يسلم الأمر لصحاب الأمر، فجوارحه تعمل وقلبه على الله -تعالى- متوكلٌ، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

5- ليكن هم المسلم نصره دينه بكلِّ ما يستطيع، وبجميع الوسائل، مهما كان موقعه، فربَّ رجلٍ لا يلتفت إليه أو في موقع لا يؤبه به، يخدم الإسلام بما لا مزيد عليه.

اهتزاز عرش الرّحمن لوفاة سعد بن معاذ -رضي الله عنه-.

لقد شهد هذا الشّهر وفاة الصّحابيّ الجليل سعد بن معاذ -رضي الله عنه- متأثرًا بإصابته إبان عزوة الخندق ولقد شهد جنازته سبعون ألف ملك ما وطئوا الأرض قبل، فعن جابر قال: قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم: «اهتز عرش الرَّحمن، لموت سعد بن معاذ» [رواه البخاري 3803 ومسلم 2466].
ومعنى اهتز عرض الرحمن: أي تحرك فرحًا وسرورًا بانتقاله من دار الفناء إلى دار البقاء؛ وأرواح الشّهداء مستقرها تحت العرش في قناديل هناك، أو اهتز استعظامًا لتك الوقعة الّتي أصيب فيها، أو اهتز حملته فرحًا به (التّيسير بشرح الجامع الصّغير).

وما ذلك إلا لمنزلة سعد ومكانته في الإسلام، فهو من الأنصار السَّابقين إلى الإسلام وبإسلامه أسلم عامّة قومه، وشهد المشاهد مع رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- ومواقفه في نصرة دين الله -تعالى- مشهورةٌ معلومةٌ. فليسأل كلّ منَّا نفسه ماذا قدمت لدين الله؟

وفاة بعض أعلام المسلمين

كما شهد هذا الشّهر وفاة بعض أعلام المسلمين من الصّحابة والسّلف فمنهم:
- الصّحابي الجليل عبد الله بن أبي بكر الصَّديق -رضي الله عنه تعالى- عنهما مات في شوَّال سنة 11 هـ.
- أمُّ المؤمنين سودة بت زمعة -رضي الله تعالى عنها- توفيت في شوَّال سنة 54هـ.
- المحدث أبو داوود سليمان بن الأشعث السجستاني، أحد حفاظ الحديث، وهو صاحب كتاب "السّنن" كانت ولادته في سنة 202هـ، وتفي يوم الجمعة منتصف شوَّال سنة 275هـ.
- محمد بن حبان بن أحمد الشّهير بابن حبان؛ مؤرخٌ علامةٌ، جغرافيٌّ، محدثٌ، من مؤلفاته: صحيح ابن حبان، الثّقات، المجروحين، وغيرها توفي في شوَّال سنة 354هـ.

ولادة أمير المؤمنين في الحديث

شهد هذا الشَّهر ولادة أمير المؤمنين في الحديث أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاريّ، صاحب الجامع الصّحيح، الّذي تلقته الأمَّة بالقبول، وهو أصح الكتب بعد كتاب الله -تعالى-.
فقد ولد البخاريّ بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة خلت من شوَّال سنة 194هـ وتوفي ليلة أول شوَّال سنة 256هـ.
رحم الله الإمام البخاري، جزاء ما قدم للإسلام والمسلمين.

فتشبهوا إن لم تكونا مثلهم***إنَّ التّشبّه بالكرام فلاح

وفي الختام:

يقول الله -تعالى-: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشّرح: 7-8].

فعلى المسلم أن يواصل بين بعض العبادات وبعض، وأن لا يخلى وقتًا من أوقاته منها، فإذا فرغ من عبادة أتبعها بأخرى.

فإذا ذهب رمضان بصيام الفريضة، فإنَّ صيام النَّافلة متاحٌ طول العام ولا يزال باب الرّيّان مفتوحًا للصّائمين.

وإذا ذهب رمضان بصلاة التَّراويح، فلا تزال «أفضل الصَّلاة بعد الصَّلاة المكتوبة الصَّلاة في جوف الليل ....» [صحيح مسلم 1163 من حديث أبي هريرة مرفوعًا].

إذا كان رمضان وهو شهر الرّحمة والمغفرة والعتق من النّار قد انقضى، فلا يزال الله -عزّ وجلّ-: «يبسط يده بالليل؛ ليتوب مسيء النَّهار. ويبسط يده بالنَّهار؛ ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشَّمس من مغربه» [صحيح مسلم 2759 من حديث أبي موسى مرفوعًا].

وفي كلِّ ليلةٍ «إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله -تبارك وتعالى- إلى السَّماء الدُّنيا. فيقول: هل من سائلٍ يعطى! هل من داع يستجاب له! هل من مستغفر يغفر له! حتى ينفجر الصبح» [صحيح مسلم 758 من حديث أبي هريرة مرفوعًا].

نسأل الله أن يتقبل منَّا رمضان وأن يوفقنا بعده لصالح الأعمال، إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه. وصلّ اللهمَّ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسلّم.


دولة الكويت
وزارة الأوقاف والشُّئون الإسلاميَّة

ملفات المطوية

اسم الملف تحميل عدد مرات التحميل
شهر شوال وأحداث هامة في تاريخ الأمة 5

اضف تعليقك

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3145 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3488 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3562 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟