نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

المطويات  (  منزلة السنة وبيان أنه لا يستغنى عنها بالقرآن ) 

Post
10-10-2010 2442  زيارة   

لا سبيل إلى فهم القرآن الكريم فهما صحيحا إلا مقرونا بالسنة...

 

الحمدلله، والصّلاة والسَّلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
وبعد:

فهذه محاضرة كنت قد ألقيتها في مدينة الدَّوحة عاصمة قطر في شهر رمضان المبارك عام 1392 هـ، وقد اقترح على بعض الإخوان طبعها لما فيها من فوائد هامّةٍ ولحاجة المسلمين إلى مثلها، واستجابة لطلبهم انشرها تعميمًا للنَّفع بها ومراعاةً للذِّكرى والتَّاريخ وقد أضفنا إليها بعض العناوين التَّفصيلية إعانة للقارئ الكريم على استجماع أفكارها الرئيسيَّة، وأرجو الله -عزّ وجلّ- أن يكتبني في جملة المدافعين عن دينه، والنَّاصرين لشرعه، وأن يثيبني عليه، إنَّه أكرم مسؤول.
دمشق في 22 محرم الحرام 1393هـ

منزلة السُّنَّة في الإسلام وبيان أنَّه لا يستغنى عنها بالقرآن

إنِ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النِّساء: 1]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].

أمَّا بعد فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمَّد، وشرُّ الأمور محدثاتها وكلّ محدثةٍ بدعة وكلّ بدعةٍ ضلالة وكلّ ضلالةٍ في النِّار وبعد:

فإنِّي لأظنُّ أنَّي سوف لا أستطيع أن أقدم إلى هذا الحفل الكريم لاسيما وفيه العلماء الأجلاء والأساتذة الفضلاء، شيئًا من العلم لم يسبق أن أحاطوا به علمًا، فإنِّ صدق ظنِّي فحسبي من كلمتي هذه أن أكون بها مذكرًا، متبعًا لقوله الله -تبارك وتعالى-: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذَّاريات: 55].

إنَّ كلمتي في هذه الليلة المباركة من ليالي شهر رمضان المعظم لم أر أن تكون في بيان شيء من فضائله، وأحكامه وفضل قيامه، ونحو ذلك مما يطرقه فيه عادة الوعاظ والمرشدون، بما ينفع الصَّائمين ويعود عليهم بالخير والبركة، وإنَّما اخترت أن يكون حديثي في بحثٍ هامٍّ جدًّا؛ لأنَّه أصل من أصول الشَّريعة الغراء وهو بيان أهمية السُّنَّة في التَّشريع الإسلاميّ.

وظيفة السُّنَّة مع القرآن

تعلمون جميعًا أنَّ الله -تبارك وتعالى- اصطفى محمّدًا -صلّى الله عليه وسلّم- واختصه برسالته فأنزل عليه كتابه القرآن الكريم، وأمره فيه في جملة ما أمره به أن يبينه للنَّاس، فقال -تعالى-: {وَأَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُـزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النَّحل: 44].
والّذي أراه أن هذا البيان المذكور في هذه الآية الكريمة يشتمل على نوعين من البيان:
الأول: بيان اللفظ ونظمه وهو تبليغ القرآن وعدم كتمانه وأداؤه إلى الأمّة كما أنزله الله -تبارك وتعالى- على قلبه -صلّى الله عليه وسلّم- وهو المراد بقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة: 67]، وقد قالت السَّيِّدة عائشة -رضي الله عنها- في حديث لها: «ومن زعم أن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- كتم شيئًا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية» وتلت الآية الكريمة [رواه البخاري 4612 ومسلم 177، واللفظ لمسلم] وفي رواية المسلم: «ولو كان محمّدٌ -صلّى الله عليه وسلّم- كاتمًا شيئًا ممَّا أنزل عليه لكتم هذه الآية: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} [الأحزاب: 37]» [رواه مسلم 177].

والآخر: بيان معنى اللفظ أو الجملة أو الأية الّذي تحتاج الأمَّة إلى بيانه وأكثر ما يكون ذلك في الآيات المجملة أو العامَّة أو المطلقة فتأتي السُّنَّة فتوضح المجمل، وتخصص العامّ، وتقيد المطلق وذلك يكون بقوله -صلّى الله عليه وسلّم- كما يكون بفعله وإقراره.

ضرورة السُّنَّة لفهم القرآن وأمثلة على ذلك

وقوله -تعالى-: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38].
مثال صالح لذلك، فإنَّ السَّارق فيه مطلق كاليد فبينت السُّنَّة القوليَّة الأولى منهما وقيدته بالسَّارق الّذي يسرق ربع دينار بقوله -صلّى الله عليه وسلّم-: «لا تقطع يد السَّارق إلا في ربع دينار فصاعدا» [أخرجه الشَّيخان]. كما بيَّنت الآخر بفعله -صلّى الله عليه وسلّم- أو فعل أصحابه وإقراره، فإنَّهم كانوا يقطعون يد السَّارق من عند المفصل كما هو معروف في كتب الحديث، بينما بيَّنت السُّنَّة القوليَّة اليد المذكورة في آية التَّيمم: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [المائدة: 6] بأنّها الكف أيضًا بقوله -صلّى الله عليه وسلّم-: «التَّيمم ضربة للوجه و الكفين» [رواه الألباني 694 في السِّلسلة الصَّحيحة وقال: إسناده صحيح على شرط الشَّيخين].

وإليكم بعض الآيات الأخرى الّتي لا يمكن فهمها فهمًا صحيحًا على مراد الله -تعالى- إلا من طريق السُّنَّة:
1- قوله -تعالى-: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82]، فقد فهم أصحاب النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قوله: {بِظُلْمٍ} على عمومه الّذي يشمل كلّ ظلمٍ ولو كان صغيرًا ولذالك استشكلوا الآية فقالوا: «أينا لم يلبس إيمانه بظلمٍ؟ فقال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم: إنَّه ليس بذاك، ألا تسمع إلى قول لقمان لابنه: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]» [أخرجه الشَّيخان وغيرهما].

2- قوله -تعالى-: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النِّساء: 101]، فظاهر هذه الآية يقتضي أن قصر الصَّلاة في السَّفر مشروطٌ له الخوف ولذلك سأل بعض الصَّحابة رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- فقال: ما بالنا نقصر وقد أمنا؟ قال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» [رواه مسلم 686].

3- قوله -تعالى-: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة: 3]، فبينت السُّنَّة القوليَّة أن ميتة الجراد والسَّمك، والكبد والطحال من الدَّم حلال. فقال -صلّى الله عليه وسلّم-: «أحلت لنا ميتتان ودمان: الجراد والحوت (أي السَّمك بجميع أنواعه) والكبد والطحال» [أخرجه البيهقي وغيره مرفوعًا وموقوفًا، وإسناد الموقوف صحيح وهو في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال من قبل الرَّأي].

4- قوله -تعالى-: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْـزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145]. ثم جاءت السُّنَّة فحرمت أشياء لم تذكر في هذه الآية كقوله -صلّى الله عليه وسلّم-: «أن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- نهى عن كل ذي ناب من السِّباع وعن كل ذي مخلبٍ من الطَّير» [رواه مسلم 1934]، وفي الباب أحاديث أخرى في النَّهي عن ذلك. كقوله -صلّى الله عليه وسلّم- يوم خيبر: «أن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- نهى عن متعة النِّساء يوم خيبر. وعن لحوم الحمر الإنسيَّة» [أخرجه الشيخان].

5- قوله -تعالى-: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32]. فبيَّنت السُّنَّة أيضًا أنَّ من الزِّينة ما هو محرمٌ، فقد ثبت عن النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أنه خرج يومًا على أصحابه وفي إحدى يديه حرير، وفي الأخرى ذهب، فقال: «هذان حرامٌ على ذكور أمَّتي حلٌّ لإناثها» [صحَّحه الألباني 90 في صفة الفتوى]. والأحاديث في معناه كثيرة معروفة في الصحيحين وغيرهما. إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة المعروفة لدى أهل العلم بالحديث والفقه.

ومما تقدم يتبيَّن لنا أيُّها الأخوة أهمية السُّنَّة في التَّشريع الإسلاميّ فإنَّنا إذا أعدنا النَّظر في الأمثلة المذكورة فضلًا عن غيرها مما لم نذكر نتيقن أنَّه لا سبيل إلى فهم القرآن الكريم فهمًا صحيحًا إلا مقرونًا بالسُّنَّة.

ففي المثال الأول فهم الصَّحابة (الظُّلم) المذكور في الآية على ظاهرة ومع أنَّهم كانوا -رضي الله عنهم- كما قال ابن مسعود: "أفضل هذه الأمَّة، أبرَّها قلوبًا وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا" فإنَّهم مع ذلك قد أخطؤوا في ذلك الفهم، فلولا أنَّ النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- ردَّهم عن خطئهم وأرشدهم على أنَّ الصَّواب في (الظٌّلم) المذكور إنَّما هو الشِّرك لاتبعناهم على خطئهم، ولكن الله -تبارك وتعالى- صاننا عن ذلك بفضل إرشاده -صلّى الله عليه وسلّم- وسنَّته.

وفي المثال الثَّاني لولا الحديث المذكور لبقينا شاكين على الأقل في قصر الصَّلاة في السَّفر في حالة الأمن. إن لم نذهب إلى اشتراط الخوف فيه كما هو ظاهر الآية. وكما تبادر ذلك لبعض الصَّحابة لولا أنهم رأوا رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يقصر، ويقصرون معه وقد أمنوا.

وفي المثال الثّالث لولا الحديث أيضًا لحرمنا طيبات أحلَّت لنا الجراد والسَّمك والكبد والطُّحال.

وفي المثال الرَّابع: لولا الأحاديث الّتي ذكرنا فيها بعضها لاستحللنا ما حرَّم الله علينا على لسان نبيِّه -صلّى الله عليه وسلّم- من السِّباع وذوي المخلب من الطَّير.

وكذلك المثال الخامس لولا الأحاديث الّتي فيه لاستحللنا ما حرَّم الله على لسان نبيِّه من الذَّهب والحرير. ومن هنا قال بعض السَّلف السُّنَّة تقضي على الكتاب.

ضلال المستغنين بالقرآن عن السُّنَّة

ومن المؤسف أنَّه قد وجد في بعض المفسرين والكتاب المعاصرين من ذهبٍ إلى جواز ما ذكر في المثالين الأخيرين من إباحة أكل السِّباع ولبس الذَّهب والحرير اعتمادًا على القرآن فقط، بل وجد في الوقت الحاضر طائفة يتسمون بـ(القرآنيين) يفسرون القرآن بأهوائهم وعقولهم، دون الاستعانة على ذلك بالسُّنَّة الصَّحيحة، بل السُّنَّة عندهم تبع لأهوائهم فما وافقهم منها تشبثوا به، وما لم يوافقهم منها نبذوه وراءهم ظهريًّا وكان النبي -صلّى الله عليه وسلّم- قد أشار على هؤلاء بقوله في الحديث الصَّحيح: «لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري ممَّا أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» [رواه أبو داود 4605 والتِّرمذي 2663 وابن ماجه 13 وصحَّحه الألباني]، وفي رواية لغيره: «ما وجدنا فيه حرامًا حرمناه، ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه» [صحَّحه الألباني 10 في منزلة السُّنَّة]، وفي أخرى: «ألا إن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله» [صحَّحه الألباني 77 في تحذير المساجد].

بل إنَّ من المؤسف أنَّ بعض الكتاب الأفاضل ألف كتاباً في شريعة الإسلام وعقيدته وذكر في مقدمته أنَّه ألفه وليس لديه من المراجع إلا القرآن!
فهذا الحديث الصَّحيح يدل دلالة قاطعة على أنَّ الشَّريعة الإسلاميَّة ليست قرآنًا فقط، وإنَّما هي قرآنٌ وسنَّةٌ فمن تمسك بأحدهما دون الآخر لم يتمسك بأحدهما؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهما يأمر بالتَّمسك بالآخر كما قال -تعالى-: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النِّساء: 80]، وقال: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النِّساء: 65]، وقال: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا} [الأحزاب: 36]، وقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وبمناسبة هذه الآية يعجبني ما ثبت عن ابن مسعود -رضي الله عنه-، وهو أنَّ امرأةً جاءت إليه فقالتله: أنت الذي تقول: لعن الله النامصات والمتنمصات والواشمات.. الحديث؟ قال: نعم، قالت: فإني قرأت كتاب الله من أوله إلى آخره، فلم أجد فيه ما تقول! فقال لها: إن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، أما قرأت {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]، قالت: بلى قال: فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لعن الله النَّامصات» الحديث [متفقٌ عليه].

عدم كفاية اللغة لفهم القرآن

ومما سبق يبدو واضحًا أنَّه لا مجال لأحدٍ مهما كان عالمًا باللغة العربية وآدابها أن يفهم القرآن الكريم، دون الاستعانة على ذلك بسنَّة النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- القوليَّة والفعليَّة، فإنه لن يكون أعلم في اللغة من أصحاب النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- الّذين نزل القرآن بلغتهم، ولم تكن قد شابتها لوثة العجمة والعامية واللحن، ومع ذلك فإنَّهم غلطوا في فهم الآيات السَّابقة حين اعتمدوا على لغتهم فقط.

وعليه فمن البديهيّ أنَّ المرء كلمَّا كان عالمًا بالسُّنَّة، كان أحرى بفهم القرآن واستنباط الأحكام منه، ممن هو جاهلٌ بها فكيف بمن هو غير معتدٍ بها ولا ملتفتٍ إليها أصلًا؟
ولذلك كان من القواعد المتفق عليها بين أهل العلم أن يفسر القرآن بالقرآن والسُّنَّة (لم نقل كما هو شائع لدي كثير من أهل العلم: يفسر القرآن بالقرآن ثمَّ إن لم يكن ثمة سنَّة، ثمَّ بالسُّنَّة، لما سيأتي بيانه في آخر هذه الرِّسالة عند الكلام على حديث معاذ بن جبل -رضي الله عنه-) ثمَّ بأقوال الصَّحابة... الخ.

ومن هنا يتبّين لنا سبب ضلال علماء الكلام قديمًا وحديثًا ومخالفتهم للسَّلف -رضي الله عنهم- في عقائدهم فضلًا عن أحكامهم، وهو بعدهم عن السُّنَّة والمعرفة بها وتحكيمهم عقولهم وأهواءهم في آيات الصِّفات وغيرها وما أحسن ما جاء في (شرح العقيدة الطَّحاوية (ص 212. الطَّبعة الرَّابعة):
"وكيف يتكلم في أصول الدِّين من لا يتلقاه من الكتاب والسُّنَّة وإنِّما يتلقاه من قول فلان؟ وإذا زعم أنَّه يأخذه من كتاب الله، لا يتلقى تفسير كتاب الله من أحاديث الرَّسول، ولا ينظر فيها ولا فيما قال الصَّحابة والتَّابعون لهم بإحسانٍ، المنقول إلينا عن الثِّقات الّذين تخيرهم النُّقاد، فإنَّهم لم ينقلوا نظم القرآن وحده بل نقلوا نظمه ومعناه، ولا كانوا يتعلمون القرآن كما يتعلم الصِّبيان، بل يتعلمونه بمعانيه، ومن لا يسلك سبيلهم فإنَّما يتكلم برأيه، ومن يتكلم برأيه، وبما يظنُّه دين الله، ولم يتلق ذلك من الكتاب فهو مأثوم (!) وإن أصاب ومن أخذ من الكتاب والسُّنَّة فهو مأجورٌ وإن أخطأ، لكن إن أصاب يضاعف أجره" ثمَّ قال (ص217):
"فالواجب كمال التَّسليم للرَّسول -صلّى الله عليه وسلّم- والانقياد لأمره، وتلقى خبره بالقبول والتَّصديق دون أن نعارضه بخيالٍ باطلٍ نسميه معقولًا، أو نحمله شبهةً أوشكًّا أو نقدم عليه آراء الرِّجال وزبالة أذهانهم فنوحده -صلّى الله عليه وسلّم- بالتَّحكيم والتَّسليم والانقياد والإذعان، كما نوحد المرسل -سبحانه وتعالى- بالعبادة والخضوع والذِّل والإنابة والتَّوكل".

وجملة القول: أنَّ الواجب على المسلمين جميعًا أن لا يفرقوا بين القرآن والسُّنَّة، من حيث وجوب الأخذ بهما كليهما وإقامة التَّشريع عليهما معًا، فإنَّ هذا هو الضَّمان لهم أن لا يميلوا يمينًا ويسارًا، وأن لا يرجعوا القهقري ضلالًا، كما أفصح عن هذا رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بقوله: «تركت فيكم أمرين؛ لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنَّتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض» [رواه مالك بلاغًا، حسنه الألباني 13 منزلة السُّنَّة].

تنبيهٌ هامٌّ

ومن البديهي بعد هذا أن أقول:
إنَّ السُّنَّة الّتي لها هذه الأهمية في التَّشريع إنَّما هي السُّنة الثَّابتة عن النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- بالطُّرق العلميَّة والأسانيد الصَّحيحة المعروفة عند أهل العلم بالحديث ورجاله، وليست هي الّتي في بطون مختلف الكتب من التَّفسير والفقه، والتَّرغيب والتَّرهيب والرَّقائق والمواعظ وغيرها فإنَّ فيها كثيرًا من الأحاديث الضَّعيفة والمنكرة والموضوعة، وبعضها مما يتبرأ منه الإسلام مثل حديث هاروت وماروت وقصة الغرانيق، ولي رسالة خاصة في إبطالها وهي مطبوعة، وقد خرجت طائفةٌ كبيرةٌ منها في كتابي الضَّخم (سلسلة الأحاديث الضَّعيفة والموضوعة وأثرها السّيئ في الأمَّة) وقد بلغ عددها حتَّى الآن قرابة أربعة آلاف حديثًا وهي ما بين ضعيف وموضوع، وقد طبع منها خمس مئة فقط!

فالواجب على أهل العلم، لاسيما الّذين ينشرون على النَّاس فقههم وفتاويهم أن لا يتجرءوا على الاحتجاج بالحديث إلا بعد التَّأكد من ثبوته، فإن كتب الفقه الّتي يرجعون إليها عادةً مملوءة بالأحاديث الواهية المنكرة وما لا أصل له كما هو معروف عند العلماء.

وقد كنت بدأت مشروعًا عامًّا في نظري وهو نافعًا جدًّا للمشتغلين بالفقه سميته (الأحاديث الضعيفة والموضوعة في أمهات الكتب الفقهيَّة) واعني بها:
1- الهداية للمرغيناني في الفقه الحنفيّ.
2- المدونة لابن القاسم في الفقه المالكيّ.
3- شرح الوجيز للرّافعيّ في الفقه الشافعيّ.
4- المغني لابن قدامة في الفقه الحنبليّ.
5- بداية المجتهد لابن رشد الأندلسيّ في الفقه المقارن.
ولكن لم يتح لي إتمامه -مع الأسف-؛لأنَّ مجلة (الوعي الإسلاميّ) الكويتيَّة الّتي وعدت بنشره ورحبت به، حين اطلعت عليه لم تنشره.

وإذ فأتني ذلك، فعلى أوفق في مناسبة أخرى إن شاء الله -تعالى- إلى أن أضع لإخواني المشتغلين بالفقه منهجًا علميًّا دقيقًا يساعدهم، ويسهل لهم طريق معرفة درجة الحديث بالرُّجوع إلى المصادر الّتي لابد من الرُّجوع إليها من كتب الحديث وبيان خواصها ومزاياها، وما يمكن الاعتماد عليه منها، والله تعالى وليّ التَّوفيق.

ضعف حديث معاذ في الرَّأي وما يستنكر منه

وقبل أن أنهي كلمتي هذه أرى لابد لي من أن ألفت انتباه الأخوة الحاضرين إلى حديثٍ مشهورٍ، وقلما يخلو منه كتابٌ من كتب أصول الفقه، لضعفه من حيث إسناده ولتعارضه مع ما انتهينا إليه في هذه الكلمة من عدم جواز التَّفريق في التَّشريع بين الكتاب والسُّنَّة ووجوب الأخذ بهما معًا، ألا وهو حديث معاذ بن جبل -رضي الله عنه- أنَّ النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قال له حين أرسله إلى اليمن: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنَّة رسول الله، قال: فإن لم تجد في سنَّة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- على صدره ، وقال: الحمد لله الّذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله» [ضعفه الألباني 3664 في تحريج مشكاة المصابيح].


أما ضعف إسناده فلا مجال لبيانه الآن، وقد بينت ذلك: بيانًا شافيًا ربما لم أسبق إليه في السِّلسلة السَّابقة الذِّكر، وحسبي الآن أن أذكر أن أمير المؤمنين في الحديث ألإمام البخاري -رحمه الله تعالى- قال فيه: "حديثٌ منكرٌ" وبعد هذا يجوز لي أن أشرع في بيان التَّعارض الّذي أشرت إليه فأقول:
إنَّ حديث معاذ هذا يضع للحاكم منهجًا في الحكم على ثلاث مراحل لا يجوز أن يبحث عن الحكم في الرَّأي إلا بعد أن لا يجده في السُّنَّة ولا في السُّنَّة إلا بعد أن لا يجده في القرآن. وهو بالنِّسبة للرَّأي منهجٌ صحيحٌ لدى كافة العلماء، وكذلك قالوا: إذا ورد الأثر بطل النَّظر. ولكنَّه بالنِّسبة للسُّنَّة ليس صحيحًا؛ لأنَّ السُّنَّة حاكمةٌ على كتاب الله ومبيِّنةٌ له، فيجب أن يبحث عن الحكم في السُّنَّة ولو ظنَّ وجوده في الكتاب لما ذكرنا، فليست السُنَّة مع القرآن كالرَّأي مع السُّنَّة، كلا ثمَّ كلا ثمَّ كلا، بل يجب اعتبار الكتاب والسُّنَّة مصدرًا واحدًا لا فصل بينهما أبدا كما أشار إلى ذلك قوله -صلّى الله عليه وسلّم-: «ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه» [صحَّحه الألباني 10 في منزلة السُّنَّة] يعني السُّنَّة، وقوله: «ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض» [حسنه الألباني 13 منزلة السُّنَّة].

فالتَّصنيف المذكور بينهما غير صحيح؛ لأنَّه يقتضي التَّفريق بينهما وهذا باطل لما سبق بيانه.
فهذا هو الّذي أردت أن أنبه إليه، فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي، والله -تعالى- أسأل أن يعصمنا وإيَّاكم من الزَّلل ومن كل ما لا يرضيه. وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربّ العالمين.


تأليف
محمد ناصر الدِّين الألباني -رحمه الله-
جمعية إحياء التُّراث الإسلام
يّ

ملفات المطوية

اسم الملف تحميل عدد مرات التحميل
منزلة السنة وبيان أنه لا يستغنى عنها بالقرآن 1

اضف تعليقك

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3144 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3483 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3560 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟