نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

المطويات  (  رمضان.. الحبيب المفارق ) 

Post
3-10-2010 2358  زيارة   

وإن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا رمضان لمحزونون، فأحسن الله عزائكم، وجبر مصابكم، وتقبل منا ومنكم ..

 

إنَّ الحمد لله، نحمده سبحانه استتمامًا لنعمته، واستسلامًا لعزته، واستعصامًا من معصيته، إنَّه لا يضل من هداه، ولا يَذِلُّ من عداه، ولا يَفْرَقُ من كفاه.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نتمسك بها أبدًا ما أبقانا، وندَّخرها لأهاويل ما يلقانا، فإنَّها عزيمةُ الإيمان، وفاتحة الإحسان، ومرضاة الرَّحمن، ومدجرة الشَّيطان.. وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، أرسله بالدِّين المشهور، والعلم المأثور، والكتاب المسطور، والتَّوحيد الخالص.
صلوات ربّي وسلامه عليه، وعلى آله الأتقياء البررة، وصحبه الأوفياء، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.
أمَّا بعد،،

فأوصيكم أيُّها النَّاس ونفسي بتقوى الله -عزّ وجلّ-، فإنَّها مفتاحُ سداد، وذخير ة معاد، وعتقٌ من كلِّ ملكة، ونجاةٌ من كلِّ هلكة، بها ينجح الطَّالب، وينجو الهارب، فاعملوا فإنَّ العمل يرفع، والتَّوبة تنفع، والدُّعاء يسمع، وبادروا بالأعمال، عمرًا ناكسًا، ومرضًا حابسًا أو موتًا خالسًا، فإنَّ الموت هادم لذَّاتكم، يوشك أن تغشاكم دواجي ظلله، واحتدام علله، فإن كان قد أتاكم بغتةً، فأسكت نَجيَّكم، وفرَّق نَدِيَّكم، وعفَى آثاركم، وعطَّل دياركم، وبعث وراثكم يقتسمون تراثكم، بين حميمٍ خاصٍّ لم ينفع، وقريبٍ محزونٍ لم يمنع، وآخر شامتٍ لم يجزع، ألا وإن عليكم رُصَّدًا يحفظون أعمالكم، وعَدَدَ أنفاسكم، لا تسترُكم منهم ظلمة ليلٍ داجٍ، ولا يُكنُّكم منهم باب ذو رتاجٍ، وإنَّ غدًا كمن اليوم لقريب: {إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان: 33].

عباد الله: إنَّ الأيام تمر مرَّ السَّحاب، عشيةٌ تمضي، وتأتى بُكرة، وحسابٌ يأتي على مثقال الذَّرة، وإنَّ في كرِّ الأيام والليالي لعبرة، وقد قال بعض الحكماء: "إنَّ السَّنة شجرة، والشُّهور فروعها، والأيام أغصانها، والسَّاعات أوراقها، والأنفاس ثمرها، فمن كانت أنفاسُه في طاعة الله فثمرةُ شجرته طيبة، ومن كانت معصية فثمرته حنظل، وإنَّما يكون الجذاذُ يوم الحصاد، لعند الجذاذ يتبيَّنٌ حلو الثمار من مرِّها".

إن النَّاس منذ خلقوا لم يزالوا مسافرين، وليس لهم حظٌّ عن رحالهم إلا بالجنَّة أو النَّار، وإنَّ الزَّمن يجرى بسرعةٍ عجيبةٍ، فهو دائبُ الحركة ليلًا ونهارًا؛ مؤكدًا أنَّ تقارب الزَّمان من أشراط السَّاعة، كما صحَّ بذلكم الخبر عن المصطفى -صلّى الله عليه وسلّم-.

يتساءل النَّاس من كان منهم بلغ العشرين من عمره أو الثلاثين -أو أقل أو أكثر- عن تلك الأيام الّتي عاشها، والليالي الّتي قضاها، ولا ينفك يراها ماضيًا تركه خلفه، لن يعودَ له مرَّةً أخرى، يشعر النَّاس جميعًا بذلك صغيرهم وكبيرهم، برُّهم وفاجرهم: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ} [المؤمنون: 112-113]، ولقد صدق رسول الله صلوات ربّي وسلامه عليه -بأبي هو وأمِّي- حيث قال: «اغتنم خمسًا قبل خمسٍ: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، و فراغك قبل شُغلك، وشبابك قبل هرمِك، و غناك قبل فقرِك» [صحَّحه الألباني 1077 في صحيح الجامع].

إنَّ هذا الحديث المنبعث من مشكاة النُّبوَّة، يمثل حياة الإنسان بإنَّها حبلٌ ممدودٌ لا يدرى متى ينقطع، ولأجل ذا كان لزامًا على المؤمن ألا يلتفت إلى الماضي؛ لينفجَعَ عليه فيقْنَط، أو يحزن عليه فيكسل، ولا يتلهف إلى المستقبل، يريد أن يعرفه قبل آوانه، ومن كانت هذه خلته فهو سلطانٌ ولو عاش فى زيِّ المملوكين، وجعلته بداهة يحسُّ بأنَّه ليس بينه وبين عظماء الدُّنيا إلا يومٌ واحدٌ، أمَّا أمس فلا يجدون لذَّته، ولا يجد هو شدَّته، وأما الغد فإنَّه وإيَّاهم منه على خطرٍ، والموت مُوتِرٌ قوسَه، لا تُخطئ سهامُه ولا توسى جراحه، وما هو إلا اليوم فما عسى أن يكون.. فما مضى فات، والمؤمل غيب وما له إلا السَّاعة الّتي هو فيها، ولن يستطيع رد الأمس فى اليوم الجديد {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ} [الرُّوم: 55]، {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} [يونس: 45]، {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} [النَّازعات: 46].

إنَّ الزَّمن -عباد الله- فرصةُ كبرى لإيقاظ ذوى الفَطِن لفعل الخير، والتَّوبة النَّصوح، وإسداء المعروف، وترك ما يشين {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: 62].

إنَّ الاتعاظ بالزَّمن، ودراسة التّأريخ العامّ، وتتبُّع آيات الله في الآفاق، وتدبر أحوال الأمم كيف تقوم وكيف تفنى، كيف تكون ذاتَ عزٍّ يطال الثُّريا رفعةً وثناءً، حتى سرى في جسدها داء التَّواكل، ودبَّ في نفوس بنيها التَّخاذل فتنحدر الى الهاوية انحدار جلمود صخر حطَّه السَّيل من علٍّ.

إنَّ التَّطوافَ المتمحص هنا وهناك يعود بثروةٍ طائلةٍ من العبر والعظات، تزيد العبد معرفة بربَّه، ويقينًا بقدرته وعظمته، وأن من يعش يكبر، ومن يكبر يمت، والمنايا لا تبالى ما أتت، وكل إجتماع فإلى افتراق، والدَّهر ذو فتحٍ وذو إغلاقٍ، وكم من أمَّةٍ سوف يكون غيرها، وسوف يفنى شرُّها وخيرها.

وإلا فأين ثمود الّذين جابو الصّخر بالواد؟ وأين فرعون ذو الأوتاد الّذين طغوا فى البلاد؟ أين عادٌ أرم ذات العماد الّتي لم يخلق مثلها فى البلاد؟ أين أبرهة؟ أين قارون؟ أين الأكاسرة؟ أين القياصرة؟ أين الجبابرة والصَّناديد الأبطال؟
طوتهم الأرض بعد حين، فافترشوا التَّراب، والتحفوا بالثَّرى، وأصبحوا خبرًا بعد عينٍ، وأثرًا بعد ذات!!

ألا وكأنَّنا في هذا البيت المبارك نتذكر إبراهيم وابنه إسماعيل -عليهما السَّلام- يرفعان القواعد من البيت، وكأنّنا برسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يدخل البيت الحرام تعلوه السَّكينة وهو يردد {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81].

ألا فأعلموا -عباد الله- أنَّ الزَّمان سيدور دورته، وأنَّه يأتي على هذا البيت العتيق الشَّامخ زمانٌ يُقتلع بناؤه حجرًا حجرًا، يصفُه رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بقوله: «يخرب الكعبة ذو السّويقتين من الحبشة» [رواه البخاري 1591] «كأني به أسود أفحج، يقلعها حجرًا حجرًا» [رواه البخاري 1595].

ففي هذا الحديث -عباد الله- إيذانٌ بانتهاء الحياة الفانية، والوقوف أمام فاطر السّماوات والأرض جميعًا، حفاةً عراةً غرلًا، ما منَّا أحدٌ إلا سيكلمه ربُّه كفاحًا دون ترجمان، لا يُستثنى منَّا صغيرٌ ولا كبيرٌ، ولا أميرٌ ولا وزيرٌ، ولا حرٌّ ولا عبدٌ، ولا ظالمٌ ولا مظلومٌ..

نعم سنقف جميعًا -وربِّ الكعبة- {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 94]، سنقف جميعًا -عباد الله- أمام الملك الجبار.. فهل انتبهت لذلك أيُّها الظَّالم، ألا ترعوي وترفع الظُّلم عمن ظلمت قبل ألا ينفع دينار ولا درهم. تُب الى ربك قبل أن يدركك الأجل.

نعم أيُّها المسلمون سنقف جميعًا أمام الجبار -جلّ وعلا-، فهل تنبهت لذلك أيُّها الغاشّ، وأنت أيها المخادع.

نعم سنقف جميعًا أمام الواحد الأحد، فهلا انتشلتَ نفسك أيُّها المعجب بوظيفتك الزَّاهي بوسامك، ماذا تشعر به من ذلك كلّه، إذا تجردت وخليت بنفسك، ألست تكون أنت وعراة الفقر سواء.

نعم -عباد الله- سنقف أمام الخالق جميعًا..
فهلا أدركت نفسك أيَّتها الفتاة المسلمة؟ أين أنت من هذا الموقف العظيم؟ أين أنت من هوله وطوله؟
أين أنت يوم تنكشفُ عورتُك وتُنشر صحفك؟ ألا تتوبين الى الله؟ أما تُقلعين عن معصية الله وعن إغواء عباد الله؟ بمفاتنك وإبداء حوجبك المزجَّجَة وعيونك المكحلة؟ حيث تفعلان بالألباب كما تفعل الخمر، وعطرك الّذي يشدُّ حاسة الشَّم من بعيدٍ، فتحركين جانب الفجور في الرِّجال، وتُشعلين كوامن الشَّهوة لديهم، فتَتَّقِد كالنَّار المتأجِّجَة في الصّدر، وتمتدُّ بالتَّالي سريانًا كاللهيب إلى كلِّ جارحةٍ من جوارح الرَّجل.

ألا تتذكرين نار جهنَّم؟ ألا تفْقَهين قول المصطفى: «واطلعت في النَّار فرأيت أكثر أهلها النِّساء» [متفقٌ عليه].

نعم -عباد الله- سنقف جميعًا أمام ربّنا وخلقنا ومولانا فى يوم كان مقدارهُ ألف سنة، يوم الزَّلزلة والغاشية والقارعة، ويوم الحاقَّة والدِّين، وما أدراك ما يوم الدِّين؟!

عباد الله إنَّ شهر رمضان قد أوشك إتمامه، وإسدال ستاره قاب قوسين أو أدنى، بعد أن ظلَّ المسلمون تسعة وعشرين يومًا منه ينالون من نفحات ربِّهم، فما أسرع ما انقضت الأيام، وتلاشت الذِّكريات، وكأنَّها أوراق الخريف عصفت بها ريح القدر.

شهر رمضان! أين هو شهر رمضان؟ ألم يكن بين أيدينا؟ ألم يكن ملء أسماعنا وملء أبصارنا؟ لم يكن إلا طرفة عينٍ، حتى انقضى موسم التَّقوى، وبلابل الرُّوح قد هدا تغريدها وإلى الله المصير.

فيا أيُّها المذنب: يا أيُّها المذنب بدِّل اهتمامك لك باهتمامك بك، وأسرق منك لك، فالعمر قليلٌ، تظلَّم الى ربِّك منك، واستنصر خالقك عليك، أترومُ حصادًا في هذا الشَّهر المبارك وأنت لم تبذُرْ بعد؟

{وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النَّازعات: 40-41]، هل التفت الى نفسك أيُّها المذنب، وتفكرت في خطايا لو عوقبت ببعضها لهلكتَ سريعًا، ولو كشف للنَّاس بعضها لاستحييت من قبحها وشناعتها، أم لو كانت للذِّنوب روائحُ لما جلس أحد منَّا في هذا المسجد، فأفٍّ ثم أفٍّ لنفسٍ مريضةٍ انسلخ عنها شهر رمضان، وما انسلخت عن قبيح عاداتها.
ألا وإن قلة التَّوفيق من قلة الإعتراف بالذَّنب.

ورحم الله ابن سيرين فقد حمِّل دينًا فسئل فقال: "إنِّي لأعرف الذّنب الّذي حُمِل عليَّ به الدَّين ما هو! قلت لرجلٍ منذ أربعين سنة.. يا مفلسُ!!".

الله أكبر ولا إله إلا الله.. أيُّها المسلمون.. قلت قلت ذنوبهم فعرفوا من أين يُؤتون، وكثرت ذنوبنا فليس ندري من أين نُؤتى؟! والجزاء من جنس العمل، أولئك قوم جعلوا رضاء الله فوق أهوائهم، فأذعنوا لكلّ صغيرةٍ وكبيرةٍ وسلموا تسليمًا.

لقد كان الرَّاعى أشدَّ منهم حنانًا على من يرعى الأم بولدها، وكان العالمُ منهم لا يألو جهدًا في إرشاد العامَّة إلى منهاج الحقِّ، معذرةً إلى الله، وكانت المرأة فيهم.. عفة الفؤاد، طاهرة الذَّيل، حُرَّةً لا تزني.
أولئك قوم كانت الدُّنيا عندهم وديعةً حتَّى ردُّوها إلى من ائتَمَنَهم عليها.

ألا أن حمد الدٌّنيا ذمَّ الآخرة! وليس يكره لقاء الله إلا مقيمٌ على سخطه.

ورضي الله عن ابن مسعود حيث قال: "زاهدكم راغبٌ، ومجتهدكم مقصِّرٌ، وعالمُكُم جاهلٌ".

فيا مؤخرًا توبته بمطْلِ التَّسويف: لأيِّ يومٍ أجَّلت توبتك؟..كنت تقول: إذا شبتُ توبتُ، وإذا دخل رمضان أنبتُ.

فهذه أيام رمضان عناقيد انقضت، كنت فى كل يوم منه تضع قاعدة الإنابة لنفسك ولكن على شفا جرف هار.. ويحك! تعطَّر بالتَّوبة والإستغفار فقد أزكمتك روائح الذُّنوب، ولا تقنع فى توبتك إلا بمكابدة حزن يعقوب أو بصبر يوسف عن الهوى، فإن لم تطق فبذُلِّ إخوته يوم أن قالوا: {إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} [يوسف: 97]، ثمَّ اعلم يرعاك الله أنَّ التائب من الذَّنب إذا صدق فى توبته أحبه الله وأحياه {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام: 122]، ألا إن من خاف الله، أخاف الله منه كلِّ شيءٍ، ومن خاف النَّاس أخافه الله من كلِّ شيءٍ.

وهكذا أيُّها المسلمون تنطوي صحيفة رمضان، وتُقوَّضُ سوقٌ كانت عامرةً بالخيرات والحسنات، ربح فيها من ربح، وخسر فيها من خسر، وحُرِم من حُرِم، على تفاوت كبير فى درجات الرِّبح أو الخسران أو الحرمان وما لنا إلا الصَّبر على ألم فراقه، ونودِّعه وأشواقنا لم تزل، ودموعنا فى المآقي، والغصَّة فى الحلوق جارحة، وأعيننا لانصرامه في أرق، وإن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنَّا على فراقك يا رمضان لمحزونون، فأحسن الله عزائكم، وجبر مُصابكم، وتقبَّل منَّا ومنكم..

فاتَّقوا الله معاشر المسلمين واعلموا أنَّ للمسلمين في عامهم عيدين لا ثالث لهما، حكمًا شرعيًّا، ومن جهة المعنى والواقع، فإنَّ كلّ يومٍ لا يَعصِي فيه العبد ربّه فهو عيد كما قال عليٌّ بن أبي طالب.

والعيد عباد الله
مسرحٌ للاستئناس البريء، والبعيد عن الصّخب والعطب.

بيتًا ومجتمعًا وإعلامًا، وإنَّه متى تجاوز النَّاس حدود الله في أعيادهم، من لهوٍ محرّمٍ وطربٍ ومعازفَ، فما قدروا الله حق قدره وما شكروه على آلائه.. ولقد رأى أحد السَّلف قومًا يعبثون فى يوم عيدٍ بما لا يرضى الله.. فقال: "إن كان هؤلاء تُقُبِّل منهم صيامهم.. فما هذا فعل الشَّاكرين! وإن كانوا لم يُتَقَبَّل منهم ..فما هذا فِعلِ الخائفين!!".

عجبًا لأمثال هؤلاء!! نهارهم فى دجنة، وليلهم جهوريّ، ألذّ ما عندهم سَمَر العشاق أو شغل المشغولين بالفراغ.. عبادتهم نزرٌ! وغِوَايتهم غمرٌ! لا يعلمون أيّ ميزة لصيام الستِّ من شوالَ، أو آخر ساعة من يوم الجمعة أو ثلث الليل الأخير، ويكادون يفتقدون القشعريرة الّتي تُستمطر بها بركات السَّماء.

قُبيْل العيد يعقدون الجلسات غير المباركات عن معاقد العزم، فى شدِّ الرِّحال في إجازة العيد إلى مجارى الأنهار، وشواطئ البحار في بلاد الكفار أو بلاد تشبهها، في رحلاتٍ عابثةٍ، أدنى سوءها الإسراف والتَّبذير، ناهيكم عمَّا يشاهد هناك من محرماتٍ ومخازٍ، تحلِق الدِّين لا تحلق الشَّعر، ولقد صدق رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- في قوله: «أنا بريءٌ من كلِّ مسلمٍ يقيم بين أظهر المشركين، قالوا يا رسول الله: ولم؟ قال: لا تراءى ناراهما» [رواه أبو داود 2645 والتِّرمذي 1604 وصحَّحه الألباني].

فاتَّقوا الله عباد الله واعلموا أنَّ الله قد فرض عليكم صدقة الفطر على الذَّكر والأنثى، والحرِّ والعبد، والصَّغير والكبير صاعًا من برٍّ أو أقطٍ أو تمرٍ أو زبيبٍ أو شعيرٍ، وإنَّ بعض النَّاس هداهم الله يؤدون زكاة الفطر من النُّقود، ألا فليعلموا أن القيمة لا تجزئُ فى زكاة الفطر على الصَّحيح.

ولقد كان رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يؤديها قبل خروجه لصلاة العيد، وكان الصّحابة -رضي الله عنهم- يؤدونها قبل العيد بيوم أو يومين. ألا فاخرجو- رحمكم الله - طيبةً بها نفوسكم، راضيةً بها أحوالكم.. وصلُّوا -رحمكم الله- على خير البريَّة وأزكى البشريَّة: محمّد بن عبدالله بن عبدالمطلب، صاحب الحوض والشَّفاعة، فقد أمركم الله بذلك فى قوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].

وصلّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.

لفضيلة الشَّيخ الدُّكتور/ سعود بن إبراهيم الشّريم
إمام وخطيب المسجد الحرام

 

ملفات المطوية

اسم الملف تحميل عدد مرات التحميل
رمضان.. الحبيب المفارق 2
تصميم جديد بتنفيذ وذكر 2

اضف تعليقك

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3141 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3477 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3554 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟