نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

المطويات  (  الإفراط في النشيد ) 

Post
1-10-2010 2379  زيارة   

وقال ابن الجوزي ـ في نقده الصوفية ـ: (وقد نشب حبّ السماع بقلوب خلق منهم، فآثروه على قراءة القرآن، ورقت قلوبهم عنده مما لا ترق عند القرآن، وما ذاك إلا لتمكن هوى باطن تمكن منه، وغلبة طبع...)

 

الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله وسلم على نبيّنا محمّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، أمّا بعد:

يُحكى أنَّ مُغنيًا عزمَ على التَّوبة، فقيل له: عليك بصُحبة الصُّوفيَّة، فإنَّهم يعملون على إرادة الآخرة، والزُّهد في الدّنيا، فصحبهم، فصاروا يستعملونه في السّماع والإنشاد، ولا تكاد التّوبة تنتهي إليه لتزاحمهم عليه، فترك ذاك المغني صحبتهم، وقال: أنا كنتُ تائباً ولا أدري (انظر الكلام على مسألة السّماع ص 342).

هذه واقعةٌ سطّرها يراع ابن القيم -رحمه الله-، وهي تذكّرنا بالإغراق والمبالغة في النّشيد هذه الأيام، والّذي استحوذ على فئام من أهل النّشيد، حتَّى أفضى الأمر عند بعضهم إلى محاكاة الغناء الماجن.

فصاحَب بعض الإنشاد التكسّرُ والتّأوه في الإلقاء، ومشابهة لحون الغناء المتهتك، واعتناء بعض المنشدين بجمال الصّورة، وتنميق المظهر، وحلق شعر الوجه؛ بل أفضى الأمر إلى استعمال المعازف في ذاك النّشيد المتفلت، ويضاف إلى ذلك تقنيات الصّوت ومؤثراته، والّتي جعلت الأسماع لا تكاد تميّز بين غناء المجون وهذا النّشيد.

وقد ألمح ابن الجوزي إلى ذلك وحذّر من مغبة هذا الصّنيع فقال: "ولمَّا يَئِسَ إبليس، أنْ يسمع من المتعبدين شيئًا من الأصوات المُحرَّمة كالعُود، نظر إلى المعنى الحاصل بالعود، فدرجه في ضمن الغِناء بغير العود وحسّنه لهم، وإنّما مراده التّدريج من شيءٍ إلى شيءٍ. والفقيه من نظر في الأسباب والنّتائج، وتأمّل المقاصد" (تلبيس إبليس ص 249).

- والانهماك في هذه الأناشيد يورث عاطفةً وانفعالًا عند بعض النّاس، لكن دون بصيرةٍ أو فقهٍ، فهو يحِّرك المشاعر، ويُؤجج العواطف. وقد استحوذ على الصّوفية سماع القصائد فقلّ علمهم وعزّ فقههم، حتى قال سفيان الثّوري: "أعزّ الخلق خمسة أنفس -وذكر منهم-: فقيهٌ صوفيٌّ" (مدراج السّالكين 2/330).

- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا غلب على منحرفة المتصوفة الإعتياض بسماع القصائد عن سماع القرآن، فإنَّه يُعطيهم حركة حبّ من غير أن يكون ذلك تابعًا لعلمٍ وتصديقٍ.. وله تأثيرٌ من جهة التَّحريك والإزعَاج لا من جِهة العلم" (مجموع الفتاوى 2/42).

فالأجيال العاكفة على سماع النَّشيد لا تنال بذلك فقهًا، ولا تحقق علمًا بدين الله -تعالى-، وإنّما هو ترنّمٌ وتواجدٌ، وانفعالٌ عاطفيٌّ.

- والولع بسماع النّشيد يزهّد في سماع القرآن العظيم، "ولِذا تجد مَنْ أكثر مِن سماع القصائد لطلب صلاح قلبه تنقُص رغبته في سماع القرآن، حتَّى رُبَّما كرِهه" (اقتضاء الصّراط المستقيم 1/484).

وقد قال الإمام الشّافعيّ: "خلّفت ببغداد شيئًا أحدثته الزّنادقة يسمونه التّغبير (هو الضّرب بالقضيب، وهو آلةٌ من الآلات الّتي تقرن بتلحين الغناء: انظر الاستقامة 1/238)، يصدون به الناس عن القرآن" (أخرجه ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص 257).

قال ابن تيمية -معلقًا على كلام الشّافعيّ-: "وهذا من كمال معرفة الشافعي وعلمه بالدّين، فإن القلب إذا تعوّد سماع القصائد والأبيات والتذَّ بها، حصل له نفورٌ عن سماع القرآن والآيات، فيستغني بسماع الشّيطان عن سماع الرّحمن" (مجموع الفتاوى 10/532 وانظر: الاستقامة 1/238).


ويقول -في موطنٍ آخرٍ-: "فإنّ السُّكر بالأصوات المطربة قد يصير من جِنس السُّكر بالأشربة المُسكِرة، فيصدهم عن ذكر الله وعن الصّلاة، ويمنع قلوبهم حلاوة القرآن، وفهم معانيه، واتباعه، فيصيرون مضارعين للذين يشترون لهو الحديث ليضلوا عن سبيل الله.." (مجموع الفتاوى 10/643).

فالقلوب أوعيةٌ، فإن كان الوعاء مملوءًا بحبّ القصائد والأناشيد، فأين يقع حبّ القرآن وذكر الله -تعالى- في ذلك الوعاء؟!

وقال ابن الجوزي -في نقده الصّوفية-: "وقد نشب حبّ السماع بقلوبِ خلقٍ منهم، فآثروه على قراءة القرآن، ورقت قلوبهم عنده مما لا ترق عند القرآن، وما ذاك إلا لتمكن هوى باطن تمكن منه، وغلبة طبع.." (تلبيس إبليس ص 276).


- إذا أردنا أن نعرف الحكم الشّرعيّ في ذلك النّشيد المتفلت، فعلينا أن ننظر إلى مآلاته وعواقبه، وقد حرر شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيّم قاعدة في ذلك، وأعملاها على السّماع المحدث، فكان مما قاله ابن القيم: "إذا أشكل على النّاظر أو السّالك حكم شيء: هل هو الإباحة أو التّحريم؟ فلينظر إلى مفسدته وثمرته وغايته، فإن كان مشتملًا على مفسدةٍ راجحةٍ ظاهرةٍ، فإنّه يستحيل على الشّارع الأمر به أو إباحته، بل العلم بتحريمه من شرعه قطعيٌّ. ولا سيما إذا كان طريقًا مفضيًا إلى ما يغضب الله ورسوله -صلّى الله عليه وسلّم- موصلًا إليه.
فكيف يظنّ بالحكيم الخبير أن يحرم مثل رأس الإبرة من المسكر؛ لأنَّه يسوق النَّفس إلى السّكر الّذي يسوقها إلى المحرّمات، ثم يبيح ما هو أعظم منه سَوْقًا للنّفوس إلى الحرام بكثير؟..".
إلى أن قال: "... والّذي شاهدناه -نحن وغيرنا- وعرفناه بالتّجارب أنه ما ظهرت المعازف وآلات اللهو في قومٍ، وفشت فيهم، واشتغلوا بها؛ إلا سلط الله عليهم العدو، وبُلوا بالقحط والجدب وولاة السّوء. والعاقل يتأمل أحوال العالم وينظر، والله المستعان" (مدارج السّالكين 1/496، 497، 500، وانظر مجموعة الرّسائل الكبرى لابن تيمية 2/308).


- هذا النّشيد المُتهتك أنموذج من التّرخص المتفلت في واقعِنا الحاضر، فقد ظهرت في الآونة الأخيرة توجهات ومؤلفات في التّفلت عن ضوابط الشّرع، والتّواثب على حرّمات الله -عزّ وجلّ- مثل: حلق اللحية، وإباحة سماع الغناء، والتّوسع في أنواع من المناكح والمكاسب والمطعومات دون التّحقق من أحكام الشّرع.

إضافةً إلى ما هو أطم من ذلك كالتّساهل في وسائل الشّرك وذرائعه، وتهوين عقيدة الولاء والبراء، وغير ذلك.

وهذا الواقع يوجب على العلماء والدعاة أنْ يُربّوا الأمة على أخذ الدِّين بقوة، والدّعوة إلى التَّمسك بالسُّنّة والعض عليها بالنَّواجذ، والحذَر من تتبُّع الرُّخص والحِيل المحرَّمة والأقوال الشَّاذّة، وإحياء واعظ الله في قلوب أهل الإسلام، والتّذكير بالوقوف بين يدي الجبار -جلّ جلاله-، الّذي يعلم السّر وأخفى، قال -عزَّ وجلَّ-: {بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} [القيامة: 14-15].


د.عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
دار الوطن

ملفات المطوية

اسم الملف تحميل عدد مرات التحميل
الإفراط في النشيد 0
تصميم جديد من تنفيذ وذكر 0

اضف تعليقك

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3141 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3479 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3556 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟