ما أكثر الخدمات التي تستفيد منها من وذكر ؟





الإثنين
01 صفر 1436 هـ | 24 نوفمبر 2014


:: المطويات » تزكية الأنفس » فضائل أهل الاحتساب في آيات الكتاب
الدار : مطويات متنوعة | عدد الزوار : 1812 | تاريخ الإضافة : 2011-05-23
أرسل لصديقنسخة للطباعةأبلغ عن عطل

فضائل أهل الاحتساب في آيات الكتاب

نبذة :
فضائل أهل الاحتساب في آيات الكتاب.. "تحليل دلالي لآية قرآنية"... د/ عويض بن حمود العطوي..


مرات التحميل : 725
المطوية مصورة pdf/1.2 MB تحميل : 725


نص المطوية :

 

"تحليلٌ دلاليٌّ لآيةٍ قرآنيَّةٍ"


بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الهي محمَّدٍ بن عبد الله وآله وصحبه ومن والاه أمَّا بعد..
فقد جاء التَّنويه بأهل الاحتساب (الآمرين بالمعروف والنَّاهين عن المنكر) في آياتٍ عدَّةٍ، أقف في هذا المقال مع آيةٍ واحدةٍ منها.
قال الله -تعالى-: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104].

وقد جمعت هذه الآية أمورًا عدَّةً لعل من أهمها:
1- حكم هذه الشَّعيرة.
2- المخاطب والمأمور بها.
3- مواصفات القائمين بها.
4- وظائف ومهمات أهلها.
5- خطوات إقامة هذه الشَّعيرة.
6- الثَّناء على القائمين بها.
7- علاقة الدَّعوة بهذه الشَّعيرة.

وستأتي الإشارة إلى كل ذلك خلال هذا التَّحليل الدّلالي لألفاظ وتراكيب الآية الكريمة، وقد تدمج بعض هذه العناصر مع بعض، أثناء التَّحليل.

الملحوظ في هذه الآية أنَّها جاءت بين آيتين تدلان على ضرورة الاتفاق ونبذ الافتراق، فالآية السَّابقة تدعو للاعتصام والأخوة قال -تعالى-: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا...} [آل عمران: 103]، والآية الّتي تليها تنهى عن مشابهة أهل الفرقة والخلاف كما في قوله -تعالى-: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ...} [آل عمران: ].

وهذا مؤشرٌ واضحٌ أنَّ من أعظم المؤثرات في إقامة هذه الشَّعيرة هو الاجتماع ونبذ الاختلاف، كما أنَّ هذه الشَّعيرة هي من أعظم أسباب تمكين هذا الدِّين، وقطع بوادر التَّفرق وذهاب الرِّيح، فكأنَّ التَّأثير متبادل، لكن لكلِّ مؤثرٍ وجهةٌ معينةٌ في التَّأثير.

- حُكم هذه الشَّعيرة وبيان المأمور بها
{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ...}

نلحظ هنا كيف جاء إيجاب العمل بهذه الشَّعيرة بأسلوب المضارع المسبوق بـ (لام) الأمر (ولْتكن) بسكون اللام، وهذه اللام أفادت الأمر، وهو موجه من الأعلى وهو الله -سبحانه- وإلى الأدنى وهم العباد، وهذا يقتضي الوجوب وضرورة العلم به إلى أن يأتي ما يصرفه عن هذه الوجوب أو يخصِّصه.
والتَّعبير بفعل (الكون) يوحي بالإيجاد لشيءٍ لم يكن موجودًا لحظة الخطاب إذ المعنى على (كان) التَّامَّة: (ولتوجد منكم أمة يدعون...)، والفعل المضارع يوحي بالتَّجدد والاستمرار في هذا العمل حتى لو حصل فيه انقطاع، بخلاف الأمر لو قيل مثلًا: (كونوا أمة تدعو إلى الخير) ، وتحديد المخاطب بهذا الأمر بقوله -تعالى-: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ...} للإشعار بمزيَّة هذه الأمَّة وشرفها، حيث اختصها الله -سبحانه وتعالى- واختارها، فكانت الفئة المصطفاة لهذه الشَّعيرة العظيمة هي (منكم) (أنتم) أيُّها المخاطبون، ويفهم هذا المعنى من دلالة (مِنْ) الابتدائيَّة فكان منطلق ومبدأ هذه الفئة هو أنتم أيها المؤمنون، وهذا في نظري أولى من القول بالتَّبعيض؛ لأنَّ الابتداء هو معنى (مِنْ) الأصلي، ولأن عدم لزوم الكلّ، أو فرضية الكفاية ليس بالضَّرورة أن تفهم من (منكم) بل يمكن أن تدل عليها كلمة (أمَّة) أي جماعة تُؤم وتقصد، فليس هذا الأمر مطلوبًا من الجميع على درجةٍ واحدةٍ، وفي وقتٍ واحدٍ، وإن كان توجيه الخطاب في أصله على معنى (مِنْ) المذكور هو لكل الأمَّة، ثمَّ أُسندت الدَّعوة إلى البعض (الأمَّة) المختارة، وهذا فيه إشعار بضرورة اهتمام المؤمنين جميعًا بهذه الشَّعيرة، وعدم التَّخلي عنها بحجةِ قيام جهات معيَّنة بها؛ لأنَّ التَّوجيه في أصله للعموم، ثمَّ خصَّت الأمة المختارة على سبيل التَّكريم، أوِ التَّحديد.

كما يتضح من هذا زيادة على ما ذكر، عظم شأن هذه الفئة المختارة لهذه المهمَّة المحتسبة لها، وعظم فضلها علينا أجمعين إذ بسببها يمكن أن يرفع الإثم عنَّا، لذا وجب مساندتهم والوقوف معهم، لا مضايقتهم وإضعاف شأنهم.

- مواصفات القائمين بها: {أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ}

في ظنِّي أنَّ التَّعبير بـ (أمَّة) هنا له دلالته الخاصَّة، فلم يقل -سبحانه- (وليكن منكم فريقٌ) أو (جماعةٌ) أو (فئةٌ) أو غير ذلك؟
لأنَّ الأمة تدل على الكثرة من جهةٍ، وعلى التَّنوع من جهةٍ، وعلى كون أفرادها ممَّن يُؤَمّ ويُقصد.
وهذه المعاني المستقاة من جملة أقوال المفسرين وأهل اللغة تشير إلى أنَّ هناك مواصفات معيَّنة في الّذين يتولون هذه المهمَّة، ويكونون معنيِّين بها عنايةً مباشرةً، ومن ذلك الكثرة فلا يصلح أن يُكتفي في هذا المرفق العظيم بالعدد القليل بل لا بد من العناية بهذا المرفق حتَّى يكون العدد فيه كافيًا لإقامة هذه الشَّعيرة من كلِّ الوجوه سواء العددي أم التَّأهيلي أم الإداري، أم المادي.

وأمَّا معنى التَّنوع فهو يوحي بضرورة مشاركة الكلّ ومن كلِّ الأطياف والجهات، كما أنَّه قد يشير إلى التَّنوع في نوعية العاملين فقد يكون بعضهم مباشرًا لهذا العمل وبعضهم مساندًا له وبعضهم داعمًا، وهكذا، وهذا يعني ضرورة العناية بالكوادر اللازمة لإقامة هذه الشَّعيرة.

وأما المعنى الثَّالث وهو كونها فئة تؤَم وتُقصد فقد يشير هذا إلى كونهم علماء، أو من طلبة العلم، الّذين يحتاج النَّاس إليهم ، أو كونهم من ذوي المكانة والجاه، أو ممَّن لهم يد على النَّاس بمساعدتهم لهم، وإحسانهم إليهم، والله أعلم.

- وظائف وخطوات هذه الشَّعيرة:

ما سبق يوحي بضرورة إيجاد هذا المرفق الحيوي في الدَّولة المسلمة، وقد جاء في هذه الآية تحديد المهمَّات الَّتي يقوم بها هذا المرفق، والخطوات الَّتي يتبعها في تنفيذ هذه المهمَّات، كل ذلك جاء في إيجاز معجز، قال -تعال-: {يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} فالمهمَّات والوظائف هي:
- الدَّعوة إلى الخير.
- الأمر بالمعروف.
- النَّهي عن المنكر.

وقد جاءت هذه المهمَّات بهذا الترتيب لتمثل أيضًا الخطوات الّتي ينبغي إتباعها للقائمين بهذه الشَّعيرة.

وقد جاءت الأفعال في هذه المهمَّات كلّها بالمضارع (يدعون) (إلى)، يأمرون(بـ)، ينهون(عن) ممَّا يوحي بالتَّجدد، والحركة، كما نلحظ تغير حروف الجر الَّتي عُديت بها الأفعال (إلى) و(الباء) و(عن) وذلك لمناسبة كلّ حرفٍ للدِّلالة المقصودة على ما سيأتي بيانه.

أولًا: الدَّعوة إلى الخير {يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ}
تأتي الصَّفحة الأولى -لهذه الفئة المشرَّفة بهذه الشَّعيرة- الَّتي هي الدَّعوة إلى الله، لتمثل الخطوة الأولى في ترسيخ دعائم هذا العمل الجليل؛ لأنَّ الدَّعوة إلى الخير أمرٌ مقبولٌ بل محببٌ إلى النَّفس، بل الكل يميل إلى المشاركة فيه، وقد قيل إنَّ حبَّ المشاركة في الخير من غريزة البشر؛ لذا تجد الصَّبي إذا رأى شيئًا أعجبه نادى من حوله ليراه معه.

وفي تقديم هذه المهمَّة هنا تلميح مهم لنوعية الأسلوب الّذي ينبغي إتباعه في التَّعامل مع الناس لكسب قلوبهم، ألا وهو الإحسان إليهم بدعوتهم إلى الخير، ولا يخفى أنَّ كلمة (الخير) لفظةٌ جميلةٌ مأنوسةٌ عامَّةٌ توحي بالنَّفع والإحسان، والإنسان ميالٌ على حبِّ من أحسن إليه.
وتعدية الفعل بـ (إلى) الدَّالة على انتهاء الغاية دون اللام بأن يقال مثلًا: (يدعون للخير) للإشعار بأنَّ مراد هذه الفئة الطَّيِّبة المحسنة هو الأخذ بأيدي النَّاس المحتاجين لذلك الخير لإيصالهم إليه، فهم لا يكتفون بالدَّعوة لمجرد الخير وإلا لقيل: (يدعون للخير)، بل همُّهم الوصول بالنَّاس إليه، كما تشعر بذلك (إلى) الغائية، وهذا أوضح في دلالة النَّفع والإحسان، وهو معنى لطيف يحسن بأهل لاحتساب التَّنبه له.

ثانيًا: الأمر بالمعروف {وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ}

هذه هي المهمَّة الثَّانية، وهي تمثل الخطوة الثَّانية، وإنَّما ذكرت هنا بعد الدَّعوة إلى الخير؛ لأنَّه لما كان الأمر (تأمرون) فيه ثقل الإلزام سُبق بما يخفِّفه ويجعله مقبولًا وهو بلسم الإحسان (يدعون إلى الخير)، وهذا يدل على أنَّ الّذي ينبغي أن يعرف عن القائمين بهذه الشَّعيرة ليس هو الإلزام (الأمر) والمنع (النَّهي) فحسب، بل هم قبل ذلك لابد أن يعرفوا بالكلمة اللينة، والنَّفع العامِّ للنَّاس، ولذا أرى في اجتماع هذه المهمَّات وبهذا التَّرتيب ما يوحي بضرورة اجتماع الدَّعوة والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر في جهاز واحدٍ أو لعله يدل على ذلك؛ لأن نظرة النَّاس اليوم للدُّعاة غير نظرتهم للمحتسبين في هذه الشَّعيرة، فالدُّعاة مقبولون محبوبون يجتمع لهم النَّاس ويأنسون بهم ويتقبلون أمرهم ونهيهم، والقائمون بهذه الشَّعيرة يكثر ذمهم، وتنفر منهم النُّفوس أو تحاك حولهم الشَّائعات والأكاذيب، وقد يكون هذا أمرًا طبعيًّا لأنَّ النُّفوس ميالةٌ إلى كره من يلزمها أو يمنعها وحبِّ من ينفعها ويحسن إليها، لكن يحسن ألا نهمل هذا الملمح.

والّذي أريد الوصول إليه هو ضرورة التَّفكير في الإفادة من هذا القبول للدُّعاة، لتخفيف هذا الكره والنّفرة الموجودة، خاصَّةً مع هذا التَّرتيب الإلهي لمهمَّات هذه الفئة الخيرة، ولعل هذا يظهر بوضوح إذا اجتمعت الدَّعوة والاحتساب في شخصية رجلٍ معروفٍ بعلمه وصلاحه وحبه لنفع النَّاس ودعوتهم إليه، فإنَّ الاستجابة حينئذٍ ستكون عظيمة جدًّا بخلاف ما يحصل مع هذا الفصل الّذي نراه الآن، بين الدَّعوة والاحتساب.

وأرى أن تقدم الدَّعوة على الخير على الأمر بالمعروف تشعر بأنَّ لغة الأمر يجب أن تكون مقبولةٌ لينةٌ؛ لتتناسب مع السِّياق المبني على كسب القلوب لا تنفيرها.

وتعدية الفعل (يأمرون) بحرف الجر (الباء) الدَّال على الإلصاق والمصاحبة في أصل معناه، يشعر بأنَّ الّذي ينبغي أن يصاحب أمرهم هو المعروف، وهذا يتطلب المحافظة على نقاوة هذا المعروف وصفائه من أي شائبةٍ حتى لا يتحول الأمر إلى غير المعروف.

ولفظ (المعروف) زيادة على معناه المفهوم من لفظه يشير إلى ما يعرفه النَّاس، كما أنَّ المنكر يشير إلى ما أنكره النَّاس وما لم يعرفوه، وعلى هذا لو تأملنا أخطاء النَّاس سواء في ترك الخير أو فعل الشَّرِّ لوجدنا أنَّه لا يخرج عن إحدى حالتين: إما أن يكون صاحبه جاهلًا بهذا الخير أو ذلك الشَّرِّ، وهنا تأتي خطوة (يدعو إلى الخير)، فإذا عرف النَّاس ذلك، ولم يفعلوه جاء أمرهم بما يعرفون، أو نهيهم عما يُنكر، وهذا يشير بدوره إلى أنَّ المعروف في أصل المجتمع المسلم هو الأمر السَّائد، وأنَّ الخروج عنه يعتبر أمرًا منكرًا أي غير مألوفٍ، وإذا كانت الحال بهذه المثابة سهل على القائمين إقامة هذه الشَّعيرة؛ لأنَّ الكلّ يساندهم في هذا.

أما إذا اختلف الأمر فأصبح المعروف منكرًا والعكس، فأرى أنَّ دلالة الآية تشير إلى ضرورة تكثيف التَّعليم والدَّعوة وهي الخطوة الأولى، حتَّى يظهر عرف المعروف ونكران المنكر، ثمَّ تليها خطوة الأمر والنَّهي، هذا في الجملة، وخروج بعض الحالات المقتضية لذلك لا ينقض عموم القاعدة.

ثالثًا: النَّهي عن المنكر {وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}

هذه هي المهمة الثَّالثة، وهي تمثل الخطوة الثَّالثة، ونلاحظ هنا كيف تأخر النَّهي عن المنكر؛ لأنَّه أشقُّ على النَّفس، وقد سبقته خطوتان مهمتان تسهلان قبوله، وربما لا يبقى في المجتمع أو في الجهة المطلوب الاحتساب عليها شيء من ذلك بعد الدَّعوة والأمر، وإن بقى كان النَّهي عنه مقبولًا ومسوغًا، بل قد يكون ضروريًّا، وما يشعر بضرورة إزالة المنكر في هذه المرحلة تعديه الفعل بحرف الجر (عن) الدَّال على المجاوزة، فالمطلوب بعد الخطوتين السَّابقتين الاستمرار في نهي المصرِّين على المنكر حتَّى يتركوه ويتجاوزوه.

- الثَّناء على القائمين بها:

قال الله -تعالى- في ختام هذه الآية {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، وفي التَّعقيب بهذه الجملة إشادةٌ عظيمةٌ بهذه الفئة المختارة وذلك من وجوهٍ عدَّةٍ هي:

أولًا: مجيء الواو في أول الجملة على سبيل الاتصال، فلم تفصل فيقال (أولئك هم المفلحون)، وذلك لبيان كمال الاتصال بين الأعمال الجليلة الّتي يقومون بها وبين صفة الفلاح الّتي يسعون لها، ولاعجب فالفلاح هو جزاء ذلك العمل.

ثانيًا:
الإشارة إليهم بالبعيد (أولئك) ممَّا يدل على علوِّ مرتبتهم ورفعة منزلتهم، حتَّى لكنَّأهم في مرتفعٍ عالٍ يشار إليهم ويقال: (أولئك)، ولو كانوا قريبين لقيل: هؤلاء، فنُزّل علوِّهم المعنوي منزلة علوِّهم المادي لذا أشير إليهم بالبعيد، هذا إضافة لما في الإشارة من تحديد المشار إليه أدق تحديدٍ، وهذا فيه تمييز لهم عن غيرهم.

ثالثًا: وجود ضمير الفصل (هم) الدَّال على الحصر والقصر، إذ المعنى العامّ للجملة يفهم دون ذكره (أولئك المفلحون) ولهه نظائر في القرآن كما في قوله -تعالى-: {أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: 11].

لكن لما أريد تخصيصهم بهذا الفضل وقصر هذه الصَّفة العظيمة (الفلاح) عليهم قيل: (أولئك هم المفلحون) ، فكأنَّهم بهذا هم الكاملون الوحيدون في هذه الصِّفة، وكأن فلاح غيرهم لا يعتد به مع فلاحهم.

رابعًا: ذكر الفلاح (المفلحون) والتَّعريف باللام فلم يكن مثلًا: (أولئك هم أهل الفلاح)، وفي ذكر الفلاح ما يشير إلى عظمة ما هم عليه من العمل الّذي أوصلهم إلى صفة الفلاح الّذي هو الفوز والنَّجاح والحصول على كلِّ مطلوبٍ، وتعريف المفلحين (باللام) للإشعار بما يعرفه كلّ أحدٍ عن حقيقة الفلاح وأهله، ففلاحهم لن يخفى لا في الدُّنيا ولا في الآخرة.

- علاقة الدَّعوة بهذه الشَّعيرة:

سبقت الإشارة إلى هذا الموضوع ولكنِّي أذكر هنا أنَّ بعض أهل العلم يرى أنَّ الدَّعوة عامَّة والاحتساب خاصٌّ، وما جاء في الآية من ذكر الدَّعوة ثمَّ الاحتساب هو من عطف الخاصِّ على العامِّ؛ تنويهًا بشأن ذلك الخاصّ كما عطف جبريل وميكال على الملائكة، وهذا في ظنِّي لا يعني الفصل بين الشَّعيرتين، بل لا بد من السَّعي لتكثيف العمل التَّوجيهي الدّعوي في هيئات الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، ولا بد من دعمهم في هذا المجال من المسئولين وأهل العلم.

نسأل الله أن يوفقنا لكلِّ خيرٍ وأن يجنبنا كلَّ شرٍّ إنَّه وليُّ ذلك القادر عليه.


د. عويض بن حمود العطوي
عميد كلية المعلمين بتبوك سابقًا


لا يوجد أي تعليقات على هذا المحتوى