نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

المسلم الموحد بين الطاغوت المستبد والليبرالي الملحد
12-2-2011 1961   
   
عدد مرات التحميل : 6

المسلم الموحد بين الطاغوت المستبد والليبرالي الملحد

 

وفي خضم التفاعل مع هذه النازلة الجديدة تباينت المواقف التي تستقطب الناس، ويمكن أن نجمل توصيفها في ثلاث اتجاهاتٍ رئيسة: (الطاغوت المستبد، والمسلم الموحد، والليبرالي الملحد) ومن المهم أن يقف المسلم على حقيقة هذه الاتجاهات والعلاقة بينها وموقفها من الأحداث الجارية، فإنه بدون معرفة ذلك فلن يعرف موقعه من الإعراب، ولن يدرك حقيقة المعركة، وربما سلك مع عدوه وانقاد له من حيث يظن ذلك نصراً.

نسمة ثورة تنفسها العالم العربي في المشهد الأخير، لينتبه الناس -بعد عقود من التدجين والانصياع- على وقع مظاهرات واحتجاجات تهزّ الكراسي، وتسقط الرؤساء، وفي خضم التفاعل مع هذه النازلة الجديدة تباينت المواقف التي تستقطب الناس، ويمكن أن نجمل توصيفها في ثلاث اتجاهاتٍ رئيسة: (الطاغوت المستبد، والمسلم الموحد، والليبرالي الملحد)، ومن المهم أن يقف المسلم على حقيقة هذه الاتجاهات والعلاقة بينها وموقفها من الأحداث الجارية؛ فإنه بدون معرفة ذلك فلن يعرف موقعه من الإعراب، ولن يدرك حقيقة المعركة، و ربما سلك مع عدوه وانقاد له من حيث يظن ذلك نصراً.

- (الطاغوت المستبد): كان أحد الأدواء التي أنهكت جسد الأمة الإسلامية، وأقعدتها عن مواصلة المسير في سبيل العزة والكرامة، وهو الاستعمار من بعد الاستعمار، يأتي في المرتبة الأولى ممثلاً هذا الاتجاه: الزعماء السياسيون الذين خذلوا الأمة في كل الميادين، بداية من التنصل عن دينها وتحكيم الشريعة، مروراً بنهب المقدرات في ساعة الصفر والمواجهة، إلى حرب الدين وأهله والتضييق عليهم، فاستحقوا بذلك وسام الخيانة من الدرجة الأولى، بل من طراز فريد، ويأتي في المرتبة الثانية: أدوات هؤلاء الساسة الذين يبررون صنيعهم ويضفون المشروعية عليه، من المتدثرين بثوب الرأي والفكر بكل أطيافه وتخصصاته، خاصة أولئك الذين رفعوا شعار الليبرالية والحرية من مثقفي المارينز وكتابه، وقد بان أنهم أعداء الحرية الصرحاء، وأنصار الطاغوت وأزلامه.

- (المسلم الموحد): من رضي بالله ربا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، لا يزال على الحق ظاهراً لا يضره من خالفه ولا من خذله حتى يأتي أمر الله، شهد العصر المتأخر حضوره البارز في صحوة إسلامية جعلت منه على الساحة فاعلاً ومؤثراً، منتصباً و مستجيباً لدعوة الإسلام في مختلف الميادين، ورغم صعوبة المهمة و استفحال المعوقات إلا أن المسلمين لا زالوا يرقبون من خلاله عودة صادقة لدين الله عز وجل، وتحكيماً لشريعة الإسلام في كل مناح الحياة.

- (الليبرالي الملحد): هزمه الظرف العصيب الذي تمر به أمة الإسلام، فاتجه منضوياً تحت لواء القوي المسيطر، حيث تعويذات الغرب و ترانيمه على رأسها إرادة الناس، والحرية الغاية، يفرحه شيء واحد : أن يقول الناس ما يريدون، وأن يفعلوا ما يريدون، بغض النظر عن مراد الله وأمره!

ولقد سلك الغرب في سبيل قمع الصحوة الإسلامية والحد من انتشارها منوعاً بين امتثال وجه الطاغوت المستبد ووجه الليبرالي الملحد، في سياسة خبيثة ماكرة لا يبقى معها شك في حربه الصريحة لدين الله عز وجل، كما لا يبقى معها شك في جناية هذين الاتجاهين على مكتسبات الأمة وخدمتهما للغرب وتحقيقهما لتطلعاته.

ففي الوقت الذي كان فيه يُصدّر مفاهيم الليبرالية والحرية و المساوة (مع ما تنطوي عليه من إزدراء للمفاهيم الدينية و وصم لها بالتخلف والرجعية)، وفي الوقت الذي كان يفرض فيه الاتفاقيات والمشاريع اللادينية، ويكافح التعليم والتربية الدينية باسم مكافحة الأصولية؛ كان أيضاً يسكت عن جرائم الطواغيت ويتفاعل معهم ويدعمهم في حرب الإسلاميين، ممتثلاً القولة التي نطق بها أحد الساسة اليهود: (ديكتاتور خير من متطرف!) والمتطرف عندهم بالطبع هو من يحكم بالدين ولا يبالي بالتبعية لهم، ومن الشواهد الصريحة في هذا الصدد : دعمه لطاغوت الجزائر ضد الإسلاميين لما فازوا بالتصويت، ودعمه لعملاء رام الله ضد الشعب المرابط بعد أن حاصره وعاقبه بأبشع سياسة طاغوتية!

ومن سياسته في تنويعه بين سلوك الطاغوت المستبد والليبرالي الملحد في حرب الإسلام وأهله: أنه كان يتجاهل خيار الشعوب إذا اختارت الإسلام في حين يدعمها إذا اختارت غيره، فدعم انفصال جنوب السودان وانفصال تيمور عن بلاد المسلمين باسم الحرية وخيار الناس، في حين تجاهل حرية مسلمي الشيشان والفلبين وغيرهم بل وتسلط عليهم وأهدر دماءهم واتهمهم بالإرهاب، في غير ذلك من الشواهد التي يظهر منها لعبه على الحبلين ، ودعمه للنقيضين، وتعاطيه معهما بجامع أنهما يحجمان المشروع الإسلامي!

وهنا كان من أوجب الواجبات على أبناء الإسلام وشبابه أن يجدوا في مواجهة هذه الحرب القذرة من خلال تمسكهم بدينهم، وطرحهم الاتجاه الليبرالي كطرحهم للطاغوت، ولئن كان الطاغوت آفلاً تدفع عنه الفطرة فإن الليبرالية تجتذب المرء بالهوى و الشهوة، وتحقيق المنفعة واللذة الدنيوية، لتنتهي به وقد جردته من دينه ورأس ماله، وجعلته أسيراً في سجون الغرب!

إنّ المعركة مع الطاغوت المستبد لا تكاد تنتهي حتى تقوم جذعة مع طاغوت آخر هو الليبرالي الملحد، وإنه يحسن في مثل هذا الظرف الذي تشهده الأمة أن يُذكر الشباب ويبصروا بهذه الحقيقة لئلا يتوهموا النصر حيث الهزيمة.

ويهمني أن يقف القارئ على الفرق بين موقف المسلم الموحد وموقف الليبرالي الملحد مما يحدث اليوم حيث الشعوب الثائرة، فأما موقف الطاغوت فهو أجلى من أن يُجلى أو ينبه عليه.
فقد لا يختلف المسلم والليبرالي في الموقف من الثورة المصرية (مثلاً) من حيث الشكل، ولكن الاختلاف محتدم من جهة التصورات والمفاهيم!

فغاية الليبرالي: إرادة الناس وحريتهم مهما خالفت الشرع، فهو يتصور النصر والفلاح في هذه الغاية، وأما غاية المسلم: فهي تحكيم شريعة الله عز وجل وتحقيق مراده وتعبيد الناس له.

وعليه: فإنّ الثورة على النظام الطاغوتي إذا أنتجت نظاماً يختاره الناس ولا يحكم بالشرع فقد اكتمل مراد الليبرالي، وتحقق مقصوده، وأما المسلم: فهو يفرح بسقوط الطاغوت ولا يفرح بطاغوت آخر يحل محله ولو باسم الشعب.

كما أنّ هذه الثورة الحاصلة اليوم والدماء التي تسفك: إذا كانت بنية إسقاط المخالف لأمر الله، وإقامة شريعة الله عز وجل كان ذلك عملاً مباركاً وجهاداً عظيماً، بغض النظر عن نتائجه، وأما إذا سفكت الدماء باسم الحرية والإرادة مهما خالفت الشرع لم يكن ذلك في سبيل الله ولا كان عملاً يؤجر عليه صاحبه.

ويؤكد ذلك على أهمية الارتباط بشرع الله، وبالمفاهيم الشرعية الخالصة، في الدعوة إليها، والأخذ بها، ليصدر الناس في أعمالهم من عبودية يؤجرون عليها، بعيداً عن المفاهيم المستوردة والمصطلحات المشوبة، فمهمة المسلم أن يكثف ربط الناس بدين الله عز وجل، لا أن يربطهم بمفاهيم الحرية والإرادة، تلك المفاهيم التي هي غالبة اليوم في الاستعمال المنافس لدين الله عز وجل، المطرّح له، أعني الاستعمال الليبرالي الملحد، وكم هي عظيمة جناية أولئك الذين ربطوا الناس بمفهوم (إرادة الشعب) مهما خالفت الشريعة، فصارت الدماء تسفك والأهوال تركب بصورة لو كانت لأجل شريعة الله لأمكن قيامها في دول المسلمين وتحكيمها في واقعهم!

ومن هنا تبرز أهمية الدعوة الإسلامية في تفعيل الغيرة لهذا الدين في قلوب الناس، فما الذي يمنع أن يثوروا لدينهم كما ثاروا لدنياهم؟، وما المانع أن يتحركوا للمطالبة بتحكيم الشرع وامتثاله في دولهم؟، لولا أن ثمة ضعفاً في التدين واليقين، واهتراء في استشعار المسؤولية الدينية، سيما وقد زوحمت و عكر عليها بالمسؤوليات المدنية اللادينية، وقدمت الحرية كمبدأ بديل يناضل عنه، وكيف نريد أن نحصل الحرية للجميع إلا أن نفرط في تحاكم الجميع إلى شريعة الله عز وجل؟

إنه لينتابك العجب حينما تجد مسلماً يدرك أنّ التوعية بالحرية والتذكير بها في أشد الظروف قسوة على الحريات ومصادرة لها: واجب إنساني، وخطوة نحو التحرر، ثم هو لا يفطن لهذه المعادلة حينما يتعلق الأمر بشريعة الله جل وعلا، فتراه لا يبالي بذكرها والتأكيد عليها بدعوى أن تطبيقها غير ممكن، في حين أن التوعية بها والتأكيد عليها و تعميق حضورها في أذهان الناس عوضاً عن كونه الواجب والمسؤولية الدينية، فهو الخطوة الممهدة لتطبيقها وتفعيلها على أرض الواقع.

ولما حصلت الثورة المباركة على طاغية تونس والأخرى على طاغية مصر -أخزاهما الله- بادر البعض إلى التنبيه على ضرورة تحكيم الشريعة وأن هذا المطلب أهم وأعز من مطالب الحقوق الدنيوية وإن جاءت الشريعة بتعظيمها واحترامها، وكان هذا الالتفات نابع من إدراكهم لسلم الأولويات الشرعية وحقيقة الدعوة الإسلامية، التي يميزها عن غيرها من الدعوات: التوحيد بجميع مجالاته، والتحاكم إلى الله ورسوله في صغير الأمور وكبيرها.

إن هذه المبادرة نابعة من استشعار المسؤولية الإسلامية تجاه مثل هذه الأحداث، إنها تريد أن تجير مثل هذه الثورات لصالح الإسلام الذي يدين به الثائرون، بدل أن تجير -كما هي العادة- لصالح طاغوت آخر ومستبد على أنقاض مستبد!

ومن المؤسف حقا: أن كثيرين من المنتمين للطيف الإسلامي تبرموا من مثل هذه اللفتات المؤكدة على قضية تحكيم الشرع، وكان غاية ما يقدمون في معرض هذا التبرم: أن الثورة على الظلم والمطالبة بالحقوق الدنيوية .. أتى بها الدين وحث عليها الشرع... الخ، وإننا حين نتأمل في مثل هذا الاعتراض نجده يدفع باتجاه تبعيض الشريعة، فكون الحقوق الدنيوية والتأكيد على احترامها قضية شرعية لا يعني أن تشهر -كمنافي- في وجه قضايا شرعية أخرى فضلا عما إذا كانت قضايا أكبر وأهم في سلم الأولويات الشرعية!

على أنّ هذه الحقوق الدنيوية -التي تراعيها كل الديانات والنظم- لو كان الدافع لأخذها والحرص عليها شرعياً لما طُرح الأمر الفارق والمميز الذي جاءت به الشريعة من التوحيد والعبودية لله، فإن المشروع الإسلامي لا يستمد مركزيته ولا يتميز عن غيره من المشاريع بكونه يحافظ على حقوق الناس الدنيوية، هذه تشترك فيها كل المشاريع الإنسانية حتى الإلحادية، لكن المشروع الإسلامي يتميز بقضية العقيدة والتوحيد والتحاكم إلى الله، ذلك الشيء الذي إذا غاب عن بال فرد (إسلامي) فإنما يعني غياب مشروعه وغياب قيمته ودوره في الحياة.

وختاماً: فإن الفرح بمجرد إسقاط الطاغوت وخلعه ولو لم يؤد ذلك إلى حكم إسلامي لا يتنافى مع ما قدمنا، إذ أنه فرح مشروع، وبعض الشر أهون من بعض، لكن فرق بين من يكتمل فرحه، ويصل لمقصوده حينما تصل إرادة الناس، وبين من يظل قصده متعلقاً بشريعة الله، لا يقف مراده عند غيرها.

عبدالوهاب آل غظيف

 


اضف تعليقك

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3142 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3479 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3557 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟