نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

الثوابت والمتغيرات
8-2-2011 2722   
   
عدد مرات التحميل : 4

الثوابت والمتغيرات

 

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِين وَصَلَّى الله وسَلَّم عَلَى نَبِينَا مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاهْتَدَى بِهُدَاه وَاقْتَفَى أَثَرَهُ إِلَى يَومِ الدِّين.

أَمَّا بَعْدُ:

فحديثنا حول قضية مهمة جدًّا، وهي قضية "الثَّوابِت والْمتغيرات" وهي قضية يَتَكرر طرحها خاصةً هذه الأيام؛ لأنَّ المتغيرات الواقعة بأحوال النَّاس كثيرة وسريعة، ومِن الأشياء التي ما كان يُظَنُّ أَنْ تكون قبل فترةٍ وجيزة أصبحت شيئًا موجودًا ومُمَارَسًا في حياة النَّاس.

ولِهَذَا لَمَّا عَظُمَ الانفتاح وكَثُرَت المتغيرات، وصارت قوية وسريعة، اضطرب كثير مِن النَّاس في التَّعامُلِ مَعَها؛ لأنَّه لا يوجد لهم مراجِع علمية متخصصة تشمل الأمة الإسلامية وتتكلم بهذه القضايا وتُبْدِي رَأْيَها وتُبْدِي منهجها في معالجتها... ونحو ذلك، فكَثُرَ الاضطراب، وفُتِحَ البَاب لكثيرٍ مِمَّن يخوضون في هذا المجال، وأَعْنِي بِهِ :المجال الأعظم والأكبر وهو : "كَيْفَيَّة تَعَامُل الْإِسلام - عَقِيدَةً وَشَرِيعةً - مَع هَذِهِ المتغيرات"؟!

فَكَثِيرٌ مِمَّن خاض في هذا البَّاب خَاضَ مَعَ خَلفياته العقائِديَّة والفِكريَّة وغيرها، وصار كلٌّ يَنظر إلى هذه الأحوال مِن خلال ما عِنْدَه، والحق أَنَّ دَينَ الإسلام الذي ارتَضَاهُ الله عز وجل، هذا الدَّين العَظيم لَا يُمْكِن أَنْ يكون لِعْبَة بِيَد هَؤلَاء وأولئك، ويَخُوض فِيهَا كُلّ مَن يَدري ومَن لَا يَدري، حتى رأينا مَن يتكلم في هذه القضايا مِن الأصاغر: في علمهم، وفي تمسكهم بدينهم، والأصاغر حتى في أسنانهم!!

لِتَوِّهِ خَرَجَ عَلَى وَسِيلَة إعلامية فإذا بِهِ يَتَكَلَّم في قضايا الكِبار، وخاصة فيما يتعلق بِدِينِ الله عز وجل في ظِلِّ هذه الظروف والمتغيرات الكبيرة التي تعيشها هذه الأمة.

هُنَاكَ قضية تُطْرَح الآن، تقول: أَنَّ هُنَاك ثوابت نَحنُ نَتمسك بها، وهناك متغيرات يَجِبُ أَنْ تَتَغَيَّر، والخطير في الأمر هو أن هناك سَعْيًا حَثِيثًا جدًّا إلى تقليص الثَّوابت وجعلها مُجَردَات عقلية فقط، وتوسيع دوائر المتغيرات حتى تَحوَّل الأمر - وللأسف الشديد - إلى أشياء متنوعة أصوليَّة وعقدِيَّة ومنهجيَّة وتشريعيَّة.

خطورة الكلام عن قضية "الثوابت والمتغيرات":

نَحنُ في هذه الكلِمَات نتحدثُ عَن مفاتيح في هذه القضية؛ لأن القضية ليست سهلة وليست صغيرة..

وأُحِبُّ أَنْ أتكلم عن قضية مهمة جداً في أمرين:

الأول: دين الله عز وجل الذي به خُتِمَت الرِّسَالة..

هل هو دين صالح لكل زمان ومكان أم لا؟!

وإذا قلنا: بِأَنَّه صَالِحٌ لِكُلِّ زَمَانٍ وَمكانٍ - كما هو المتبادر إلى ذهن كل من ينتسب إلى الدِّين - فما معنى أَنْ نقول: دين الله صالح لكل زمان ومكان؟!

ما هُوَ دِينُ الله؟!

لَا بُدَّ - بداهة- أَنْ يَنْصَب المصطلح على الدِّين الَّذِي جاء بِهِ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم بِكُليَتِهِ.

فَإِذَا قَالَ قَائِل: هَل دِينُ الإسلام صالح لكل زمان ومكان؟

جاء الجواب: نَعَمْ؛ هو صالح لكلِّ زمانٍ ومكانٍ.. لَكِنْ مَا هُوَ هَذَا الدِّين؟!

هَل هَذا الدِّين: ذَلِكَ الدِّين الْمُغَيَّر، أَوْ الْمُبَدَّل، أَوْ الْمُحَرَّف، أَوْ الْمُؤَوَّل، أَوْ الذي تَتَبَنَّاهُ فِرقٌ وطوائف مُنْحَرِفَة عَن الإسلام؟!

أم المقصود به: الدَّين الَّذِي أَرْسَلَ الله بِهِ نَبِيَّنَا مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم؟!..

وعَلَى هَذَا: فَأِنَّ دِينَ الله عز وجل الَّذي هو الإسلام، والذي بِهِ نُسِخَت الرِّسالات والكُتب السابِقة وصار حُكَم الله قاطعًا: أَنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ويَتَبِعه عَلَى شَرِيعَتِه فَلَيسَ بِمُسْلِمٍ كَائِنًا مَا كَانَ عَمَله، أَوْ إِخَلَاصَه، أَو دِيَانَتَهُ أَوْ غَيْرَ ذَلكَ.

هذا الدِّين الذي جاء به الرَّسول صلى الله عليه وسلم هُوَ نَفْسَهُ صَالِحٌ لِكُلِّ زَمَانٍ ومَكَانٍ، صَالِحٌ لِزَمَنِ الصَّحَابَةِ، وأيضًا صَالِحٌ لِزَمَانِنَا هَذَا.

مَا مَعْنَى أَنْ نَقُول أَنَّه صَالِحٌ لِزَمَانِنَا؟!

إِذَا: فَلْنَأتِي إِلَي الدِّين بِأَصْلِهِ ونُطَبِّق هَذِهِ القَنَاعَة التِي نَقُولها نَظَريًّا، ونَقُول: الدِّين صَالِحٌ لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، فَنُطَبِّق هَذَا الدِّين تَحْتَ أَيَّ مُتَغَيِّر مِن الْمُتَغَيراتِ هَذِهِ.

الأمر الثَّانِي - الْمُتَعَلِّق بِتَأصِيل هَذِهِ القَضِيَّة ومِنْهَا نَنْطَلِق - هو: أَنَّ الإسلام لَمَّا نَنْظُر إِلَى ثَوابِته، فثوابت الإسلام ذَاتَ أصول، عِنْدَنَا ثوابت أصول العقيدة، وعندنا ثوابت الشَّريعة، وعندنا ثوابت الْمَصْدَر.

أولًا: ثَوابِتُ الْمَصْدَرُ:

إِنَّ دِينَ الله عز وجل مصدره الأساس "كتاب الله" عز وجل، وسُنَّة النَّبِي صلى الله عليه وسلم، ويُلْحَق بِهِمَا مَا أَجْمَعَت عَلَيهِ الأمة.

مَا مَعْنَى أَنَّ القُرْآنَ هُوَ الْمَصْدر؟، أَوْ أَنَّ سُنَّة النَّبِي هِيَ الْمَصْدَر؟ وأَنَّها ثَابِتَةٌ لَا تَتَغَيَّر؟!

مَعْنَاهَا: أَنَّ أَيَّ مُتَغَيرات تَحدُث فَلَا بُدَّ أَنْ يكون مَرْجِعُهَا إِلَى كِتَابِ الله وإِلَى سُنَّة رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.

إذًا: هو من الثَّوابت..

ولَمَّا نَقُول الكتاب والسنة وما يترتب عليهما مِن الإِجماع هو من الثوابت، فَهَذِهِ قضية كبيرة جدًّا تَتَعَلَّق بِأَي منهجية لمعالجة وَضْعٍ مِن الْأَوْضَاع، ومِنْ هُنَا فَإِنَّه مَهْمَا كان، ومَهْمَا وَقَع مِن مُتَغَيرات فِي كلام النَّاس أو اجتِهَادَاتهم أو غير ذلك، فسيبقَى فِي كُلِّ لَحْظَة، فِي كُلِّ زَمَنٍ كِتَاب الله وسُنَّة رَسُولِه مَعْلَمَانِ مُنِيرَانِ مُضِيئَانِ بَارِزَانِ يَرْجَعُ إِلَيْهِمَا النَّاس، وعلى هذا فلا يُمْكِن لِأحَدٍ أَنْ يَلْغِي - مهما كان - هَذينِ الْأَصْلَين الثَّابِتَين.

بِمَعْنَى: أَنَّهُ قَد يَأتِي فِي زَمَن ٍ مَا وَيُقَالُ: والله تلك الواقعة الفُلانيَّة، والمتغير الفُلانِي، أَفْتَى العَالِم الفُلَانِي وقال فيه: كَذَا..، وكذا!!..

لا يُمْكِن أَنْ تَكُون فَتْوَى العَالِم الفُلانِي، أَوْ اجتِهَاده بَدِيلًا عَن الْكِتَابِ والسُّنة.

فلو قيل الطائفة الفُلانيَّة صار مِن عقيدتها كذا..، وكذا.. في باب – مثلًا - الإيمان بالصحابة، أو الإيمان بالقدر، أو الإيمان بالملائِكَة، ونَشَرَتْ ذَلكَ وانْتَشَر بين النَّاس، لا يُمْكِن أَنْ تَتَحَوَّل عَقِيدَتُهَا - هذه- إِلَى أَنْ تَكُون أصلاً.. لَا يُمْكِن!!

الْأَصْلُ – رَأسًا - يَرْجَعُ إِلَى الكِتَابِ والسُّنة، لِذَلك كَانَ الأصل الكِتَاب والسُّنة وَمِن وَرَائِهما الإجْمَاع الذي يَنْبَنِي عَلَى دَلِيلٍ.. هَذِهِ ثَابِتة لَا يُمْكِن أَنْ تَتَغَيَّر مَع تَغَيُّر الزَّمان والمكان، ولِذَلِك فَإِنَّ هذا من حِفظ هذا الدين..

لا يُمْكِن لِأَحَدٍ أَنْ يقول: هَذَا القُرْآن لَا يَصْلُح الْآن؛ لَأَنَّ فِيهِ شِدة فِي العِلاقة مع الكُفَّار!!

{حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29].

{وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51].

{لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} [المائدة: 73].

{لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} [النساء: 11].

إِنَّ هَذِهِ أَحكَام شَرعيَّة لَا يُمْكِن لِأَحدٍ أَنْ يَلْغِي شَيء مِن هَذَا وَمِثْله سُنَّة النَّبِي صلى الله عليه وسلم.

وفَائِدَةُ مَعْرِفَة هَذَا أَنَّه فِي ظِلِّ أَيِّ مُتْغَيرات إِذَا اخْتَلَفَت الآراء وَجَب الرُّجوع إِلَى الكِتَابِ والسُّنة.

ثانيًا: الأُصُــولُ العَقَدِيَّة:

الأصول العقدية لا تَتَغَيَّر بِتَغَيُّر الزَّمان والمكان، هذه الأصول لها ثوابتها العظيمة في حياة الأمة.

نذكرها باختصار:

الأصلُ الْأَوَلُ: توحيد الله عز وجل - في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته- وهو ثابت، بِهِ تُقَاس أحوال النَّاس، وعقائد النَّاس، كيف كان سيتغير!!

أَيْ: أَنَّه لَا يُمْكِن أَن يَأتِي حَالَة نقول - مثلًا- : يا أيُّها النَّاس العالَم اختلف وتَفَرَّق والصِّراع العالَمِي..، فلو أنَّنا جمعنا الأمة الإسلامية على توحيد الرُّبوبيَّة، أَمَّا تَوْحِيدُ الألوهية هو اختلاف في مسائل الشِّرك وغيرها فَنَرَى أَنَّ هذه نَتْرُكها الآن؛ لأنَّها مِن المتغيرات؟!

والْجَوابُ: أَنَّ هَذَا مَمْنُوع - تَمَامَ الْمَنْع - لَا يُمْكِن.

وعلى هذا فأي مُتَغير يَنْقُض هذا الثَّابت فالثَّابت حَكَمٌ عَلَيهِ..

يَعْنِي: لا تَأْتِينا طائفة وتقول والله عبادة القبور والبناء عليها أولًا، ثم ذرائع الشِّرك، ثم دعائها من دون الله عز وجل، هذه من المتغيرات وما دامت من المتغيرات فالأوْلَى بِنَا أَنْ نَتَغَيَّر مع تَغَيُّر الأحوال!!

فنقول: لَا؛ هذا ثابت، لا يمكن أن يَتَغَيَّر، فتوحيد الله عز وجل في ألوهيَّتِهِ، وكونه هو المعبود وحده لا شريك له هذه قضيه ثابتة لا يمكن أن تَتَغَيَّر، وفي مقتضى كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" وكذلك أيضا توحيد الله في أسمائه وصفاته أنَّه "مالك الملك" وأنَّه المدبر، وأَنَّه الْحَكِيم العَزِيزُ العَلِيم الْخَبِير الْمُقَدِّر للأشياء، هَذَا ثَابِتٌ لَا يُمْكِن أَنَّ يِتَغَيَّر.

يَعْنَي: لا يمكن أَنْ تَأْتِينَا مُتَغيرات فِكْرِيَّة، ومُتَغَيرات فَلْسَفِيَّة تَأْتِي لِتَقُول: - والله- يَا أَيُّها النَّاس قضية الأسماء والصفات هذه المفترض أَنَّ نَجْعَلَهَا مِن الْمُتْغَيرات فَنَقْبَلُ الْخِلَاف فِيْهَا، هُنَاك فَرْق في تَعَامُلك مَن قد يُخطئ أَو يَضِل في باب الأسماء والصفات وبَيْنَ أَنْ تَجْعَلها متغيرًا قابلًا للاختلاف والافتراق فنقول هذا الباب ثابت لا يتغير.

شِهَادَةُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهُ:

شهادة أَنَّ مُحَمَّدًا رسُول الله وما تقتضيها هذه الشَّهادة أمر ثابت، فلو جاءت متغيرات لتقول: لا؛ هذه الشَّهادة تَكُونُ لِبَعْضِ المسلمين، أو للمسلمين لكن يكون هناك أناس مُؤْمِنُونَ مُوَحِّدُونَ عَابِدُونَ لله، يَخْشَعُونَ وَيَبْكُونَ،... الخ.

لكنَّهم لا يشهدون أَنَّ مُحَمَدًا رَسُولُ الله، فالمفترض أَنْ يَكُون هُنَاكَ مُتَغَيرات تَقْبَل بهذا!! نَقُولُ: كَلَّا؛ شِهَادَةُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله ثَابتٌ لَا يُمْكِن أَنْ يَتَغَيَّر أبدًا..

وعَلَى هَذَا فَأَيُّ حِوَار بين الأديان يَصِلُ إِلَى مُسْتَوَى الْإِقْرَار بِأَنَّ مَنْ لَمْ يُؤْمِن بِمُحَمَّد صلى الله عليه وسلم أَنَّه قَد يَكُونُ مُؤْمِنًا؟!!

هَذَا نَقْضٌ لِأَصْلِ ثَابِتٍ، هَذَا لَا يُمْكِن أَنْ يَدْخُلَ مِن ضِمْن المتغيرات.

يَعْنِي: لَا يُمْكِن أَنْ نَقُولَ: -والله - الآن ضغط عَالَمِي، وأَنَّ الْحَربَ عالمية في قضايا الإلحاد والماديات وغيرها، فينبغي أن يلتقي أهل الأديان عَلَى أَيِّ شَيء، أَنْ يَعترف بعضهم ببعض!!

فنقول: كَلَّا حُكَمَ الله عز وجل - حُكْمًا قَاطِعًا- أَنَّه مَن كَفَر بِمُحَمَّد صلى الله عليه وسلم فَقَد كَفَر بِبَقِيَّة الرُّسُل، وَعَلى هَذَا اليوم نَنْظُر إِلَى اليَّهُود والنَّصَارَى، فَنَقُولُ: أَيُّ وَاحِد مِن اليَّهُود والنَّصَارَى كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ فَكَأَنَّهُ كَفَرَ بِمُوسَى" عليه السلام، أَوْ بِعِيسَى عليه السلام، كما أَنَّ وَاحِداً مِن المسلمين لَوْ آمَنَ بِجَمِيع الرُّسل وَكَفَرَ بِعِيسَى لَعُدَّ عِنْدَنَا كَافِرًا، وَلَوْ كَفَرَ بِمُوسَى لَعُدَّ عِنْدَنَا كَافِرًا؛ لَأَنَّه لَا يَجُوزُ التَفْرِيقُ بَيْنَ الرُّسل كما هو مَقْطُوع بِهِ فِي كِتَابِ الله عز وجل، هَذَا أَصْلٌ ثَابِتٌ.

هُنَاكَ قَولٌ مَطْرُوحٌ الآن، يَقُولُ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي الْحِوارِ مَع الْآخَرِ قُبُول أَهْلِ البِّدع، وأيضًا: قُبُول كُلُّ مَن يَنْتِسِبُ إِلَى دِين: مِن أَهْلِ الكِتَابِ، وَمِن غَيْرِهِم!!

هَذِهِ المتغيرات كيف نَزِنُهَا؟!

لَا نَزِنُهَا مِن خِلَالِ كَلَامِ صَحَفِيٍّ: "أَخْذٌ وَرَدٌ، وأنَّ أَهلَ الكتابِ عِنْدَهُم أَعمال صالحة، وبعضهم يُحِبُ السَّلَام...، هذا كله كلام ليس له قيمة!!

لِمَاذَا؟!

لَأَنَّ هَذَا الْكَلَام لَا بُدَّ أَنْ يَرْجِع فِي الْأَسَاسِ إِلَى قَضِيةِ أَصْلٍ بِالنسبَةِ لَنَا، وهَذَا الْأَصْلُ هُوَ: هَلْ رِسَالَةُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم خَاتِمَةُ الرِّسَالَاتِ ناسخةً لها أَمْ لَا؟!

وَهَلْ مَن لَمْ يُؤْمِن بِه لَيْسَ بِمُؤْمِن؟! هَكَذَا يُحْسَمُ الْأَمر.

ونَأْتِي لِبَقِيَّة أَرْكَانِ الْإيمان، أَنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِه - يَدْخُلُ بِهَا مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم -، واليوم الآخر، وبالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرهِ.

هَذِهِ كُلُّهَا أُصُولٌ ثَابِتَة لَا تَقْبَلُ التَّغَيُّرَ مَهْمَا تغيَّرَ الزَّمَانُ والمكَانُ، يَعْنِي لو جَاءَنَا مثَلًا تَقَدُّمٌ عِلْمِيٌّ وَقَالوا والله يمكِنُ لِعِلْمِ الطبِّ وَغَيره أَنْ يُخَلِّدَ الإنْسَانَ وَهَذِهِ عنْدَنَا محسُومَةٌ؛ لِأَنَّ عنْدَنَا إيمانٌ باليوم الآخر، وَعَلَى هذا فَالأصُولُ من الثَّوابت التي لا يمكن أنْ تَقْبَلَ تغيرًا لَا لِمَنْهَج مَادِيٍّ وَلَا غيره، المَنَاهج الماديَّة التي لا تَعْتَرِفُ إلا بالحيَاة الدنْيَا، ولَا تنْظُرُ إلى الأمر إلا من خِلَال الحياة الدُنْيَا، نَحْنُ بالنِّسبة لنَا -نحنُ المسلمين- عِنْدَنا هذه الدنْيَا مزْرَعة للآخِرَةِ، وَأَيُّ مُتَغَيِّرَات مَهْمَا عَظُمَتْ لَا يُمْكِنُ أنْ تُغَيِّرَ هذا الأصْلَ عنْدَنَا.

مَاذَا يصْنَعُ التَيَّارُ العَلْمَانِيُّ اليَومَ؟!... يُرِيدُ أنْ يُغَيِّرَ في سَيْكُولُوجِيَّة النَّفس المسلمة بحيث تصْبِحُ طبيعته لَا تَتَعَامَلُ معَ دِينِهِ وإنَّمَا تَتَعَامَلُ مَعَ المَادِيَّاتِ الغَرْبِيَّةِ فيتَحَوَّلُ إلى إنْسَان ماديٍّ لا يرِيدُ إلا الحَيَاةَ الدنْيَا، ولهذَا تجدُهُ يَطْرَحُ لَدَينَا مَثَلًا -وللأَسَفِ الشَّديد- كَيفَ نَتَعَايَش مع العالم؟!!، كيفَ نَعيشُ نحن وَإيَّاهمْ؟!!، كيفَ نَصْنَعُ نحنُ وَإيَّاهُمْ حَضَارَةً؟!!، كَيفَ نَلْتَقي نحن وإياهم؟!!، كيف نَتَقَدَّم بهذا الإنسان الذي شرَّفَهُ الله وَكَرَّمَهُ: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70]، كَيفَ يَأكُلُ ويشربُ هذا الإنْسَانُ ويتَّصلُ بالله ويتعاملُ معَ المحمول؟!!، كيفَ نُسْعِدُهُ؟!!

وَهَذَا مطْرُوح سواء باصْطِدَام الحَضَارَات، أَو في حِوَارِ الحَضَارَاتِ، فكِلَا النَّظريتين تَنْظُرُ إلى القضيَّة من خِلَال كيف يَتَعَايَشُ هذا العَالم، كيفَ هذا العالم الذي تحول إلى قرية واحدة يصْبِحُ فِعْلًا قرية واحدة آمنةً، ومع أنَّ الذين يطْرَحونَ هذا من رُبَّانِ العَوْلَمَةِ الغَرْبِيَّةِ وغَيرهَا، إلا أنَّ هذا للأسف الشَّدِيدِ يُطْرَحُ لدَى كثير من المفكِّرِينَ أو الكُتَّابِ عَلَى مخْتَلَفِ انْتِمَاءَاتِهِمْ الفكرِيَّةِ في بِلَاد المسلمين، كَيفَ نَعِيشُ؟!، كَيفَ نَبْنِي نَحْنُ وَإِيَّاهُمْ حَضَارَةً؟!، كَذلك في المنهج الإسلاميِّ مَهْمَا كَانَتِ المتغَيِّرَاتُ لَا يُمْكِنُ أنْ تغير الأصل عندنا -نحن المسلمين-، وَهُوَ قَبْلَ أنْ نَبْحَثَ كيفَ نَعِيش، وَنَأْكُلُ، عِنْدَنَا قضيَّة أهَمُّ: كَيفَ نَعْبُدُ الله عز وجل، كيف نَعْمَلُ لليوم الآخر؟

هذه متغيراتٌ ليستْ على مُسْتَوَى جزئيات، وَمَسَائِلَ، بل عَلَى مسْتَوَى قضيَّة عامَّةٍ تُطْرَحُ بِهَذَا الشَّكْلِ، وَلِهَذَا إذَا كَانَتْ حَضَارة غربية فَيِهَا كُل هذا التقدم تأتي إلينا لتكون بديلًا عن دينِنَا، عن عَقِيدَتِنَا، عنْ عمرَان حياتِنَا، في الزَّادِ للآخرةِ، والله لا نُرِيدُهَا إذَا كانتْ بديلًا عنْ تلك، مع أنَّه في المنهج الإسلاميِّ نَزِنُ بين هذا وهذا..

لكنْ نحن نتكلَّم عن قضية تُطْرَحُ: أنَّ المتغيرات المعاصرة تقْتَضِي كيفَ يَتَعَايَشُ أهل هذا الكون؟!..
نحنُ نقول: في المنهج الإسلاميِّ، وَمَعَ الإيمانِ بالأركانِ: كَيفَ نَعْبُدُ الله عز وجل وَنَدْعُوا إليه غيرَنَا؛ لِيَنْجُوَ منْ عَذَابِ الله يَومَ القِيَامة..

وحتى في قضية الإيمانُ بالقَدَرِ كأَصْلِ لا يُمْكِنُ أنْ يتغيَّرَ بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ، قد يقول قائل: إِنَّ المَسْأَلَةَ وَاضِحَةٌ بموضوع الإيمان بالقَدَرِ..

فنقول: لا؛ ليست واضحة، هناك أناس مع تغير الأحوال في هذه الأيام ظَنُّوا أنَّ القَدَرَ بِيَدِ أمْرِيكَا، وَيَتَعَامَلُونَ معها على هذا الإيمان والتَّصْديقِ، نحن نقول لا هذا المتَغَيِّرُ لَا يَتَغَيَّرُ عنْدَنَا، أَيُّ شَخْصٍ مُسْلِمٍ عِنْدَهُ فَهُمٌ بَسِيطٌ لِعَقِيدَتِهِ بِصَفَاءٍ لَا يَمْشِي عَلَيهِ هَذَا المُتَغَيِّرُ، وَيُوقِنُ بِأَنَّ الله عز وجل هو مَالِكُ الملْكِ وهو مُقَدِّرُ الأقْدَارِ، وَيُؤْمِنُ بِمَرَاتِبِ القَدَرِ الأرْبَعَةِ، بَعْلَمُ الله وَكِتَابَتِهِ لمَا هوَ كائن، وَمَشِيئَتُهُ النَّافِذَة، وَأَنَّ الله عز وجل خَالِقُ كُلِّ شَيء فَلَا يَجْرِي فِي هَذَا الكَوْنِ إلاَّ تَحْتَ مَشِيئَتِهِ سبحانه وتعالى، لَاحَظْتَ قَضَايَا المُتَغَيِّرَاتِ، وَإِشْكَالِيَّاتِهَا.

الثَّوابت وَالمتغيرات والشريعة الإسلامية:

بعض الناس يَظُنُّ أنَّ العقيدةَ ثابتة، والشَّريعة متغيِّرَة!!

وَيَقولون: الثَّوابت هي العقيدة، وكذا، وكذا...؛ لَكِنَّ الشَّرِيعَةَ مُتَغَيِّرَةٌ، والعَقِيدَة ثابتة، وَهَذَا خَطَأٌ؛ فالعَقِيدَة ثَابتة، وَالشَّريعة ثابتة.

مِنْ أَينَ جَاءَتْ شبْهَة من قَالَ أنَّ الشريعة مُتَغَيِّرَةٌ؟!

خِلَافَ العُلَمَاء مَاذَا يَقول هو؟... يقول أَنَّ العقيدة لا تتغير أي: أنَّ الإيمان بالله والملائكة لا تَتَغَيَّرُ لكنَّ الأحكام الشرعية تَتَغَير مع تغير الزمَان والمكَان؛ لِذَلكِ َيَخْتَلِفُ فيها العُلَمَاءُ، نَقول هذه المسْألة يجب الوقوفُ عندهَا؛ لأنَّ في ظَاهِرِهَا قد تَكُون صحيحة، إنمَّاَ الأحكام الشرعية لم يَزَلْ العلماءُ يَخْتَلِفُونَ في هذه المسائل، ومنْ ثمَّ يكون اختلافُهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أنَّ تغير الفَتْوَى كَمَا يقولونَ بتغير الزمَان والمكَانِ، لكنَّ الصحيح ماذا؟، الشريعة الإسلامية ثابتة، لِمَ؟... {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا} [الجاثية: 18].

فَهَذِه آية تدُلُّ على وجوب اتِّبَاعِ الشريعة الاسلاميَّةِ، وَهي ثابتة لثبوتِ دَلَائِلِهَا: الكِتَاب والسنَّة، وَهُمَا ثَابِتَان لَا يَتَغَيَّرَان وَلِهَذَا فَإنَّ أي تَغَيُّرٍ لَابُدَّ أَنْ يَدُورَ حَولَ مِحْوَرِ الكتاب والسُّنَّة أي: يَصِحُّ أنَّ الشريعة غير ثَابتة لو كانَ في نَسْخ، وَطَبعًا لَا يُوجَدُ نَسْخٌ بَعْدَ خَتْمِ الرِّسَالَة وَكَمَالِهَا بِمُحَمَّد صلى الله عليه وسلم فكَانتْ غَير ثَابِتَة، إذَا قُلْنَا قَبْلَ خمسمائة سَنَة كَانَ يَصْلُحُ للنَّاس الحكْمُ الشَّرْعِيُّ الفُلُانِيُّ الآن لَا يَصْلُحُ قَدْ يَحْتَاجُونَ للحُكْمِ الشَّرْعِيِّ المُضَادِّ له تَمَامًا، نَقُولُ هَذَا لَا يُوجَدُ في الشَّرِيعة الإسلاميَّة،كَيفَ؟!!...

انْظُرْ إلَى كَلَامِ العُلَمَاءِ مُنْذُ الصَّحَابة وإلَى اليَوم تَجِدُ أنَّ فتَاويهم لَا تَدُورُ حولَ حلْقَةٍ مُفَرَّغَهٍ بَلْ تَدُورُ حَولَ مِحْوَر وَاحِد،
مَا هو؟ نقول دَائمًا الرجُوعُ إلى دَلَائِلِ الكِتَابِ وَالسُّنّةِ إذًا الشَّرِيعَةُ ثابتةٌ، وَعَليه فإنَّ أيَّ قَولٍ أو أَيَّ فَتْوَى تُخَالِفُ الشَّرِيعَةَ الإسْلَامِيَّةَ أَيْ يخالِفُ نَصَّ الكتَاب والسُّنَّةِ فَهْيَ مَرْفُوضَة ولا تقبل التغير مَهْمَا تَغَيَّرَ الزَّمَان، وَالمكَانُ ، فإنْ قَالَ قائل ولكنَّ العلمَاء يَجْتَهِدُونَ نقول نعم!! يَجْتَهِدُونَ، وَلَكِنْ ضِمْنَ دَلَائل الكتَاب، وَالسُّنَّةِ، وَهَذِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُدْرِكَهَا طَلَبَةُ العلْمِ لأنَّ بعْضَ النَّاس يُخْطِئُ فيها؛ وَيَظُنُّ أنَّ القول بأنَّ الشريعة الإسلاميَّة يخْتَلِفُ بها الفَتْوَى إذًا الشريعة قابلة للتغير، نَقُولُ لَا غير قابلة للتغير، وَلِهَذَا لو جَاءَ أَحَدٌ ليقُولَ لَنَا نحن في عَصْرٍ تَدَاخَلَ فيه الاقْتِصَادُ العَالَمِيُّ، وغيره فَيَنْبَغِي أَلَّا يكون الرِّبَا حَرَامًا، يُقْبَلُ هذا أمْ لَا يُقْبَلُ؟

لَا يُقْبَلُ!!... لِمَاذَا؟!... أَي أَنَّهُ تَتَغَيَّرُ الشَّرِيعَةُ معَ تغير الزَّمَان أَو تَتَغَيَّرُ الفَتْوَى مَعَ تَغَيُّر الزمان لأنَّ الرِّبَا مُرْتبطٌ بدَلَائلَ صَرِيحة من الكِتَابِ والسُّنَّةِ، نَعَمْ قَدْ يَخْتَلِفُ العُلَمَاءُ في هَذِهِ القضيَّة هلْ يَقَعُ فيهَا رِبًا، أَو لَا يَقَعُ فيهَا رِبًا هَل تَدْخُلُ في هَذِهِ الصُّورَة أوْ لَا تَدْخل، لكنْ أنْ يتغير الحكْمُ كلُّهُ بتغير الزَّمَان فإِنَّهُ لَا يمكِنُ أنْ يكونَ.

بماذَا يُفِيدُنَا هذَا الشَّيء؟!

يُفيدنَا أَنَّ الشَريعة الاسلاميَّة سَتَبْقَى؛ وَلِهَذَا أُعْطِيكُمْ أَمْثِلَةً في وَاقِعِنَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا غير قَابِلَة للتغير مَهْمَا كَانت الأمُورُ.

المثال الأول: الصَّلَوَاتُ الخمسُ نَظَرًا لأَنَّ أَدِلَّتَهَا وَاضِحَةٌ مَهْمَا اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ في تَفَاصِيل أحْكَامِ الصَّلاة إلا أنَّ الصلوات الخمس ثابتة بركَعَاتِهَا، بأوقَاتِهَا إلى يوم القيامة لا يمكن تغيرها بتغير الزمان والمكان.

يأتي شَخْص ليقول أنَّ الشريعة تتغيرُ، لماذا لا تَتَغيرُ الصلاة؟! هل يمكن أنْ يَأْتِي وضْع مُعَيَّن لأنْ يَقُولَ بَدَلَ الخمس صَلَوَات نجعلهُمْ صَلَاتين؟! أَو بَدَل أنْ تكون صلَاة الفجر في هذا الوقت تَكُون السَّاعة التاسعة؟... لا يمكنُ؛ فَهَذَا ثَابتٌ وفي أمر من أمُورِ الشَّرِيعَةِ.

وَمِثْلُهَا الصِّيَامُ شيء ثَابت لا يمكن تَغْيِيرُهُ، ومثلُهَا الحج، ومثلها الزَّكَاةُ، وَنَتَبَيَّنُ بهذا أنَّ هذه الأشياء ثَابِتَة وإِذَا قَال قَائل أنَّ هذه العبادَات مشهورَةٌ، نَقُولُ ننتقل لأحكام أخرى، الحدُودُ: تَحْرِيم الرِّبَا، تحريم الخمْرِ، تَحْرِيم القَذْفِ، الأحكام الشَّرعيَّةُ المتعلِّقَةُ بالمواريثِ: ميراثُ الأمِّ، ميراثُ الأخت، ميراثُ الجدَّة، مَا الحكْمُ فيها؟ الحكم فيها ثَابت لا يتغير بتغير الزمان والمكان، فتبينُ بِهَذَا أنَّ ثَبَاتَ الشَّريعة الإسلاميَّة إنَّمَا هوَ لثِبَاتِ المَصْدَرِ مَا الذي جَعَلَ قضية الصلاة والصِّيَامِ قضيَّةً ثَابِتَةً لَا تَقْبَلُ تَغَيُّرًا؟ هو قوَّة المصدر، وهو الكتاب والسُّنَّةُ غير قَابلة للتَّغَيُّرِ.

منْ هُنَا يَتَبَيَّنُ لدينَا حقيقة في منهج الإسْلَامِ، وَأَسَاسِيَّةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِقَضِيَّةِ الثوابت والمتغيرات أساسها أنَّ الشريعة الإسلامية بَينَهَا وَبَينَ العَقِيدَةَ الإسلاميَّة تَلَازُمٌ أَي: أَنَّ الأحكام عندنا لا تَنْفَصِلُ عن العقيدة، وَالمنْهج العَلْمَانِيُّ الآن يُكَافِحُ منْ خلال أكْبَرِ متغير يسْعَى إليه وهو الفَصْلُ وَجَعْلُ العَلْمَانِيَّةِ مَقْبُولة، وَجَعْلِ التَّدَيُّن، وَالاعْتِقَادِ خَاصٌّ بالإنْسَانِ.

نَحْنُ عِنْدَنَا قَضِيَّة منَ الحيَاة بِأَحكَامِهَا المختَلِفَة، مَا هِيَ قضيَّة يَصْلُحُ فيها مَجْلِسٌ يُغَيِّرُهَا وَيُبَدِّلُهَا.
فِي المنهج الإسلاميِّ هذه الأشْرِعَةُ، وَالأنْظِمَةُ مَرْبُوطَةٌ بِعَقيدَةٍ، وَبِأُصُول، فَلَا يمكِنُ أنْ يَأْتِي في يَوم منَ الأيام ويقَال: يَا أيهَا المسلمونَ منْ يُرِيدُ أنْ يُصْبِحَ مُتَدِيِّنًا؛ فَلْيُصْبِحْ مُتَدَيِّنًا، وَأَنَّ الإنسان عنده عقيدَةٌ ويؤمن بالله وَمَلَائكتِهِ، وبكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ جَزَاه الله خيرًا، والمعاملات الأخرى في حَيَاتِهِ هذه أمُورٌ هو يحكمُهَا بأنْظِمَة وبقضايَا أخْرَى هذا لَا يكُونُ في المنهج الإسلاميِّ ولهذا قضيَّة الثوابت والمتغيرات أكْبَرُ قضيَّةٍ تُطْرَحُ اليوم في السَّاحَةِ هِيَ أَنْ تَكُونَ العَلْمَانِيَّة مَقْبُولَة عنْدَ المسلمينَ أي فَصْل الدينِ عن الدولة أو فَصل الدولة عن الحيَاة، المنهج الإسلاميِّ لَا يَنْتَقِصُ، ولهذا الآن تُوجَدُ دَعَوَاتٌ صَرِيحَةٌ لِهَذَا المَنْهَجِ.

كَأَنْ يقول قَائِلٌ: الصَّلَاةُ، الزَّكَاةُ، الصِّيَامُ، الحجُّ، المواريثُ، اتَّفَقْنَا عَليه، لكنْ هُنَاكَ مَسَائل يُقَالُ عَنْهَا أنَّهَا تتغير بتغير الزمَان، والمكَانِ.

سَأَضْرِبُ بذلك مَثَلَينِ:

1 - أُصُولِيٌّ.

2 - فَـرْعِيٌ.

المثال الأول ضَرَبتهُ لأنَّهُ يدورُ في هذه الأيَّام بشكل كبير هو أنَّ مَا يُطْرَحُ هذه الأيام وللأسف مِنَ التيَّارِ العلمَانِيِّ ويوَافِقُهُ أحيانًا التيارُ العصْرَانِيُّ وغيره...

يقول: هذَا أَّنُه يَنْبَغِي لنَا من خِلَال المتغيرات أنْ نَأْخُذَ بالقَوَاطِعِ منَ الدينِ وَنَتْرُكَ مَا عَدَاهُ مثال: ما هو موجود في أصولِ الفقه من مسْأَلَة سَدِّ الذَرَائِعِ فبعضهم يأتي، ويقول: سَدُّ الذَرَائِعِ هذه قضيَّة أنتم ضَيَّقْتُمْ فيها على النَّاس وأكثرتم فيها الكلام وحرَّمْتُمْ ومَنَعْتُمْ إلى آخره...، إلى حَدِّ أنَّ بعضهم دَعَا إلى إلغَاءِ شيء اسمُهُ سَدُّ الذَرَائِعِ، لَمَّا تَنْظُرُ إلى المسْألة تقول أنَّ الإنسَان والله فِعْلًا سَدُّ الذَرَائِعِ كَأَنَّ الفقهَاءَ ذَهَبُوا لِيُشَدِّدُوا بِهِ عَلَى النَّاسِ وهذا ليس بِوَارِدٍ، وَالشَّرِيعَةُ سَهْلَةٌ {لَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ} (1) شريعة الله ميَّسَّرَةٌ سهلةٌ.

إذًا هذا الكلام الذي يقولُهُ العُلَمَاءُ ليس من عندِهِم هذا الكلام جاءت أدِلَّتُهُ بالنصوص.

مِثَالٌ: مُنْبَثِقٌ من مَسْأَلَةِ سَدِّ الذَرَائِعِ، يَتَعَلَّقُ بالمرْأَةِ فيمَن يقول نحن لَدَينَا نَص في القرآن الكريم أنَّ العَلَاقَةَ بينَ الرجل والمرأة النص الصريح هو الزنا وأنَّ الزِّنَا حرَامٌ ونحن مُتَّفِقُونَ على ذلك.

ثم يقول هؤلاء: مَا دُمْنَا مُتَّفقين على الأصْل لكن لا تشْغَلُونا بسدِّ ذرائع هذا الأصْل كيف؟ الاخْتِلَاط لا يجوز، سفَرُ المرأة بدون مَحْرم لا يجوز، كشْفُ المرأة وجهَهَا لا يجوز.

قالوا: هَذِه من الذَّرَائِعِ التي تُشَدِّدون فيها ويجب أنْ تتغير الأمور من خلال الضُّغُوطِ الدَوليَّة والظروف العالميَّة... وإلخ.

فَيَجِبُ أنْ نَتَغَير فنحن في زمن المتغيرات، وفعلًا تطرح هذه القضية ثم تُطْرَحُ من المتغيرات، فيقال قضية سَدِّ الذَرَائع هذه ليسَتْ اخْتِرَاعًا اخْتَرَعَهُ أحدٌ من الناس سواء كان عالمًا من علماء الإسلام أو غيره، سدُّ الذرائع هذه مَنْصوصٌ عَلَيهَا يَعني كَمَا جَاءَ النص في قول الله عز وجل: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى} [الإسراء: 32] وجَاءَ النص الصحيح عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ» (2) هذا نَصٌّ وهذا نَصٌّ، لماذا لا يخلون الرجل بإمرأة؟ مِن باب سدِّ الذَرَائع، «وَلَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» (3) لماذا؟... نص عن النبي صلى الله عليه وسلم، إذاً الكبائر المتَعَلُّقَة بسدِّ الذريعة هي منصوص عليها وَيَقِيسُ العلماءُ عليها مَا هو مثْلهَا أَو أولى منْهَا، إنَّ هذه الشريعة الإسلامية شَرِيعة متكامِلَةٌ متناسِقَةٌ وعلى هذا حين جاءَنَا من هذا الطَرْحِ الذي يقول نَأْخُذُ بالقَاطِعِ ونَتْرك ما يؤدِّي إلى كَمَا يُقَال تشديدات أو غيرها تحت ما يُسَمَّى بسدِّ الذَّرَائع، نقول هذا كَلَام كَذِبٌ.

مثال: في باب الشِّركِ: يقولون أنْتُمْ فَرَّقْتُمْ بينَ النَّاس؛ بِنَاء القبور حَرَام، والسفر لزيارة القبور حَرَام!!، والتَّبَرُّك بالقبور حرَام!!، كُلُّ شيء حَرَامٌ..حَرَامٌ!!، ولماذا قالوا سدَّ ذريعة الشرك هذا من عندكم، نقول كلاَّ حرَّمَ الله الشركَ وأيضًا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عَن ذَرَائِعِ الشِّرْكِ، نَهَى عَنِ الصَّلَاة في المقْبَرَةِ، نَهَى عنِ البِنَاءِ عَلَى القُبُور، نهَى عنْ اسْرَاجِهَا والمتَّخِذينَ عَلَيهَا المساجد، لماذا؟، سدُّ ذرائع الشرك لله عز وجل، فيتبينَ بهذا أنَّ هذه الشريعة كامِلَةٌ وليس بمنْ يَطْرَح في السَّاحَةِ الإسلامية فتح باب المتغيرات ما ينفع هذه الأمة ضِدُّ عدوهم، وإنَّمَا يفتَحُ ما يفتَحُ شهيَّة عدوِّهم عَلَيها الطرح العصْرَانِيَّ هذا الذي ذَكَرْنَا أمثلتَهُ قبلَ قَلِيل، هؤلاء يظُنُّونَ أنَّهُم يُعَالِجُونَ الوَضْعَ أمَامَ الهجْمَةِ فنقول كلَّا أنتم بهذه الطريقة الانهزاميَّةِ لا للإسَلام نَصَرْتم وَلَا للغَرْبِ كَسَرْتم؛ لأنَّ الغربَ إذَا رَأَى مِنَّا تَنَازلات فسيقول هانَ عليهم، دِينهم، عندهم قابِلِيَّةٌ للتَّنَازُلِ، ومن ثمَّ سَيُطَالبون بالتَّنَازُلِ أكثر فأكثر، وَكَمَا قال الله عز وجل: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120].

أعود إلى مثال جُزْئيٍّ كثيرًا ما يُطْرَحُ في باب المتغيرات في فَتَاوَي العلماء ويقولون تغير الفتوى مع تغيِر الزَّمَنِ هنا مَا الذي يتغير؟ هل الذي يتغير الحكمُ الشرعيُّ أَو الذي يَتَغَيَّر الواقعة؟

نعلم أَنَّ أَيَّ حُكْم شرعي لابُدَّ فيه للعالم والمفتي من شيئين:

1- العِلْمُ بالحكمِ الشَّرْعِيِّ.

2- العِلْمُ بالوَاقِـعِ.

العلم بالحكْمِ الشَرْعيِّ إذا كان عالمًا مجتهدًا فَهَذَا كَمَا قُلْنَا قدْ يَجْتَهِدُ وقد يختلفُ العلماء منذُ السَّلفِ وهذِهِ ليسَتْ جَدِيدة، مَا عِنْدَنَا اليوم مسْألة جديدةٌ لَمْ نَتَكَلَّمْ عَنْهَا فيما سَبَقَ، إذًا مَا الذي يقع أحيانًا في تغير الفَتوى مع تَغَيُّر الزَّمَان وَالمكَانِ؟... هُوَ تغير الوَاقِعَة، الحكم الشَّرعيُّ لَا يَتَغَيَّرُ.

مثَالٌ: الكَلَام في الغِنَاءِ والمَعَازِفِ علَى قول أكْثَرِ العلماء أنَّه حَرَامٌ وهناك قَول أنَّهُ مبَاحٌ ولكنَّهُ مرجُوحٌ واضحُ الخِلَاف، متى كان هذا الاخْتِلَاف؟ قبل مئات السِّنين إذ لا يأتي شخص ويقول أنَّهُ اسْتَجَدَّ الخِلَاف هذا خلاف قديم، إذًا القول الراجح بأدِلَّتِهِ أنَّ الغناء والمعازف حرَام هذا القول الراجحُ، هل هذا الحكم يمكنُ أنْ يَتَغَيَّرَ؟

وَمِثَالٌ على علمائكمْ، ومشايخكمْ، الذين لا يَفْهَمُونَ، وَلَا يفْقَهون وأنَّهمْ يشَدِّدون ثم يتبينُ بعد ذلك الحق ويتراجَعُونَ: لَمَّا دَخَلَ الراديو قبل خمسين سنَة أَفْتَوا بِأَنَّ الرَّاديو حَرام ثم مَا مَضَى عُشرون سنة إلَّا والمَشَايِخُ يأتُونَ بالرَّاديو، يَعْنِي تَغَيَّرَتْ الفَتْوَى، كَانَ حرامًا ثم أصبح حَلَالًا.

نقول في الجواب على هَذَا: الفَتْوَى لَمْ تَتَغَيَّرْ، لَمْ يقُولوا المعازف حَلَال، والغناءَ حَلال ولَكَنَّ الذي تغير الرَّاديو، أوَّل مَا نَشَأَ قبل خمسين سنَة كَان الراديو يساوي الموسيقى لا يوجد به قرآنٌ، ولقد عَاشَرْنَا بِدَايَاتَهُ، فأي إنسان كان عنده راديو مَعْنَاه إنسان يسمع أغاني، من كان عنده رَاديو لا يسمع منه إلا الأغاني أي إذَاعة تبحثها ما فيها إلا أغاني حتى وإنْ كان فيه أخْبَار خمس دقائق ثمَّ يَتَّبعُهَا أَغَانِي، فَمَنَعُوا من ذلك بأنَّ هذا الراديو لا يستخدم إلا لِسَمَاعِ الأغاني، فلَمَّا تغير الأمرُ وصارت هذه الآلة يمكن أنْ نَسْتَخْدِمَ بِهَا إذَاعَةً سَلِيمَةً، وآلة التسجيل يمكن أنْ نُسَجِّلَ بهَا تسجيلًا سليمًا تَغَيَّرَتْ الفَتْوَى.

إذًا تَغَيَّرَ الحكمُ الشرعيُّ؟! أمْ تَغَيَّرَتِ الوَاقعة؟! بلْ تَغَيَّرَتِ الوَاقِعَةُ.

مثِاَل آخر - وكثيرًا ما يُدَنْدِنُ حَولَه بعض الكُتَّاب وأنا أضْرِبه حتى تَتَّضِحَ الصُّورَة- قَالوا: لَمَّا جَاءَ تَعْلِيمُ البَنَات كثيرٌ من المشايخ قالوا: حَرَامٌ!!، وَمَنَعوا من ذلك، ثم بعد ذلك تَغَيَّرَتْ فَتْوَاهم وصاروا يُدْخِلُونَ بَنَاتهم في مدارس البَنَات والحقيقة ليست الصورة هكذا، لَمَّا جاءت بدايات قرارِ إنشَاء تَعْليم البَنَاتِ لَمْ يكُنْ بالعالم العربيِّ إلا تعليم مختلط مُدَبْلَجٌ، لَمْ يكُنْ عندنا في القرى إلا تعليم في البيوت عَجَائز يعلمنَ النِّسَاء بالبيت أحيانًا الخط، والكتابة، وَأَحيانًا آيات من القرآن الكريم هذا النوع الذي كان موجودًا آنذاك.

وَكَانَ في البحرين والكويت، وَمِصرَ وغيرها متَبَرِّجَاتٌ؛ وَلِذَلِكَ العلَمَاءُ وَقَفُوا، وَقَالوا: لَا يمكنُ وَشَدَّوا في ذَلِكَ وَفَّقَهُمُ الله فَكَانَ مِنْ بَرَكَاتِ هَذَا الشَدِّ أنَّه فُتِحَتِ المدارس بأقصى ما يكون من الشروط والبيوت التي ما زال إلى الآن نُشَاهد والحمد لله أَثَرَهَا الطيبَ.

فلمَّا تَبَيَّنَ أنَّ هناكَ تَعليمٌ منضبطٌ لا يكون فيه مِثْل تلك الفَوضَى الموجُودة في البلاد إذًا المشايخ رَأَوا أنَّ الأمر قد يكون صَائغًا، إذًا ما الذي تغير؟

الذي مَنَعُوا منه في البداية هو صور التَّعليم المخْتَلِطِ وَلَا يَزَالُ إلى الآن صور التعليم المختلط إلى الآن مرفوضَةً، وما قَام به طلبة العلم وغيرهم من الوقوف أمام الدَّمْجِ؛ خَوفًا من التعليم المخْتَلِطِ حيثُ لا يُهِمُّهُمُ الميزانِيَّاتُ أو المباني أو غير ذلك، كلُّ هذه الأمور لَا تُسَاوي عنْدَ المشَايخ قُلَامة ظُفْرٍ، لكنَّ الذي كان يقلقُهُمْ هو أنَّ هذا التغير وهذا الدَّمْج يؤدي إلى ما كان يحلم به كثير من العلمانيينَ، يجلس الطالب جَنْبَ الفَتَاة.

ضَوَابِط المُتَغَيرَات:

وعلى هذا يَتبَيَّنُ لدينا أنَّ هذه المتغيراتُ عنْدَنَا تُضْبَطُ بِضَابِطَينِ دَقِيقَينِ أَعْنِي بِهِمَا الأحكام الشَّرْعيَّ:

أولًا: مَصْدَرِيَّةُ الكتاب والسُّنَّة هذه دائمًا كالشمس، والقَمَر فوق رؤوسنا لا يمكن أنْ نَتَخَلَّى عنهُمَا، يعني: أَيَّ حكم أو أي قضِيَّة شرعية مَرَدُّهَا الكتاب والسُّنَّة.

الثاني: أنْ يكون الاجتهاد القائم على مثل هذه المسْتَجَدَّات قائم على منهج صحيح هو منهج الأخذِ بالدليل والترجيح بالمرجَّحَات الصحيحة وليست الفوضى التي يراد فيها من كل قَول شاذٍّ أو غيره أنْ يتَحَول إلى حكم شرعي يُفْرَض على الأمة ولو كان مخالفًا لدليل من كتاب أو سنَّة، إذا وُجِدَ فأيُّ مسْألة مستجِدَّة لَا يُوجَدُ أي إشْكَال فالأمة الإسلاميَّة حتى لو كان بتقسيم بعض المجامع العلميَّة أو غيرها فإنَّه من الممكن أنْ يَتَدَارَكَهَا هذا النقص، حيث أَنَّهُ لَا يوجَدُ أي مشْكلة في أنْ يَلْتقي العلماء في أي مسألة تسْتَجِدُّ وينْظُرُونَ فيها من خِلَال واقِعِهَا، من خلال معلومَات المتخصصين فيها سواء كانت طبية أو تقنية أو غيرها، لكنَّ طَرْحَ المتغيراتِ بهذه الصُّورَة التي يبحثُ عندَ كل شُذُوذ وكل قول ليس عليه أي دلِيل وكل فتْوَى مخالفه لدليِل صريح لتجعل هي التي تَسُود، نقول: كَلَّا، هَذَا في المنهج الإسلامي غير مقْبول وإنْ كُنَّا نَرْفُضُ العلمانيَّة وهذا واضحٌ جدًّا؛ لأنَّهُ عندنا لا انفكَاكَ بين الشريعة والعقيدة وأصولهما فكذلك أيضًا يجب أنْ ترفُضَ هذه الفوضى في الفتاوى.

وأختم بأنَّ الله عز وجل أمَرَنَا باتِّبَاعِ سَبِيلِهِ وَالسَّير عَلَى هذا الطَّريق: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [سورة الأنعام: 153]، ونبينا صلى الله عليه وسلم لَمَّا أخْبَرَ عن الافْتِرَاق والاخْتِلَافَ وهو أعْظَمُ المتغيرات، يعني وُجُود الرَّافِضَة والقَدَرِيَّة والجهمِيَّة، وَالصُّوفية وغيرهم من أهل البِدَع أعظم من وجود صنَاعات اليوم أعظم، الرَّسول صلى الله عليه وسلم لَمَّا أَخْبرنا عنْ أعْظَمِ المتغيرات في تاريخ هذه الأمة وهي متغيرات الفِرَق قال صلى الله عليه وسلم: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ» (4)، إذاً الأمة مأمورة بالسير على منهاج نبينا صلى الله عليه وسلم مهما تغير الزمان والمكان، فَنَحنُ كَمَا أنَّ الطيَّار والطبيب والمهَنْدِسُ الذي دَرَسَ في أَرْقَي الجَامِعَات الغَرْبِيَّة، كَمَا أَنَّهُ في تَخَصُّصُهِ الدَّقيقِ العِلْمي الحديث هو نفسه ما يَتَخَلَّى عَنْ صَلَاتِهِ وَلَا عَنْ صِيَامِهِ فكذلك أيضًا بالنسبة لمجمَلِ هَذِهِ الأمَّة، يُمْكِنُ لَهَا أنْ تَتَقَدَّمَ، وَتَتَطَوَّرَ وَلَا تَتَخَلَّى عَنْ دَعْوَتِهَا إلى الكتاب والسُّنَّة.

أختمُ بأنَّ البَعْضَ يقول في الدَّعوة إلى منهج السَّلَفِ هذه قديمة انتهت وتغيرت ندعو لمنهج السَّلَف وطريقة السَّلَف فنقول احْذَرُوا من هذه الدَّعوة، احْذَرُوا من هذه الدعوة أشَدَّ الحَذَرِ، منهج السلف طريقَةُ السَّلَفِ التي أَمَرَنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم بِالسَّيرِ عَلَى مِنْهَاجَهِمْ «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» (5)، هذا أصلٌ باقٍ إلى قيام السَّاعة، هَلْ يَتَعَارَضُ مَعَ تَقَدُّمنا؟... هَل يَتَعَارضُ مع عُلُومِنَا؟!!

لَا والله لَا يتَعَارَضُ، هل إيمَانُكَ بالأسماء والصفات وتعظيمك لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يَتَعارَضُ معَ كونكَ متقدمًا وَخَبيرًا بالكُمْبيوتر؟

لذَلك هذه الخُزَعْبَلَات ونحو ذلك يَجِبُ ألَّا يَخْطرَ بِبَالِ طَالِبِ العلْمِ، مصْدَرِية الكِتَاب والسُّنَّة باقية إلى قيام الساعة، الرُّجُوع إليهما عند الاخْتِلَاف إلى أنْ يَرِثَ الله الأرضَ وَمَا عَلَيهَا، عقيدة السلف الصالح الذي يَنْبَغِي أَنْ نَدْعُوا إلَيهَا وأَنْ نَتَمَسَّكَ بِهَا باقية مَهْمَا تَغَيَّر الزَّمَان والمكان، المنهَجُ الصَّحيحُ بِطَريقَةِ الاسْتِدْلَالِ، وَالفَتَاوَى وَالتَّرْجِيحِ باقية لَمْ تَتَغَيَّرْ أَبَدًا.

أَسْأَلُ الله عز وجل أَنْ يُوَفِّقَنِي وَإِيَّاكُمْ، وَصَلَّى الله، وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلهِ، وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ .

المراجع:

المحتويات
موضوع صفحة
مقدمة .................................................. ........................
خطورة الكلام على قضية الثوابت والمتغيرات .......................
ثوابت المصدر .................................................. ............
الأصول العقدية .................................................. ...........
شهادة أن محمد رسول الله .................................................
ضوابط المتغيرات .................................................. ........

(1) [صحيح] أخرجه البخاري (39) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(2) [صحيح] أخرجه الترمذي (2165) من حديث ابن عمر رضي الله عنه. وصححه الشيخ الألباني كما في المشكاة (2 / 62 / ح 3118).

(3) [صحيح] أخرجه البخاري (3006)، ومسلم (1341) واللفظ لمسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنه.

(4) [صحيح] أخرجه أبو داود (4607)، وابن ماجه (42) من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه. وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (2549).

(5) [صحيح] تقدم من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه.



اضف تعليقك

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3140 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3477 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3553 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟