نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

أرقم الصغير
28-10-2010 4360   
   
عدد مرات التحميل : 2

أرقم الصغير

 

"أرقم" طفلٌ في الثالثة من عمره - كما قدَّرت - قابلناه في أحدِ المطارات؛ حيث كُنَّا نجلس بعد الصلاة في المُصَلَّى، بانتظار الإعلان عن رحلتنا التي تأخَّر مَوعِدُها، طفلٌ من جنسية إفريقيَّة، لا أدري ما هي بالضبط؟ ولكنَّ سَحَنَتَه السَّمراء ولهجته كانتا تُوحيان بذلك، طفلٌ في غاية الحيويَّة والنشاط، كثير الحركة، وشديد الابتسام، تنفرج شفتاه عن أسنان بيضاء كبيرة، يَشْهَق بفرح، ويتقافز في كل أنحاء المكان.

أمضينا في المكان ما يُقارِب الساعتين، وهذا الطفل الضَّحوك لم يتوقَّفْ عن ضَحِكاته الجميلة قطُّ، ولا أقول: "قطُّ" مجازًا، بل حقيقةً لم يتوقف قَطُّ قَطُّ، "ما شاء الله، لا قوةَ إلا بالله".

مذهل هذا الأرقم الصغير، ذكي يُصغي بانتباهٍ عندما تتحَدَّث إليه، ويُردِّد كلماتك، ويسألُ ولا يتوقف أبدًا عن السؤال، ويضحك بشِدَّة وهو يكرر ما تقوله له، أو ما فهمه منك، ويَسْعَدُ بأنَّه استطاعَ الوصول إلى فهمك.

كان يسألُ عن الأسماء، ثم يلفظها لفظًا خاطئًا، ثُمَّ يَضحَك من خطئه، ويعيد نطقه الخاطئ محاولاً تصحيحه، ثُمَّ يغرق في الضحك، لم يكن طفلاً غَبِيًّا، بل كان الذَّكاءُ باديًا جدًّا عليه؛ لأَنَّه يُحاول أنْ يَتعَلَّم، ويسأل ويُردِّد، ويُصغي، ويفتح عينيه بدهشة، ويحدق بك مُحاولاً الفهم.

كُنَّا في غاية السرور ونحن نتبادل معه الأحاديثَ، ونسأله عن اسمه وأهله، فأجاب: (ماما تعبانة)، وأشار إلى امرأة قد توسَّدت يدها، ونامت في إحدى زوايا المُصَلَّى بانتظار رحلتها - رُبَّما إلى بلدها - ويقبع إلى جوارِها كيسٌ كبير تظهر مُحتوياته، التي لم يَتَّسِع لها، فأطَلَّت بأجزائها من فوهته غير القابلة للإغلاق.

أشار أرقم إلى الكيس، وهتف بفرحٍ: اشتريتُ ملابسَ، وذهب باتجاهه، وحَشَرَ رَأْسَه فيه، ثُمَّ أخْرَجَ منه "طاقية"، ولبسها وهَزَّ رأسَه، وهو ينظر إلينا، ويَشْهَق فرحًا أنِ انظروا ماذا اشتريت؟ ثُم أعادها وحشر رأسَه ثانية، فأخرج هذه المرة نعلين صَغِيرين جديدين، وصَفَّقَ بأحدهما، وضَحِكاته تتردَّد في الأرجاء، وهو يُردِّد: اشتريتُ، اشتريتُ... ويَمطُّ الضمةَ على آخر الحرف، فكأنه يقول: "اشتريتو".

ثم حشر رأسه ثالثة، وأخرج قميصًا صغيرًا، كان فَرِحًا بمشترياته جدًّا، مع أنَّه لم يكن بينها أيُّ لعبة.

لَمْ أَرَ طِفْلاً في فرح هذا الطفل بتلك الأشياء القليلة البسيطة، التي كانت عالَمًا من الفرح بالنسبة له، وكأنَّه حاز كنوزَ الدُّنيا.

تَمنَّيْتُ لو أنَّ أطفالَنا يفرحون بما نُقدِّمه لهم من أشياء، كما يفرح هذا الطفل الصغير بأشيائه الصغيرة.

كان أرقم يتحدَّث اللُّغتين: العربيةَ، والأخرى الإفريقية، ويَسألُنا عن الأشياء بالعربية، ثُمَّ يذهب إلى أمه؛ ليُحدثها باللغة الأخرى.

ما لبث أنْ وجد دبوسًا للشعر، كالذي تثبتُ النساء به أغطيةَ رُؤوسهن, وجده ساقطًا على أرضِ المُصَلَّى، رُبَّما سقط من إحدى النساء أثناءَ الصلاة ولم تتنبه له، فأسرع به إلى أُمِّه، وأخذ يشير إلى غطاء رأسِها ويهزه، ويتحدث بلغته، رُبَّما لِيُفهِمها ما هو؟ وما يَجب عليها فعله به.

كان الطفل أرقم لافتًا لكلِّ الموجودين، وينظرون إليه، ويَبتسمون لابتساماتِه، فنشر بسروره السرورَ على كلِّ مَن في المكان، ولم ينزعج من ضحكاته العالية أحد.

أدهشني أنَّه لم يُغادرِ المكانَ، بالرَّغمِ من غياب الرقابة من أمه، التي ربَّما أجهدها الانتظار فنامت، ولم يقترب من الباب إلاَّ لإعادةِ طفلةٍ صغيرةٍ ابتعدت عن أمِّها باتجاهِ الباب، فأسرع صارخًا: لا، لا، وحملها عائدًا بها إلى أُمِّها تسبقه ضحكاته العالية، لم يكن بحاجة إلى التهديد والتخويف، كما نفعل عادةً لإبقاء أبنائنا بقُربنا في الأماكن العامَّة، فكيف فعلت تلك الأم وهي نائمة؟

لم يبتعد ابنها أبدًا عنها مع صغر سنِّه، لم يغره شيء؛ لينطلقَ خارجًا رَغْمَ كَثْرَة المُغريات بالخارج، وكُلُّكم يَعْلَم صالات المطارات، وما تعج به من مَحَالَّ و"أكشاكٍ" للبيع، يتعلَّق أبناؤنا بها، ويُحرجوننا ويجبروننا على أن نبتاعَ لهم منها.

يقول أرقم: إنَّه طفل وحيد، ليس لديه إخوة، وربَّما كان لهذا أثرٌ في شخصيته، وتركيز اهتمام والديه به.

أتصور أنَّ العنايةَ بِمثله كفيلة بإنتاج فردٍ فريد، إن نال ما يستحق من الاهتمام.

كلنا كان يُرهقنا ويُزعجنا الانتظار، ونَعُدُّ الدقائق، وننظر إلى الساعات عَشَرَاتِ المرات، ولكن أرقم لم يُبالِ بالوقت الذي مر، وأمه اكتفت بتوسُّد يدها، والاستسلام للنوم، الذي لم نذق طعمَه من البارحة قلقًا وخوفًا من أن تفوتَنا الرحلة، التي لا نعلم إنْ كنا سنستقل طائرتها أم لا.

ولم نوكل أمورنا لما قُدِّر لنا كما فعلت تلك المرأة.

ليت كلاًّ منا يدع همومَه وهواجسَه جانبًا، ويستسلم لما قَدَّره الله له، إِذًا لفرح فرحَ أرقم، ونام قريرَ العين كأمِّ أرقم.

إنَّنا نغرق في هُموم المستقبل قبلَ أنْ نَطأه، ونسحق أرواحنا وأجسادنا في التفكير، والعد، والحساب، والتخطيط، والتنسيق، ثُمَّ يأتي القدر؛ ليُهدَم كُلُّ ما بنيناه، ونبدأ من جديد، ولو آمنا بأن لن يصيبنا إلاَّ ما كتب الله لنا، وأَنَّ ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن - لأَرَحنا أنفسَنا من كثير من الهموم.

كَذَبَ مَن صَوَّر الفُقراءَ في القصص والرِّوايات بالتُّعَسَاء الناقمين على الحياة، بل هم أناس في أشد حالات القناعة والرِّضا والاستقرار، لا يشغلُهم همُّ الغد، ولا فقر الأمس، يعيشون اليومَ ويدعون الغد للغد.

ليس الفقر سببًا للتَّعاسة والشَّقاء، كما يَظُنُّ البعضُ، فأفراحنا تنبع من داخلنا، وليس من الخارج.

الطفل الفقير ينتشي حتى الانفجار بحذائه الرخيص، والطفل الغني يَبكي حتى الموت؛ لعدم حصوله على أحدث الألعاب!

ومع أنَّ هذا الطفلَ رُبَّما لا يكون فقيرًا جِدًّا، إلاَّ أنَّه ليس غنيًّا قطعًا، فمَلابسه وأمه وأكياسهما ومُحتوياتها لا تُوحي بذلك.

لكن ما لا أشك فيه أنَّه طفل راضٍ، رُبَّما علمته الحياة التي يعيشها أنَّ في الحياة أمورًا أهمَّ من الحزن والغرق به.

لا أحَدَ يعلم ما أحلامه؟ ولا ما يتردد في فكره، سوى أنَّه ينظر ويتأمل، ثُمَّ يشهق ضاحكًا؛ لأنَّه فهم شيئًا جديدًا، وهذا كافٍ في نظره للفرح، فما الذي يُفرِح أطفالنا؟!

إحداهُن تُشعِر أبناءها بالتَّعاسة الجمَّة، وبأنَّهم أسوأ الأبناء حَظًّا في الحياة؛ لأنَّها لم توفر لهم الإصدارَ الأخير من جهاز"play station".

وآخرون يقولون لوالديهم: أنتم "لا تحبوننا"؛ لأنَّهم لَم يُغيِّروا لهم أجهزةَ الجوالات، التي اشتروها لهم العام المنصرم لأخرى حديثة من إنتاج هذا العام.

ما الذي أفقد أبناءَنا الفرح؟

نحن.

نعم، نحن من جلب لأبنائنا التعاسَةَ؛ لأَنَّنا لم نُعلمهم القناعةَ والرضا، وأنَّ ما في أيدي الناس ليس بالضَّرورة أنْ يكونَ بأيدينا، حتى لو لَم يكلفنا الحصول عليه شيئًا.

نَحن سبَّبنا لهم التعاسةَ بمُحاولتنا إسعادَهم بتوفير كُلِّ ما في الحياة لهم، فلَمْ يَعُد يُسعِدُهم شيءٌ منها.

بل تعلقت أنفسُهم بملاذِّ الحياة ومشتهياتِها، وانصرفت عن الغايات الأَسْمَى فيها.

والنفس كلما ألفت شيئًا مَلَّتْه، وتاقت لغيره، وطمعت فيما ليس لديها، ولكنَّك متى قبَّحتَ إليها هذا الفعل، قبَّحَتْهُ، ومتى هذبتها تهذبت، ومتى جوعتها، جاعت، ومتى أغريتها، انساقت، ومتى أطلقتها، انطلقت.

لو علمناهم الفرحَ بالموجود والموفور، ولو عودناهم الرِّضا بالميسور، لكانوا كالصغير أرقم في شِدَّة فرحه بمشترياته.

إنَّه طفل باختصار في غاية السَّعادة والرضا.

لا يهمُّه أن يسكن في قصر أو قبر، ليس من هموم الحياة في جَوْفِه شيء، تلك الهموم التي تعمل نصلها في أجساد أبنائنا وعقولهم، فتذوي قبل الشباب، وتَمتلئ تصوراتُهم عنها بالكدر، إنَّنا نغرس البذرةَ، ونسقيها ونرعاها، فإن أحْسَنَّا إنباتَها، نبتت نباتًا حسنًا، وإلاَّ فسدت.

كم من الأبناء أضحت صُدورهم ورُؤوسهم كالبيوت الخربة، تعصف بها الرِّياح، وتصفر في جنباتها.

الحزنُ أضحى -تقريبًا- سِمَة أغلب شبابنا، تَجده حزينًا مهمومًا، تَجثو جبالٌ من الهم على صدره، وإن سألته: ما بك؟ أجاب: هموم الحياة، وما الذي يهمك؟ لم يشترِ لي والدي، ولَم تقدم لي والدتي، ولَم أنل كذا، ولم يَحصل لي كذا.

كل هذا لأَنَّنا لم نعلمهم الرِّضا.

سألت إحدى النساء أخرى: هل تشعرين أنَّ أبناءَك سعداء؟

فأجابت دون تردد: نعم.

ثم أردفت: أظنُّ ذلك، ثم بصوت هامس قالت: لا، في الواقع لا أعلم إن كانوا سعداء... دائمًا أرى في أعيُنِهم حيرةً، وفي وجوههم قلقًا.

لم أسألهم يومًا إن كانوا سعداء، لكني عندما أقضي معهم يومًا حافلاً بالنزهات، والهدايا، والألعاب، ومختلف المشتهيات من الأطعمة والأشربة، ثُمَّ أسألهم إن كانوا فرحين يردُّون: لو صار كذا، لكنا فرحنا!

لا أشعر بأنَّ شيئًا مِمَّا نقدمه لهم يفرحهم، أو تدوم فرحَتُه على وجوهِهم، بل تنتهي بمجرد انتهائه.

فردت الأخرى: وأبنائي كذلك!

وكم منا مَن أبناؤه كذلك!

وكم من المفاهيم في داخلهم يَجب أن تتغير؛ ليشعروا بالسَّعادة لأبسط الأشياء، كالطفل أرقم الذي لا تحتوي أكياسه على أيِّ لُعبة، ومع ذلك لا يتوقَّف عن الضَّحِك أبدًا.

أستطيع أنْ أجزمَ بأنه طفل سعيد، رغم ضيق العيش وعُسره؛ لأنَّ والديه علماه - فقط - كيف يكون سعيدًا بما هم عليه؟


حفظه الله لوالديه، وبلغهم به أعلى المراتب.

شريفة الغامدي


موقع الألوكة

 


اضف تعليقك

تعليقات الزوار

احمد

مقال رائع وارقم اروع ما شاء الله

2011-07-05 00:00:00


نعم :: N3M

روعة.. جزاك الله خير وأقر عينيك بصلاح أبنائك

2011-01-14 00:00:00


روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3145 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3488 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3563 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟