نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

حسابات قبل نصرة الأسيرات
2-10-2010 1413   
   
عدد مرات التحميل : 5

حسابات قبل نصرة الأسيرات

 

تمر الأمة اليوم بمنعطفٍ تاريخي خطير، تداعت عليها فيه الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها، فمن شاء أن يهدم مساجدها هدم، ومن شاء أن يدنس كتابها فعل، ومن شاء أن يسب نبيها ويسخر من عرضه الشريف -صلى الله عليه وسلم- ولغ ولوغ الكلب فيه، حتى تسلط أذل الناس أكثر من عشرين يومًا يذبحون النساء والشيوخ والرضع، مما جرأ أقلية هزيلة في أكبر بلدٍ عربي مسلم أن تتسلط على رقاب أبنائه وتدخل في شؤونهم وتطاول عليهم وعلى مقدساتهم كأن هذا البلد وهذه الأمة غثاء السيل.

ولم يكن هذا ليحدث لو قامت الصحوة الإسلامية بواجبها اتجاه دينها وأمتها، ولكنها ابتليت بمفاهيم نفاقية تشربها البعض، وبأدوار إرجافية يقوم بها -أحيانًا- بعض من يدعي العلم ويتلبس لبوس الدعوة، وتحت بند (الحسابات) و(المصالح والمفاسد) تسللت هذه المفاهيم بدعوى الحفاظ على المقدرات، ومصلحة الدعوة، والخطوط الحمراء، وكانت النتيجة التمحور حول المصالح الشخصية، وعدم مناطحة الأوضاع المنحرفة ولو بكلمة، والمداهنة بقول الباطل في دين الله بدعوى المداراة، والثناء على أهل الظلم والفساد، والقول بعدم جدوى أي جهدٍ لمناصرة دين الله فلا مظاهرة ولا مقاطعة ولا ممارسة واقعية إلا أجهضوها حتى قتال اليهود ورميهم بالصواريخ ذموه وعابوه، فلا عجب -بعد ذلك- إن رأيتهم يتجولون في صحف النفاق أو على قنوات العهر يلمعون وجوه كالحة، ولا عجب إن رأيت شباب الصحوة في حالةٍ من التيه والسلبية لما أصاب موازينهم من خلل وقلوب بعضهم من وهن.

ولكي تتمكن الصحوة من التقدم بوعيٍ وحكمة لاستنقاذ المسلمات الأسيرات في أديرة الكنيسة يلزمها أولًا أن تضبط حساباتها على بوصلة الإيمان، لتتحرر من حب الدنيا وكراهية الموت، وأعرض هنا بعضًا من ثوابت الإيمان التي تنضبط بها الحسابات، وعلى ضوئها تقوم الأعمال، وبها يتنزل النصر بإذن الله:


أولًا: العقيدة الحية مصدر القوة الحقيقية:

وليس المقصود بالعقيدة علمًا جافًا ولا محض مسائل كلامية، ولكنها إيمانٌ بالله يُصلح القلب والعمل معًا فيغير الإنسان لتتغير به وجه الحياة.
فمن كانت عقيدته أن الأمر كله بيد الله، {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّـهِ ۗ} تيقن أن ما من صغيرةٍ ولا كبيرة في هذا الكون إلا بأمره، وأنه سبحانه هو من قدر هذا الصراع بين الحق والباطل، وأن النصر جميعه لله ولحزب الله، فيطمئن قلبه ويغشاه الأمن، قال تعالى في غزوة أحد: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ ۖ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّـهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّـهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّـهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154].

فمن صحت عقيدتهم من أهل الإخلاص واليقين نزل عليهم الأمن وغشيهم النعاس، ومن اختلت عقيدتهم من أهل النفاق ومن في قلوبهم مرض الذين لا يهتمون إلا بأنفسهم ومنافعها فيتلاعب بهم الخوف وتموج بهم ظنون فاسدة بأن الله لن ينصر دينه وعباده يرون الباطل جبلًا يستحيل إزالته أو التأثير فيه، ولكن الحقيقة التي لا يخالطها شكٌ أن الأمر (أي النصر) كله لله الذي بيده الأمر كله (الكوني والشرعي) ولدينه ولعباده الصادقين، وأن بناء الباطل أوهى من بيت العنكبوت.

فكيف يخاف المؤمن بعد ذلك قوةً بشرية زائلة؟! أو كيف يحرص على لعاعة من الدنيا زائفة؟!

إن هذه العقيدة هي التي جعلت إبراهيم عليه السلام يهزأ من قومه وقد اجتمعوا عن أولهم وآخرهم بكل عتادهم ومالهم لعلهم يظفروا منه بشيء فقال لهم: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّـهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ۚ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَـٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 81-82].

إنها العقيدة التي وعد الله أهلها بالكفاية والأمن والنصر والتمكين، قال تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّـهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّـهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 3]، وهذا وعدٌ رباني لكل من جمع قلبه على مولاه مع الأخذ بالأسباب أن الله كافيه، ولكنه سبحانه جعل لكل شيء وقتًا وتقديرًا فلا تستعجل أو تستبطئ، وتسلح مع اليقين بالصبر يكفيك الله أمرك كله.

هذه هي حسابات المؤمنين، فليحتمي كلاب النصارى بترسانة مزعومة من الأسلحة وليستقووا بقوى الكفر العالمي، فلن ينفعوهم أو ينصروهم وسيجعل الله كل ذلك وبالًا عليهم، ولن يوهن ذلك من عزائم المؤمنين فإن معهم الله سبحانه {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً} [الأنعام: 61].

فمتى لوحوا بأعوانهم أو حاولوا فقول المؤمنين: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّـهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51].
ولو ضاقت الأمور ولم يبد في الأفق للنصر ضوء قال المؤمنون: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّـهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1]، وَ: {سَيَجْعَلُ اللَّـهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق: 7].

هذه هي العقيدة التي علمها النبي -صلى الله عليه وسلم- لصحابته كما في حديث ابن عباس: «... واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» [رواه الترمذي، حديث صحيح].

هذه العقيدة هي مصدر القوة الحقيقي، وهناك مصدرٌ آخر تابعٌ لها وناشئ منها، إنه رباط الأخوة الذي يجمع هذه الأمة، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ* وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 62-63].

فبالعقيدة الحية تحيا القلوب وتتآلف، وبها تتكاتف الجهود وتتضافر، فيتنزل النصر من عند الله.


ثانيًا: يكفيني غرس فسيلة:

لقد أمر الله تعالى نوحًا عليه السلام أن يبني سفينة في وسط الصحراء دون ذكر السبب، فكان الملأ من قومه يسخرون منه، فلم يثنه عن بنائها بل رد عليهم فقال: {إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} [هود: 38].

ولقد ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» [رواه الألباني، صحيح].

وقال -صلى الله عليه وسلم-: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها» [رواه الألباني، حديث صحيح].

إن هذه الأدلة وغيرها تبني أعلى درجات الإيجابية والفاعلية.
فالفعل -غالبًا- يتفاوت بتفاوت النتيجة، ولكن في هذه الأدلة نجد أن الفعل المطلوب هو أعلى ما يمكن للإنسان فعله (100%) بينما النتيجة التي تظهر بالرؤية القاصرة المحدودة معدومة (صفر%) وهذه هي قمة الإيجابية والفاعلية، أن تعمل ما ينبغي فعله وإن لم يظهر لك في نظرك المحدود أثره.

فقول كلمة الحق عند السلطان الجائر أدعى ما يكون للقتل وقد لا يظهر للإنسان المصلحة من ذلك، وغرس الفسيلة عند قيام الساعة لا يظهر للإنسان مصلحة من ذلك، وبناء سفينة في الصحراء قد لا يظهر للمرء فائدته، ومع ذلك فالمؤمن الصادق هو من يقوم بالفاعلية المطلوبة والواجبة منه.

وشنودة الأحمق يراهن كالشيطان على عجز المؤمنين وينسى أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- علمنا أن نستعيذ صباحًا ومساءً من (العجز والكسل)، وهما عقبتي الفاعلية الكاملة والإيجابية المطلوبة.

ولقد فهم السلف هذا الأصل فقالوا: "الجماعة الحق ولو كنت وحدك"، فمنهج السلف قائمٌ على الفاعلية والقيام بالحق ولو منفردًا، لأن القيام بالحق في مثل هذه المواقف هو انتصار وحده.
وهذه الفاعلية يترتب عليها النصر وظهور الحق كقصة الغلام الذي قُتِلَ صاحبيه ولم يبق من أهل الإيمان -فيما يعرف- غيره، ومع ذلك هداه ما وهبه الله من إيمان في قلبه إلى بذل روحه لإيصال الحق إلى الناس، فآمن الناس.

وعلى نقيض ذلك فإن تأخر هذه الفاعلية المطلوبة سببٌ لتنزل العذاب وعمومه قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 25].
وهذا الأساس الإيماني ضابطٌ لكثيرٍ من الحسابات ومغلقٌ لكثير من مداخل الشيطان التي تستهدف فاعلية المؤمنين وإيجابيتهم.

ويظهر اضطراد هذا التأسيس الإيماني في جميع الحالات، في قوله تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ عَسَى اللَّـهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَاللَّـهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا} [النساء: 84].
فهي قمة الإيجابية وتغليق كل باب لإلقاء التبعة على الآخرين، إذ تحريض الآخرين مسؤوليتك أيضًا، ولا سبيل أمامك إلا القيام بالدور المنوط بك في نصرة دين الله.


ثالثًا: صبرٌ على الألم وثباتٌ بلا وهن:

ففي قوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّـهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّـهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104] قواعد محكمة ومعالم واضحة لا سبيل لحسابات صحيحة بدونها.

{وَلَا تَهِنُوا} قاعدة محكمة في التغلب على وهن القلب المستدعي لوهن البدن، المسبب للذل.

{فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ} قاعدة محكمة في البدء بالرد فالابتغاء مبادأة، وإلا ذهبت الهيبة وتجرأ الخسيس.

{إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ} تقوية للقلوب المؤمنة، فإنه يعيبها -والله- أن يكون الكافر أكثر صبرًا وجلدًا وتحملًا للألم منهم.

{وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّـهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ} قاعدة محكمة في اليقين فيما عند الله من الجنة والنصر.

{وَكَانَ اللَّـهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} قاعدة محكمة في أنه سبحانه عليم بحالكم وحالهم حكيمٌ فيما يقدره عليكم من ألم تستوجبون به ما ادخره لكم من نصر وعز.

إن هذه القواعد المحكمة تخاطب النفس البشرية ومكنوناتها فتعالج ما يخالجها من ضعفٍ أو وهن، وتستنهض فيها الشجاعة والإقدام، وفيها مواساة للآلام وتضميدٌ للجراح فيصغر كل ألم وتهون كل مشقة ولا يبقى شعورٌ بالكلل.
كل هذا محاطٌ بعقيدة إيمانية أن الله في أقداره عليمٌ حكيم، ويقينٌ فيما عند الله من ثواب ونصر.

يقول صاحب الظلال: "إنهن كلمات معدودات، يضعن الخطوط الحاسمة، ويكشفن عن الشقة البعيدة، بين جبهتي الصراع.

إن المؤمنين يحتملون الألم والقرح في المعركة، ولكنهم ليسوا وحدهم الذين يحتملونه، إن أعداءهم كذلك يتألمون وينالهم القرح واللأواء، ولكن شتان بين هؤلاء وهؤلاء، إن المؤمنين يتوجهون إلى الله بجهادهم، ويرتقبون عنده جزاءهم، فأما الكفار فهم ضائعون مضيعون، لا يتجهون لله، ولا يرتقبون عنده شيئًا في الحياة ولا بعد الحياة.

فإذا أصر الكفار على المعركة، فما أجدر المؤمنين أن يكونوا هم أشد إصرارًا، وإذا احتمل الكفار آلامها، فما أجدر المؤمنين بالصبر على ما ينالهم من آلام.
وما أجدرهم كذلك أن لا يكفوا عن ابتغاء القوم ومتابعتهم بالقتال، وتعقب آثارهم، حتى لا تبقى لهم قوة، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، وإن هذا لهو فضل العقيدة في الله في كل كفاح.

فهناك اللحظات التي تعلو فيها المشقة على الطاقة، ويربو الألم على الاحتمال، ويحتاج القلب البشري إلى مدد فائض وإلى زاد.
هنالك يأتي المدد من هذا المعين، ويأتي الزاد من ذلك الكنف الرحيم.

ولقد كان هذا التوجيه في معركة مكشوفة متكافئة، معركة يألم فيها المتقاتلون من الفريقين، لأن كلا الفريقين يحمل سلاحه ويقاتل.
ولربما أتت على العصبة المؤمنة فترة لا تكون فيها في معركة مكشوفة متكافئة، ولكن القاعدة لا تتغير، فالباطل لا يكون بعافية أبدًا، حتى ولو كان غالبًا! إنه يلاقي الآلام من داخله، من تناقضه الداخلي؛ ومن صراع بعضه مع بعض، ومن صراعه هو مع فطرة الأشياء وطبائع الأشياء.
وسبيل العصبة المؤمنة حينئذ أن تحتمل ولا تنهار، وأن تعلم أنها إن كانت تألم، فإن عدوها كذلك يألم، والألم أنواع، والقرح ألوان، {وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّـهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ} وهذا هو العزاء العميق، وهذا هو مفرق الطريق.
{وَكَانَ اللَّـهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} يعلم كيف تعتلج المشاعر في القلوب، ويصف للنفس ما يطب لها من الألم والقرح".

فهذه القواعد كافية أن تغير الحسابات، وتقلب الموازين، ويستحيل على الأمة المؤمنة إذا تحلت بهذه العقيدة أن تنهزم أو تتراجع.
وهذه القواعد فيها الرد على كل من يستقل الجهود، أو يراها جهودٌ مضنية ذات مردود ضعيف وضررٍ كبير، فمثل هذه النفسية مهزومة قبل أن تقدم شيء، ولن يقدم صاحبها شيئًا لدين الله حتى يتغلب على هذه النفسية ويتحلى بالإيمان العميق.

فيا عباد الله اثبتوا: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ* إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ} [آل عمران: 139-140]، {وَاللَّـهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 35].

واستعينوا بذكر الله كثيرًا، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّـهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45].

واعلموا أن: «النصر مع الصبر والفرج مع الكرب وإن مع العسر يسرًا وإن مع العسر يسرًا» كما قال -صلى الله عليه وسلم- [رواه الألباني، صحيح].
{وَلَن يَجْعَلَ اللَّـهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141]، {وَاللَّـهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21]، وَ: {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200].


رابعًا: غايتي حيازة إيماني:

ما أكثر ما يسمعه المرء من شكاوى أبناء الصحوة من عدم الشعور بلذة الإيمان، وعدم التلذذ بالقرآن، وترى الأخ يقتني الأبحاث -عنهما- ويقرأها فلا تملأ الفراغ الذي يشعر به.

إذ كيف يحوز الإيمان من يرى رسوله -صلى الله عليه وسلم- يهان فلا يتحرك؟

وكيف يتلذذ بالقرآن من يرى أخواته المسلمات تستغيث: "يا مسلمون لا تردونا للكنيسة تفتنا عن ديننا" ثم يلوذ بالصمت المخزي؟

ألم يقل تعالى: {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّـهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ* فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ* فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّـهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [التوبة: 75-77]؟

فماذا ينتظر من يبخل على أخواته ومقدساته ولو بكلمة؟ وماذا يقول من عاهد الله إذا فتحت له أبواب الدعوة أن ينتصر لأمته فلما آتاه الله القنوات أعرض عن طرد المنتقبات وتسليم الموحدات للكنيسة خوفًا على مقدرات -لو شاء الله لأغلقها-؟

ولقد ذم الله المنافقين، فقال تعالى: {رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ* لَـٰكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ وَأُولَـٰئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ ۖ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* أَعَدَّ اللَّـهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 87-89].

فلماذا نرى من بعض أبناء الصحوة الرضا بأن يكون مع الخوالف؟، وكلما دعوته لمناصرة قد تعرضه لأدنى خطر فكأنك تقوده للموت أو الهلاك، كحال من مدحوا اليهود والنصارى تحت دعوى الخوف من الدوائر، قال تعالى: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ} [المائدة: 52].

ألا يخشى هؤلاء أن يطبع الله على قلوبهم ويذهب الإيمان منها؟ أم يظنون الإيمان دعوى بلا حقيقة؟
لذلك أقول لكل من ساهم في مناصرة الموحدات الأسيرات في الأديرة، فليكن هدفك حيازة الإيمان، وهو مرهونٌ بالخروج من حظوظ النفس، قال تعالى: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّـهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران: 92].

ويكفي هذا البذل والجهد والمشقة والصعوبة التي تقابلوها أن ثمرتها الهداية لسبل الإيمان والتمكين، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّـهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].
وهذه -أحبابي- هي صفقة الإيمان وبيعته مع الله، قال تعالى: {إِنَّ اللَّـهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّـهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111]، فكيف لأهل الإيمان أن يبخلوا بعد ذلك بجهودهم أو أموالهم وقد باعوها لمولاهم؟

أيها الإخوة الكرام هذا هو ميزان التفضيل الرباني بين عباده، قال تعالى: {فَضَّلَ اللَّـهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ} [النساء: 95]، أما العلم النافع فإما أن يجمع صاحبه معه العمل الصالح والبذل الصادق وإلا فصاحبه مذموم.

بل قال تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّـهُ الْحُسْنَىٰ ۚ} [الحديد: 10]، فالبذل والعطاء في حال الخوف والضعف ومع المشقة أعظم عند الله، خاصة وأن الحاجة إلى هذا الجهد في أول الأمر أشد.

فتنبه إلى هذا الميزان الإيماني وقارنه بموازين أهل البطالة الذين يبحثون عن صور الالتزام المريح وشرطه أن يكون بلا تكاليف، ثم يشتكون من ضعف الإيمان!

فلا يظنن أحد أن سكوته عن قتل المسلمات في الأديرة وتجرأ النصارى على سب الرسول -صلى الله عليه وسلم- وسعيهم في الأرض فسادًا لن يؤثر على إيمانه، فإن القيام بحق الله والبذل في سبيل الله فارق مؤثرٌ في الإيمان.

ولا يظنن أن ركعات في جوف الليل أو حضوره مجالس العلم تنفعه أكثر فإنها من جنس السنن، ونصرة المسلمات وفكاك الأسيرات واجب شرعي، وهو من واجبات الأخوة الإسلامية، والواجبات أحب ما تقرب به العبد إلى الله، كما أنها أمانة على كل من آتاه الله علمًا ومكنه من أي عمل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّـهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27].

فيكفي المناصر لأخواته المسلمات أداء الأمانة وتحصيل الإيمان، وكفى بذلك فلاحًا وفوزًا.

أما مع السكوت والإعراض فمظنة الوقوع في دنس الخيانة أو الطبع على القلب أو النفاق في القلوب جزاء نقض العهد والميثاق وخذلان المؤمنات وموالاة ظالميهم، ولنتذكر قوله تعالى: {هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّـهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم} [محمد: 38].


خامسًا: انصروا الله ينصركم:

وقد يتساءل العاملون في أي قضية أو ثغر، هل سينصرنا الله؟ وقد سأل المؤمنون من قبل: {مَتَىٰ نَصْرُ اللَّـهِ ۗ} [البقرة: 214]؟

وقد يستقل المؤمنون ما بأيديهم من إمكانيات أمام إمكانيات كنيسة تقف خلفها دول بأكملها مما يُسهِّل لها مخالفة القانون دون رقيب، فيتساءلون: هل يمكن حقًا أن ننتصر في هذه المعركة؟

وكلاب النصارى يقولون لو قامت كل يوم مظاهرة فلن نسلم المسلمة الأسيرة بل سنأسر معها أخواتها؟

فيبدأ العاملون في مراجعة حساباتهم، والنظر إلى الوسائل المتاحة وكيفية تعويض فرق الإمكانيات، فتأتي موازين الإيمان لتضبط الحسابات وتضع الحلول لفارق الإمكانيات وترسم خطة النصر الكاملة بإذن الله.

يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّـهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ* ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ* أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ دَمَّرَ اللَّـهُ عَلَيْهِمْ ۖ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا* ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّـهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ} [محمد: 7-11].

يقول السعدي: "هذا أمر منه تعالى للمؤمنين، أن ينصروا الله بالقيام بدينه، والدعوة إليه، وجهاد أعدائه، والقصد بذلك وجه الله، فإنهم إذا فعلوا ذلك، نصرهم الله وثبت أقدامهم، أي: يربط على قلوبهم بالصبر والطمأنينة والثبات، ويصبر أجسامهم على ذلك، ويعينهم على أعدائهم، فهذا وعد من كريم صادق الوعد، أن الذي ينصره بالأقوال والأفعال سينصره مولاه، وييسر له أسباب النصر، من الثبات وغيره.

وأما الذين كفروا بربهم، ونصروا الباطل، فإنهم في تعس، أي: انتكاس من أمرهم وخذلان.

{وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} أي: أبطل أعمالهم التي يكيدون بها الحق، فرجع كيدهم في نحورهم، وبطلت أعمالهم التي يزعمون أنهم يريدون بها وجه الله".

وقد قالوا: "نصرةُ الله من العبد نصرةُ دينه بإيضاح الدليل وتبيينه، ونصرةُ اللَّهِ للعبد بإعلاء كلمته، وقَمْعِ أعداء الدين ببركاتِ سَعْيه وهمَّتهِ، {وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} بإدامةِ التوفيقِ لئلا ينهزم من صولةِ أعداءِ الدين".

وفي أضواء البيان: "وقوله تعالى في بيان صفات من وعدهم بالنصر في الآيات المذكورة: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ} [الحج: 41]، يدل على أن الذين لا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، ليس لهم وعد من الله بالنصر البتة".

فالجزاء من جنس العمل، من أقدم على نصرة دين الله معليًا حق الله على حظوظ نفسه، نصره الله على عدوه وثبته وأيده بجنده، ومن عادى دين الله وسعى في خرابه خرب الله عليه سعيه وأضل سعيه فيسير في الطريق يظنه فوزه وهو هلاكه، ويقول الكلمة يراها انتصار فإذا هي سبب الهزيمة، وهذه سنة الله الجارية فلا يصح أن يخالج القلب شكٌ أو ريبٌ فيها.

ولذا قال تعالى: {إِنَّ اللَّـهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ} [الرعد: 11].
فيا إخواني دعونا نغير ما بأنفسنا من عيبٍ يعلمه كلٌ منا من نفسه، ودعونا نخرج من حظوظ أنفسنا ونتجرد نصرة لدين الله واستنقاذ المسلمات، ودعونا نبدل تفرقنا وتشرذمنا اجتماعًا وإخوةٌ وتعاونٌ فإن ذلك من أعظم ما يُستجلب به النصر.

أما فرق الإمكانيات وقلة الوسائل المتاحة فلنستحضر لها قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم} [الأنفال: 60]، فما كلف الله عباده فوق ما يستطيعون ولكنه سبحانه أمرهم بكل ما يستطيعون، فمن بذل قدر استطاعته وتوكل فيما بعد ذلك كفاه مولاه ونصره الذي توكل عليه.
فالأمر في الشرع بالأخذ بالأسباب إنما هو لتمام الفاعلية واستحقاق تمام التوفيق، وليس لإفقاد الفاعلية والتقوقع في شرنقة الضعف أو الاستضعاف.

فلنعقل إخواني هذا الأصل الإيماني وخذوا حذركم، وَ «استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان» كما قال -صلى الله عليه وسلم- [رواه الألباني، حديث جيد].


سادسًا: والله حافظٌ دينه:

من الحسابات المختلة المنتشرة -الآن- أن يظن كل من قام على ثغر أن تعريض نفسه للخطر هو كشفٌ لهذا الثغر وتعريض له للخطر.
ولو استعرضنا سيرة الحبيب -صلى الله عليه وسلم- لرأينا علي -رضي الله عنه- يبيت مكانه -يوم الهجرة- وفيه تعريضه للخطر، ومن شهداء أحد مصعب بن عمير -رضي الله عنه- وهو من أدى دورًا هامًا في تهيئة المدينة لقدوم الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ومنهم حمزة -رضي الله عنه- سيد الشهداء الذي أعز الله الإسلام به.

وقد يستدل البعض بقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- في غزوة أحد يقول: «من يردهم عنا وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة؟» [رواه مسلم]، وينسى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك وهو في قلب المعركة، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي قال ذلك في أحد هو من ألقى بنفسه وسط المشركين في حُنين وهو يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» [رواه البخاري]، وهو -صلى الله عليه وسلم- من كان يتمنى الشهادة في سبيل الله، وهو من سمع صوتًا فزع له أهل المدينة فإذا النبي -صلى الله عليه وسلم- آتيهم من قبله قد سبقهم وحده إليه.

فكيف نبرر تخاذلنا عن نصرة دين الله والأسيرات العفيفات في سجون الكنيسة بعد ذلك؟

لقد صالح النبي -صلى الله عليه وسلم- المشركين في صلح الحديبية فكان مما قاله -صلى الله عليه وسلم-: «... وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ولينفذن الله أمره ...» [رواه البخاري]، فلم يجعل نفاذ الأمر وتمام الدين مرتبطًا بسلامته -صلى الله عليه وسلم-، ولقد نطق بذلك الصديق أبو بكر -رضي الله عنه- في يوم وفاة الحبيب -صلى الله عليه وسلم-.

وبهذا المنطلق الإيماني قام المجددون في هذه الأمة بواجبهم فأيدهم الله وحفظهم، وما نور الدين محمود ببعيد وكان -رحمه الله- يلقي بنفسه في المعارك ويقول: "والله لا أستظل بسقف حتى آخذ بثأري وثأر الإسلام"، فيحاولوا منعه خوفًا عليه وعلى معنويات الجنود فيجيب: "من كان يحفظ الدين والبلاد قبلي غير الذي لا إله إلا هو؟ ومن هو محمود؟" فيبكى من حوله.

وليست هذه دعوة -ما يزعم أهل الإرجاف- لقود الشباب إلى المحرقة، وإنما هي دعوة للاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في بذله وجوده بنفسه، وألا تتضخم ذواتنا ونتمحور حول أشخاصنا ونضفي على مقدراتنا وهيئاتنا قداسة وهمية تجعل المحافظة عليها أبدى من نصرة الدين والرد على المجرمين واستنقاذ الأسيرات في الأديرة.

وهي كذلك دعوة لكسر قيود الجبن والخوف التي نغطيها بمزاعم شرعية، ولو استفتى كلٌ منا قلبه لعلم ذلك.
وأما المحرقة -المزعومة-، والثلاجة -المقابلة لها- فهذه تضبطها حسابات الإيمان وتفعيل المتاح والممكن من الوسائل المشروعة وهي كثير -بفضل الله- إذا تحررنا من القيود الوهمية وخرجنا من الثلاجة المُجَمِّدة لجهود الشباب.


سابعًا: الله مولانا ولا مولى لهم:

وكما صاح المشركون في أحد: "اعل هُبل"، "لنا العزى ولا عزى لكم". يتقافز نصارى المهجر وكلاب شنودة استعلاءً بالصليبية العالمية واحتماءً بأوليائهم.

وأهل الإيمان لن يخرجوا على محاولة الاستعلاء الشعوري -هذه- إلا باستعلاء الإيمان، فـ «الله مولانا ولا مولى لهم» وَ: «الله أعلى وأجل»، قال تعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّـهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ} {محمد: 11].

لقد خرج الأخوة الغيورون -كما نحسبهم- للتظاهر مناصرة للأخوات المستضعفات فاستنجد بعضهم بالظالم لينصر المظلوم، وناشد بعضهم هيئات الإفك الإنسانية، وقد تصح بعض التحركات القانونية في هذا الباب، أما المناشدة والطلب فلا يكون إلا من الله. فهو مولانا وهو يتولى الصالحين، قال تعالى: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّـهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ* وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ} [الأعراف: 196-197]، يقول السعدي -رحمه الله-: "{إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّـهُ} الذي يتولاني فيجلب لي المنافع ويدفع عني المضار.
{الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ۖ} الذي فيه الهدى والشفاء والنور، وهو من توليته وتربيته لعباده الخاصة الدينية.
{وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} الذين صلحت نياتهم وأعمالهم وأقوالهم، كما قال تعالى: {اللَّـهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ} [البقرة: 257]، فالمؤمنون الصالحون -لما تولوا ربهم بالإيمان والتقوى، ولم يتولوا غيره ممن لا ينفع ولا يضر- تولاهم اللّه ولطف بهم وأعانهم على ما فيه الخير والمصلحة لهم، في دينهم ودنياهم، ودفع عنهم بإيمانهم كل مكروه، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّـهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ} [الحج: 38]".
وقد قالوا: "ورَوْحُ الرضا على الأسرار أتَمُّ من راحة العطاء على القلوب".

ولا يجتمع الشعور بولاية الله والشعور بحاجة لأحدٍ من الخلق، ويستحيل في حق أهل الإيمان أن يستقووا بظالمٍ وهم يستقوون بالله، وسلاحهم ورباط الولاية هو الكتاب الذي أنزله الله، قال تعالى: {وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان: 52].
وهذا هو الدرس الذي علمه الرسول -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس فقال له: «يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» [حديث صحيح].

أما محاولة الاستقواء بغير هذا الركن المنيع فغايته الخذلان وتخلية الله للعبد، وإنما يسارع في ذلك من عظمت في نفسه صور ومظاهر الدنيا الفارغة ولم يتراءى أمامه حقائق الكون، أما الصالحون فكيف يليق بهم أن تلتفت قلوبهم لهذه المناظر ومولاهم يقول: {أَلَيْسَ اللَّـهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ} [الزمر: 36]، بل منطقهم: بلى يارب تكفينا كفايتك ويرضينا قضاؤك.


ثامنًا: سيهزم الجمع ويولون الدبر:

وقبل أي تماس مع هذا التحالف الشيطاني الذي استهدف مقدسات الإسلام وطال النساء المؤمنات، فواجبٌ على المؤمنين أن يتحلوا بعقيدة راسخة أن هذا الجمع الشيطاني سيهزمه الله، وسيولون الدبر.

وكيف يخالج المؤمن ريبٌ والله تعالى يقول: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّـهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: 14]، وهذه العداوة والبغضاء بين النصارى ظاهرة وأمثلتها أكثر من أن تُحصى، فشنودة من رفض استقبال زعيم الفاتيكان، والمظاهرات التي تنادي بالطلاق المدني كانت تحرك نصراني ضده، والخلافات الداخلية طاحنة حتى أن العاقل لا يتعجب أن يسمع خبر قتل شنودة -قريبًا- بأيدٍ داخلية وبالسلاح الذي يخزنه لإشعال الفتنة بين المسلمين.

وهذه العقيدة تضبط الحسابات فتجعل هدف الحركة الحقيقي:

أولًا: إبراء الذمة أمام الله.

والثاني: استجلاب سنن الله فيهم فإن الله جعل من أسباب إبطال الباطل قيام المؤمنين بما يستطيعون ولو كان قليلًا، يقول تعالى: {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 8]، وفي خروج اليهود من غزة والروس من الشيشان وأفغانستان آيات معاصرة على هذه السنة الربانية.

وهناك سنة ربانية أخرى تضفي الإيمان على قلوب المؤمنين، قال تعالى: {إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ ۖ وَإِن تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّـهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 19].

يقول الشنقيطي -رحمه الله-: "المراد بالفتح هنا في هذه الآية عند جمهور العلماء: الحكم، وذلك أن قريشًا لما أرادوا الخروج إلى غزوة بدر تعلقوا بأستار الكعبة، وزعموا أنهم قطان بيت الله الحرام، وأنهم يسقون الحجيج، ونحو ذلك، وأن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- فرق الجماعة، وقطع الرحم، وسفه الآباء، وعاب الدين، ثم سألوا الله أن يحكم بينهم، وبين النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، بأن يهلك الظالم منهم، وينصر المحق. فحكم الله بذلك وأهلكهم، ونصره".

فنصارى مصر أصابهم -اليوم- سعار فتح مصر وتنصير أهلها، وهم بذلك يستجلبون سنة (الفتح) ففي كل يوم نسمع إسلام نسائهم ورجالهم، وقد أدت تصرفاتهم الحمقاء إلى تحيزهم وكيانهم الهش أضعف من تحمل أي ضغط، ولعل نهاية المطاف بمسعوري الكنيسة أن يلحقوا بأقباط المهجر هروبًا من المصير الذي يحفروه لأنفسهم، وأما فئتهم فلن تغني عنهم من الله شيئًا، هذه سنة الله {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ} [الأنفال: 38].


وأخيرًا: منطق الأنصار:

ففي غزوة الأحزاب روي أنه -صلى الله عليه وسلم- أراد أن يضمن لقوم من الأعراب ثلث ثمر المدينة، فقال له سعد بن معاذ: "والله يا رسول الله كنا كفارًا فما طمع أحد أن يأخذ من ثمارنا شيئًا، فلما أعزنا الله بك نعطيهم ثلث ثمارنا!"، فعمل بذلك رسول الله.

هذا هو منطق الأنصار: "فلما أعزنا الله بك نعطيهم ثلث ثمارنا"، وعلى قدر الإيمان والتعلق بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- يكون هذا الشعور بالعزة، فكيف نرضى بعد أن منَّ الله علينا بالقرآن والمسجد وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- أن نُذَل وهي مصدر عزة المسلم؟

وكيف يتحرك عوام المسلمين غضبًا للسخرية من سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا يتحرك أحد من المنتسبين للسنة؟
ويتعجب المرء من أخ يذكر صولات وجولات له فبل التمسك بالسنة مليء بالغضب والجرأة للنفس أو شهامة لجيرانه وأقاربه، وتراه بعد الالتزام أضعف الناس نصرة للدين ووقوفًا بجوار المستضعفات المسلمات في الأديرة.
أكنت تسكت -يا أخي- إن حدث ذلك أمام عينك قبل الالتزام؟! فكيف ترضى بالذل بعد أن أعزك الله بحفظ القرآن وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-؟!

إن هذا لم يحدث إلا لخلل في الحسابات يحتاج أن نضبطه بمنطق الإيمان، ونستضيء فيه بنور الوحي، وأن نتحرر من تبعيتنا للأشخاص والهيئات ونجعلها خالصة للشرع فما وافقه قبلناه وما خالفه ضربنا به عرض الحائط.

أيها الإخوة الكرام دعونا نضبط حساباتنا من جديد وننطلق إلى فضاء الفاعلية والإيجابية والتوكل والعمل واحتقار ما يذل واليقين فيما عند الله، ومقصودنا في ذلك واضح رضا الله وجنته.

فإن أصابت المؤمن رجفة من هول التمسك بالحق فليستحضر نصيحة النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن يحضر الدجال من المؤمنين بأن يغلق عينه ويلقي نفسه في ناره فهي أقصر سبيل للجنة، وما أحيطت الجنة إلا بمكاره الدنيا، وما يأمن الشهيد من فتنة القبر إلا لتعرضه لفتنة السيوف فوق رأسه.

فخض غمرات الموت واسمُ إلى العـــــلا *** لكي تـدرك العــــــز الرفيع الدائــم
فلا خيـر في نفــس تخـاف من الـــــردى *** ولا همـة تصـــبو إلى لــوم لائـــم


اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اللهم اهزم الأحزاب اللهم اهزمهم وزلزلهم، اللهم انتقم منهم وفرج عن أخواتنا الأسيرات.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


أخوكم: سعد فياض

 


اضف تعليقك

تعليقات الزوار

واحد من المسلمين

هذا كلام لا يصدُر إلا من الصادقين إيمان .. قوة .. جهاد .. فقه صحيح .. غيرة عميقة أشياء نزلتْ على وجهي كالصفعات كم كنتُ أحتاج سماع مثل هذا الكلام فلقد فاحتْ رائحة المُرجفين والمنافقين ،، حتى زكمت الأنوف !! بارك الله فيك وفي فقهك وغيرتك وإخلاصك ، أخي الكريم سعد واحد من المسلمين

2010-11-10 00:00:00


روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3143 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3482 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3558 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟