نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

رسالة إلى مضطر
9-4-2010 1849   
   
عدد مرات التحميل : 2

رسالة إلى مضطر

 

الدنيا هي دار البلاء والمصائب، والمؤمن بحاجة إلى من يواسيه في هذه الدار ويقف إلى جانبه، فإذا حدث لشخص شيء من هذه البلايا فعليه عدة أمور، أهمها: أن يرضى عن الله، وأن يعلم أن الذي أنزل البلاء لا يدفعه أحد سواه، وهو الله وحده، يضاف إلى ذلك الصبر على هذا البلاء الذي نزل، مع استشعار الأجر الجزيل الذي يوفاه الصابرون يوم القيامة.

الدنيا دار ابتلاء

الحمد لله مفرج الهموم، الحمد لله مبدد الأحزان والأشجان والغموم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ملاذ الهاربين، وعدة الصابرين، وسلوان المصابين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله الأمين، قدوة الصابرين، وإمام المحتسبين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته والتابعين, ومن سار على نهجهم المبارك واستن بسنتهم إلى يوم الدين. أما بعد:

فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

سلامٌ على كل مؤمن مهموم .. سلامٌ على كل مؤمن مبتلى مغموم .. سلامٌ على كل مؤمن مبتلى ضرير .. سلامٌ على كل مؤمن مجروح أو كسير .. سلامٌ على أولئك الذين فُجعوا بأهليهم .. سلامٌ على أولئك الذين فجعوا بأحبتهم وذويهم .. سلامٌ على من فارق الآباء والأمهات .. سلامٌ على من ودع الخلان والأصحاب والأخوات .. سلامٌ على من فجع بالأبناء والبنات. سلامٌ عليك إذ ودعت أباً كريما طالما مد يد المعروف إليك .. سلامٌ عليك إذ فجعت بتلك اليد التي طالما أحسنت بعد الله إليك .. سلامٌ عليك إذ ودعته دار البلى، وأسلمته إلى يد الردى، فكان آخر عهدك به إذ ولاك قفاه مشتغلاً بما أقدم عليه من الله جل وعلا.

سلامٌ عليك إذ رجعت إلى دارك ففقدت صورته وحنانه .. سلامٌ عليك إذ رجعت إلى دارك فانقطع صوته بينك وبين أبنائك. سلامٌ عليك إذ ودعت أماً حنونا طالما أسدت يد المعروف إليك .. سلامٌ عليك إذ فجعت بها وقد كان ثديها لك سقاء وبطنها لك وعاء، وحجرها لك حِواء، أسلمتها إلى يد الردى والبلى وما وفيت شيئاً من معروفها عليك، أسلمتها إلى دار البلى وما أديت حقوقها من البر عليك. سلامٌ عليك إذ ودعت الأصحاب والأحباب، وخلفوك في هذه الدنيا وحيداً فريداً مع الذكريات ..

سلامٌ عليك إذ فجعت بهم وعظم مصابك بهم .. سلامٌ على كل مؤمن مهموم مغموم طريح البلاء، طريح الأذى .. سلامٌ على من نزل به البلاء في نفسه .. سلامٌ على من نزل به البلاء فعظم عليه البلاء .. سلامٌ على من بات طريح الأسرة البيضاء .. سلامٌ على كل مؤمن فجع بالأعضاء .. سلامٌ على كل مؤمن ذي عين عميت أو عورت .. سلامٌ على كل مؤمن له عضو قطعت أو شلت .. سلامٌ على كل مؤمن ذي قدم بترت أو حسمت .. سلامٌ على أهل البلايا من عباد الله المؤمنين.

عظم الله أجركم، وجبر الله كسركم وعوضكم خيري الدنيا والآخرة على ما فقدتم، فمن لكم غير الله يجبر كسركم؟! ومن لكم غير الله يبدد أشجانكم وأحزانكم؟! ومن لكم غير الله يؤنسكم من الوحشة ويعيد إليكم ما فقدتم من النعمة؟! من لكم غير الله إذا دفعتم عن الأبواب إلا بابه؟! ومن لكم غير الله إذا صرفتم وخاب الرجاء فيمن سواه إلا رجاءه؟! من لكم غير الله أعز مطلوب وأشرف مرغوب؟! سلامٌ عليكم من الله ورحمات .. سلامٌ عليكم من الله ورضوان ومغفرات عدد ما سكبتم من العبرات، ولفظتم من الآهات والأنات والصيحات.

أحبتي في الله: إنها الدار وأي الدار، دار الدنيا والدناءة، إن أضحكتك يوماً أبكتك أياما، وإن سرتك يوماً ساءتك سنين وأعواما، هي الدار التي جعل الله عز وجل شرورها أعظم على المؤمن من شرورها على من كفر، هي الدار التي جعل الله بلاءها على من بر أعظم من بلائها على من فجر، فالمؤمن فيها غريب، والمؤمن فيها ليس منها بقريب، فالمؤمن فيها غريب حتى يلقى الله، فهو ابن للآخرة وليس ابن لهذه الدنيا الدنيئة، تعضه بأنيابها وتقلقه بفواجعها، لكنه وإن آلمته بأشجانها وأحزانها وضرته بأسقامها وآفاتها، فله من الله ألا يخيب رجاء في الله ولا يخيب صاحبه، وله في الله ركن لا يضيع صاحبه، إليه المفزع وفيه المطمع، له من الله سلوان من الكروب، وله من الله رحمة من تلك البلايا والخطوب.

إنها الدار المؤلمة .. إنها الدار المحزنة التي صب الله عز وجل البلايا فيها على المؤمن، لذلك فإن خير ما يحتاجه العبد المؤمن في هذه الدار إذا عظمت مصيبته، وجلت كربته أن يجد من يعينه على أشجانها وأحزانها، أحوج ما يحتاجه المؤمن إلى كلمة من أخيه تثبته، أو رسالة من محب تسليه، أو كلمة صدق عن البلاء تعزيه .. يحتاج المؤمن إلى إخوان يواسونه في الأشجان والأحزان، ويبددون عنه ما حصل وما كان. يحتاج المؤمن إلى الكلمة الصادقة النابعة من الأخ المشفق، ولذلك شرع الله عز وجل عيادة المرضى، ووعد الله تبارك وتعالى من عادهم بجليل الرضا، ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«من عاد مريضاً فهو في خُرفة الجنة حتى يرجع» [ صحيح مسلم] من خرج لوجه الله عز وجل إلى أخ يواسيه في مرضه، أو يسليه من بلائه، فخطواته في سبيل الله، ولحظاته وأنفاسه في طاعة الله ومرضاة الله. وكان بعض السلف إذا خرج لعيادة المريض يقارب الخطى حتى يطول زمانه في رحمة الله من عيادته. وشرع الله عز وجل تشييع الجنائز، لما في تشييعها من تسلية للمصابين، فالمؤمن قوي بإخوانه، شديد بأعوانه، فإذا وجد هذا يسليه وهذا يثبته وهذا يعزيه هان عليه ذلك الخطب الذي يجده، ويسر الله عز وجل عليه ذلك البلاء الذي يعانيه.

لذلك أحبتي في الله! سلوان المصابين وتثبيت قلوب عباد الله المؤمنين المفجوعين المنكوبين، من أجلِّ القربات، وأعظم الحسنات والطاعات التي يحبها الله تعالى. وانطلاقاً من هذا كله فإليك أخي المهموم والمكروب والمغموم كلمات من الأعماق، أسأل الله تبارك وتعالى أن يبدد بها أشجانك، وأن يزيل بها أحزانك، وأن يجعلها خالصةً لوجهه نافعة يوم لقائه.


الوصية الأولى: الرضا عن الله

أول وصية أوصيك بها إذا فجعت في نفسك أو أهلك وولدك أن ترضى عن الله، فوالله ما رضي عبد عن الله إلا أرضاه الله، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:« إن عظم الجزاء على عظم البلاء، وإذا أحب الله قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط » [ الراوي: الألباني, حسن] من رضي عن الله أرضاه الله في دنياه وأخراه. كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، يوصيه ويذكر له تلك الوصية النافعة؛ فاستفتح كتابه رضي الله عنه بقوله:" أما بعد: فاعلم أن الخير كله في الرضا عن الله،" إن الخير كله أن ترضى عن الله. اعلم أخي في الله! أنه إذا أصابك البلاء فرضيت عن الله أرضاك الله في الدنيا والآخرة، وأقر الله عينك وأثلج صدرك، فكم من مصيبة عادت نعمة من العبد إذا رضي عن الله تبارك وتعالى، وكم من بلايا رضي أصحابها فزادتهم من الله قربا ومن الله رضاً وحبا. أول وصية أن ترضى عن الله تبارك وتعالى، ولهذا الرضا دلائل: أولها: طيب الكلام، وحسن الظن بالله تبارك وتعالى، ومن ثم قال العلماء: "إن العبد إذا رضي عن الله وهبه اليقين في مصيبته" قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى:{ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن:11] قال رضي الله عنه:{ يَهْدِ قَلْبَهُ}: أن يهبه اليقين فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه. فإذا كان الإنسان راضياً عن الله تبارك وتعالى، وعنده الإيمان واليقين الذي ربى النبي صلى الله عليه وسلم عليه أصحابه، ثبت الله جنانه، ولذلك كان بعض السلف إذا أصيب بالمصيبة أظهر الرضا لله. قام أحدهم بين أناس فجالت يده فقطعت فضحك، قالوا: سبحان الله!! تصاب في يدك فتضحك، قال: "إني ذكرت ثوابي عند الله عز وجل فضحكت". وسار الفضيل رضي الله عنه في جنازة ابنه، فلما سار معهم تبسم رحمه الله، قالوا: لم تبسمت رحمك الله؟! قال: احتسبت مصيبتي عند الله فذكرت ما لي عند الله فسلوت وضحكت. فكلما كان اليقين في قلب العبد وجدته أثبت جنانا، وأشرح لله عز وجل صدرا، والله ما رضي عبد عن الله إلا جعل له من كل همٍ فرجا، ومن كل ضيق مخرجاً.


الوصية الثانية: العلم بأنه لا يدفع البلاء إلا الله

فإذا حصل الرضا فإن بعد الرضا أمر مهم لا بد من وجوده وهو علمك بأنه لا يدفع البلاء إلا الله، وأنه لا يدفع هذا العناء الذي تجده إلا الله. كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه؛ فأوصى البراء بن عازب رضي الله عنه إذا أوى إلى فراشه أن يقول:« اللهم إني أسلمت نفسي إليك، وألجأت ظهري إليك وفوضت أمري إليك رغبةً ورهبةً إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك » [صحيح البخاري] أول ما يحس الإنسان بالبلاء إذا أراد أن يفرج الله كربه وهمه، أن يحس من أعماق قلبه أنه لا ينجيه أحد من هذا البلاء إلا الله عز وجل.


جزاء الضارعين إلى الله عند البلاء

قال بعض العلماء: ما أصاب الكرب والخطب عبداً فضرع إلى الله تبارك وتعالى إلا أعطاه تفريج الكرب ومع تفريج الكرب زيادة فضلٍ من الله؛ ولذلك تجد بعض الناس يفجع بأهله ويفجع بولده فيعوضه الله حلاوة إيمانٍ تبقى معه إلى لقاء الله عز وجل. أصيب رجل بولده وكان ذلك الرجل من أفجر خلق الله والعياذ بالله .. تاركاً للصلاة .. منتهكاً للحدود والمحارم .. أقسى ما يكون قلباً والعياذ بالله، فشاء الله يوماً من الأيام بعد صلاة العشاء، جاءه ابنه يضحك ويسلو، وشاء الله تبارك وتعالى أن يودعه ذلك الابن فتكون آخر عهده بذلك الابن، فخرج الابن وما هي إلا لحظات حتى جاءه الخبر بأن ذلك الابن انتقل إلى جوار الله. وهذه حال الدنيا، تتمتع بالنظر إلى الابن في الصباح فإذا بك تفجع به في المساء، وتتمتع بالنظر إلى الأب في المساء فإذا بك تفجع به مع بزوغ الصباح، وسبحان من هذا ملكه! وسبحان من هذا أمره! فلما فجع بذلك الابن طاش عنه عقله وعزب عنه رشده، فشاء الله تبارك وتعالى أن يقيض له طالب علم موفق، فذكره بالله بالكلمة تلو الكلمة حتى شرح الله صدره، وآنس الله قلبه، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم شاء الله تبارك وتعالى أن يخشع يوماً فيوما، حتى سمعته ذات يوم يقول: والله إني أصبت بابني وإنها نعمة من الله عليَّ إذ ابتلاني بذلك الابن، عرفت الله وكنت له منكرا، واقتربت من الله وكنت منه بعيداً، وآويت إلى الله وكنت منه طريداً، في كلام هذا معناه، مصيبةٌ قربتني من الله تبارك وتعالى. فالله منه العوض، ما رجاه أحد فخاب، ولا أيقن عبد بربه فخسف الله به الأرض من تحت قدمه أبدا. ولذلك قال بعض العلماء: "إذا أراد الله أن يجمع للعبد بين المصيبتين. ابتلاه وسلبه اليقين فيه" والعياذ بالله، إذا ابتلى الله العبد ولم يلتجئ إلى الله بعد البلاء فاعلم أنه والعياذ بالله مستدرج، ولذلك البلاء كل البلاء على الكافر الذي إذا أصابته المصيبة لا يدري أين يذهب، ولا يدري أين يتجه، ولكن المؤمن له باب يقرعه ورب لا يخيب يرجوه. فلذلك أحبتي! كان من لوازم البلاء اليقين في الله عز وجل! أصيب بعض السلف بمصيبة وعظمت عليه هذه المصيبة وكانت آفةً في جسده، وما زال يعرض نفسه على الناس رجلاً بعد رجل حتى يأس من علاج هذا الداء، وقنط أن يشفى من ذلك البلاء، فدخل يوماً من الأيام فإذا رجل يتلو كتاب الله فسمعه يتلو قول الله عز وجل:{ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [النمل:62] فقال: اللهم إني مضطر وأنت مجيب، فما قام من ساعته إلا وهو معافى، إذا دخل اليقين إلى قلب العبد لا يمكن أن يبرح وحاجته في قلبه، بل إن بعض الناس يمسي المساء وحاجته تضايقه، وكربته تؤلمه فيتضرع إلى الله بالدعوة الصادقة حتى يعز على الله أن يصبح وحاجته في قلبه فيفرج عليه قبل أن يصبح؛ وهذا من عظيم لطف الله بالعباد.

إبراهيم عليه السلام ويقينه بالله

هذا نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أوذي في الله فصبر، فجمع له قومه ذلك الوادي العظيم من النار حتى إذا تأجج ذلك الوادي بناره، واصطلى بجحيمه وسعيره، أُلقي عليه الصلاة والسلام، حتى إذا صار مقبلاً على ذلك البلاء العظيم مسلماً لله عز وجل فيما أبتلاه، فلما قدم قال له جبريل: هل لك من حاجة؟! ذلك الملك الذي لو أذن الله له لخسف الأرض ومن عليها بجناحه، قال: يا إبراهيم! هل لك من حاجة؟! قال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فحسبي الله ونعم الوكيل، فقال الله تعالى: {يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء:69] قال بعض العلماء: "لو قال الله يا نار كوني برداً لأهلكته من بردها"، ولكن قال: {كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء:69] ثم خرج عليه الصلاة والسلام طريداً عن قومه، مهاناً من عشيرته، وحيداً لا مال .. لا بنون .. لا إخوة .. لا أصحاب .. لا أحباب، فخرج من داره مؤذىً في الله مضطهداً، فلما ولّى وجهه قال عليه الصلاة والسلام: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات:99-100] فخرج من دار فعوضه الله أطهر من الدار التي خرج منها، عوضه الله الأرض المقدسة، وجعل ذريته ذرية النبوة والصلاح، وجعل فيها ميراث الأنبياء صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك باليقين بالله. فكل إنسان أصابته مصيبة فعلم أنه لا ينجيه منها إلا الله عز وجل فرَّج الله همه وغمه. ثم أمره الله تبارك وتعالى أن يخرج بـهاجر مع صبيها ورضيعها، أن يخرج من دارٍ كلها جنات وأنهار إلى دارٍ لا ماء فيها ولا أشجار، فجاء فوضعها في ذلك الوادي الذي لا أنيس فيه ولا جليس، فتعلقت به تلك المرأة المفجوعة، وقالت: يا إبراهيم! إلى من تدعنا؟! فولى وجهه عليه الصلاة والسلام قبل الدابة، فتعلقت به ثانية وقالت: إلى من تدعنا يا إبراهيم؟! إمرأة ضعيفة وصبي ضعيف ليس معهم أحد، تقول له وتتعلق به: إلى من تدعنا يا إبراهيم؟! فلما كانت المرة الثالثة، تعلقت به وألحت فقالت: إلى من تدعنا يا إبراهيم؟! فقال: لله، فقالت: إذاً لا يضيعنا الله، ورجعت إلى صبيها وقلبها كله يقين بالله تبارك وتعالى، فتولى عليه الصلاة والسلام، حتى إذا نزل في الوادي وتغيب عن نظرها رفع كفه إلى الله فقال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم:37] الله أكبر!! إلى يومنا هذا والقلوب تحن وتئن إلى رؤية البيت العتيق، إلى يومنا هذا والنفوس تشتاق إلى رؤية البيت العتيق، فلما جلست تلك المرأة المفجوعة مع صبيها، وعاينت ما هي فيه من البلاء، جاءت تلك الساعة التي صاح فيها الصبي يطلب الماء، وعندها خرجت لكي تلتمس الأسباب، فرقت على الصفا فصاح صبيها فلم تر أحدا، ثم مضت إلى المروة وتعلقت بالله عز وجل تدعوه وترجوه، حتى إذا كانت المرة السابعة أبى الله إلا أن يفرج همها بالصبي نفسه، فجعل تفريج الكرب من تحت قدم الصبي الذي دحس برجله الماء! من أيقن بالله تعالى جعل الله فرجه في نفسه قبل أن يكون بعيداً عنه!

أيوب عليه السلام ويقينه بالله

نبي الله أيوب مكث طريح الفراش أكثر من سبع سنين، كان ذا مال وثروة ونعمة وجاه، قال إبليس: اللهم سلطني على عبدك أيوب، فسلطه الله على ماله فأحرق جميع ماله، فلما رأى ذلك البلاء في ماله قال: الحمد لله، حمد الله تبارك وتعالى وقال في كلام معناه: اللهم وهبتني المال، وأنعمت علي بالمال حتى شغلني عن ذكرك فها أنت قد فرغتني لذكرك وشكرك فلك الحمد رب العالمين! رضي عن الله تبارك وتعالى، وشاء الله تبارك وتعالى أن لا يبقى البلاء عند هذا، وإذا بذلك العدو يسأل الله أن يسلطه على أهله وولده، وشاء الله تبارك وتعالى أن يمكنه من ذلك، ففقد فلذات كبده وفقد أهله واحداً تلو الآخر حتى فجع بهم جميعاً إلا زوجةً واحدة، بقيت هذه الزوجة مع ذلك النبي المصاب، ومع ذلك العبد المبتلى تواسيه وتسليه، فقال عليه الصلاة والسلام: الحمد لله رب العالمين، وشكر الله على البلاء الذي أصابه، فقال إبليس عليه لعنة الله: اللهم سلطني على نفسه، فقال: لك كل شيء إلا لسانه وقلبه، فبقي عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يفتر له لسان عن ذكر الله تبارك وتعالى، ولا يمكن أن يفتر له جنان عن حسن الظن بالله تبارك وتعالى، تولى عنه الناس حتى أصبح أنتن ما يكون رائحة، وتركوه إلى جوار المزابل -كما ورد في الأخبار- ولم يبق معه إلا زوجته التي بقيت معه تهتم به، فلما بلغ به الأذى مبلغه، وأصابه ما أصابه من الضر والبلاء؛ عندها تذكر الله تبارك وتعالى، وأحس بعظيم البلاء الذي يجده، فقال الله تعالى يصور ساعة اليقين من ذلك القلب الموقن{ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء:83-84] لما أراد الله أن يفرج كربه أمره بكلمةٍ واحدة {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ} [ص:42] ما أمره أن يقوم وما أمره أن يذهب إلى أحد، وما أمره أن يسأل أحداً أن يفرج كربه، ولكن أمره بأمر واحد:{ارْكُضْ بِرِجْلِكَ} [ص:42] فجعل تفريج كربه من تحت قدمه، فلا إله إلا الله رب العالمين!! في طرفة عين تفجرت العين ثم أغتسل منها فما بقي به مرض في جسده وما بقيت به عاهةٌ في بدنه فقام عليه الصلاة والسلام قوياً سوياً من لحظته وساعته، الله أكبر!! ما أيقن أحد بالله فخاب في يقينه، ولا رجاه أحد فخاب في رجائه، ثم أعاد الله تبارك وتعالى عليه أهله وذريته، قال عبد الله بن عباس : أعاد إليه الأهل والذرية بأعيانهم، فرد عليه الزوجات ورد عليه الأبناء والبنات، ثم رد عليه أضعاف ما كان فيه من النعمة.

حسن الظن بالله أهم باعث لليقين بالله

ومن الأمور التي تبعث باليقين حسن الظن بالله تبارك وتعالى، والله ما أحسن عبد ظنه بربه إلا كان الله عند حسن ظنه، إذا أصابتك المصيبة فأحسن الظن بالله، وقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، الحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار، من قالها فقد أوجب الرضا من الله تبارك وتعالى، ولذلك أحرص ما يكون الشيطان في بداية المصيبة أن يسيء ظنك بالله عز وجل، ولذلك إذا جاءت المصيبة في النفس، أو جاءت في المال، أو جاءت في الولد، جاءك الشيطان فقال لك: لو كان الله يحبك ما ابتلاك! ولو كان الله يحبك ما أصابك بابنك فلذة كبدك! ولو كان الله يحبك ما أفقدك مالك على كبر سنك! ولو كان الله .. ولو كان الله ...، فهو أحرص ما يكون على أن تكون على سوء ظن بالله عز وجل. فالله الله! أن يسوء ظنك بالله عز وجل، بل قل: الحمد الله، وليكن قلبك مطمئناً بالفرج من الله تبارك وتعالى، فمن اتقى الله جعل له من كل همٍ فرجا ومن كل ضيقٍ مخرجا. أخي! الملك لمن؟ والكون لمن؟ والتدبير لمن؟ من الذي يجير ولا يجار عليه؟ ومن الذي يغيث ولا مغيث سواه؟ والله لو علم المكروب سعة رحمة الله عز وجل ما تألم من كربه، ولو أيقن المكروب بحلم الله به لا يمكن أن يصيبه بلاء في نفسه، وأضرب لك مثلاً يسيراً: لو أنك يوماً من الأيام سئلت عن أرحم الناس بك وأحلمهم عليك؟! لقلت: أبي وأمي، ولكان في قلبك يقين أن لا أرحم في الناس من أبيك وأمك، والله ثم والله لرحمة والديك بك لا تأتي مثقال ذرة في رحمة الله عز وجل بك، وللطف الله عز وجل وحنانه وحلمه ورحمته وأنت تقاسي الآلام وتكابد الأسقام، أشد من رحمة والديك بك، ولكن يريد أن يرفع درجتك، ويحط عنك خطيئتك، ويريد أن تخرج من هذه الدنيا وأنت صفر اليدين من السيئات والخطايا، حتى إذا وافيته وافيته بوجه أبيض مشرقٍ من تلك البلايا، وإنَّ من عباد الله من هو والله حبيب لله، لا يبتليه الله عز وجل إلا لكي يدنو منه، يبتليه لكي يسمع صوته: يا رب! يا رب! إلهي .. سيدي .. مولاي .. يسمع إخباته وإنابته فتكون أصدق شاهدٍ على توحيده لله تبارك وتعالى.

سر ابتلاء الله تعالى لعباده

هذه البلايا وهذه الفتن والرزايا بسطت لك لكي تكون سلماً إلى رحمة الله عز وجل، شعرت أو لم تشعر، وكان بعض السلف إذا نزلت به المصيبة ووهبه الله اليقين عليها والصبر عليها تسلى بالدعاء، حتى أثر عن بعضهم أنه كان يكثر الدعاء ويلح في المسألة حتى يقول: يا ليت أن الله لا يفرج عني كربي حتى تستديم هذه الحلاوة لمناجاته ومناداته. فإذا دخل اليقين إلى القلوب هانت عليها البلايا والخطوب، إذا دخل اليقين إلى الأفئدة تعلقت بالله وحده لا شريك له، ما ابتلاك الله لكي تفزع إلى زيد وعمرو .. لا والله، وما ابتلاك بالأسقام حتى تتعلق بغيره سبحانه وتعالى، فوالله لو صبت البلايا على العبد لا يمكن أن يجد الفرج والمخرج إلا بالله سبحانه وتعالى، فلذلك يكون الإنسان على يقين بالله تعالى، فلا ملجأ ولا منجى من الله تبارك وتعالى إلا إليه. وقع أحد الناس في ضائقة واشتدت عليه هذه الضائقة، كان مبتلى بمس، وكان هذا المس يقلقه ويزعجه ويؤلمه وأشتد عليه ذلك الخطب، وفي يوم من الأيام جاء إلى أحد طلاب العلم وأشتكى إليه مما يجده، وقال: والله يا شيخ قد عظم علي البلاء وإني أصبحت مضطراً أفلا يجوز لي أن أذهب إلى إنسان يفك عني هذا البلاء الذي أجده؟! ألا ترخص لي في ساحرٍ أو كاهنٍ يعلم ما أصابني فيكشف عني ما أصابني؟! يقول ذلك وهو في حرقة وألم وشدة وشجن لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى، فوفق الله طالب العلم فقال له كلمات ثبت الله بها جَنان ذلك المؤمن، وقال له كلمات شرح بها صدر ذلك العبد المبتلى فقال له في آخر الكلام: إني لأرجو من الله عز وجل إن أستعنت بأمرين أن يفرج عنك الكرب والبلاء: أحدهما الصبر والثاني الصلاة. يقول الرجل -وهو أيضاً من طلاب العلم-: فقمت من عنده بيقين قوي في الله عز وجل فصليت ركعتين أحسست أني مكروب، وأنه قد أحاطت بي الخطوب، فاستعذت بالله واستجرت، وإذا بي في سجودي أحس بحرارة شديدة في قدمي ما إن سلمت إلا وكأنه لم يك بي من بأس. أحبتي في الله! هل الساحر يغيثك من دون الله؟! هل الكاهن يجيرك من دون الله؟! الأمر أمره، والقدر قدره، خط عليك هذا البلاء قبل أن تكون وقبل أن توجد{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} [القمر:49-50]. كتب الله البلايا قبل أن يخلق العباد، ففي مسند الإمام أحمد .. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول ما خلق الله القلم قال: اكتب! قال: يا رب! ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن وما يكون إلى قيام الساعة، فجرى القلم بما هو كائن وما يكون إلى قيام الساعة» ولذلك ركب عبد الله بن عباس مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يهديه هدية، وأن يمنحه تلك العطية فقال عليه الصلاة والسلام:« يا غلام! ألا أعلمك كلمات؟ احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا استعنت فاستعن بالله، وإذا سألت فاسأل الله، واعلم أن الخلق لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وأعلم أن الخلق لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف » [ الترمذي, صحيح ] فمن هذا الساحر ومن هذا الكاهن الذي يستطيع أن يتخطى أمر الله عز وجل؟ ومن هذا العبد الذي يستطيع أن يقضي الوطر لنفسه قبل أن يقضيه لغيره من خلق الله عز وجل؟ فالله الله! أن ينظر الله عز وجل عليك في البلاء، وقد رفعت كفك إلى غير الله. الله الله! أن ينظر الله إليك في البلاء وقد تعلقت بغيره جل في علاه. الله الله! أن ينظر الله إليك في البلاء وقد صرفت شعبةً من شعب قلبك تعتقد فيها في أحد سواه. الله الله! أن ينظر الله إليك في البلاء وقد تعلقت بغيره وعذت بأحد سواه، فوالله إن وليت عن الله خسف الله الأرض من تحت قدمك، وكم من أقوام استعاذوا واستجاروا بغير الله ففرج الله عنهم الكربات امتحاناً واختبارا، واستدرجهم منه علماً وحكمةً واقتدارا، ثم ابتلاهم بالبلاء الذي هو نهايتهم من حيث لا يحتسبون. ذكروا عن رجل أنه كان يقرب ساحراً، وكان يثق بهذا الساحر ثقةً عمياء، وكان هذا الساحر بزعم ذلك المبتلى يفرج همه، وينفس كربه، والله يستدرجه اليوم تلو اليوم، حتى قوي اعتقاد ذلك الرجل في ذلك الساحر -والعياذ بالله- وقوي اعتقاده في ذلك الكاهن من دون الله -نسأل الله السلامة والعافية- فشاء الله عز وجل لما عظم يقين هذا العبد أن يسلط عليه الساحر فيؤذيه والعياذ بالله بسحره. فلذلك -أحبتي في الله!- من وثق بالله، وأيقن بالله تبارك وتعالى، أحس في قرارة قلبه أن لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، إن فقدت الأموال فإنك لم تفقد ربها، وإن فقدت الأبناء والبنات فإنك لم تفقد من أوجدها ومن خلقها، وإن فقدت الآباء والأمهات، فإنك لم تفقد من جبل قلوبهم إلى الحنان فأحسنوا إليك ووهبوا يد المعروف إليك. فالله الله! أن يخيب ظنك في رجائه، أو تكون من عباده الذين ضل سعيهم بالرجاء في غيره.

الوصية الثالثة: الصبر على البلاء

الوصية الأخيرة: التي أوصي بها كل مفجوع، وأوصي بها كل مؤمن مفزوع؛ وصية وصى الله عز وجل بها في كتابه وذكرها في أكثر من ثمانين موضعاً من كتابه، إنها الصبر على البلاء، قال الله تعالى يوصي نبيه: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ } [النحل:127] وقال لعباده المؤمنين:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران:200] وقال مثنياً على نبيه أيوب: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ} [ص:44]. إذا أنزل الله عليك البلاء فأصبحت صابراً قانتاً لله ينعم الله عليك، فيقول: نِعم العبد أيوب، حينما أصيب في نفسه، وفي أهله وولده فصبر لوجه الله، قال الله تعالى عنه: {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص:44] فإذا أردت أن ينعم الله عليك فاصبر، قال صلى الله عليه وسلم:«ومن يصبر يصبره الله » [صحيح البخاري] وقال عليه الصلاة والسلام:« ما أعطي عبد عطاءً أفضل من الصبر» [صحيح البخاري] ولذلك جرب في أي بلية نزلت بك أو مصيبةٍ -لا قدر الله- أحاطت بك، إذا صبرت وسلوت وتعزيت أحسست بنوع من الإرتياح، وأحسست بطمأنينة وانشراح وذلك عاجل ما يكون للصابرين. أما العاقبة التي تجنيها، فقال عمر رضي الله عنه عن عاقبة الدنيا:" وجدنا ألذ عيشنا بالصبر"، ما طابت الحياة ولا لذت الحياة بشيء مثل الصبر، إن أصابتك المصيبة تعلقت بالله فسلوت فأصبحت لا تقلق ولا تجزع، تحس أن الله تبارك وتعالى سيحسن لك العاقبة، إما أن يزيلها أو يعظم لك الأجر فيها. ولذلك ورد في بعض الأحاديث -ولكن تكلم العلماء في سنده إلا أن معناه صحيح- يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيه: «إذا لقي أهل البلاء ربهم يوم القيامة فوجدوا ثوابهم على الصبر تمنوا أن حياتهم كلها في بلاء» والله تعالى يقول في كتابه:{ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ }[الزمر:10] قوله: بغير حساب من الله، ليست بالهينة. وقال بعض العلماء في هذه الآية الكريمة: "إن العبد إذا عظمت مظالم العباد عليه فإن الله عز وجل يوفي المظالم بالصبر"، ولذلك في الصيام قال عليه الصلاة والسلام: (يقول الله تعالى: كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به) قال العلماء: "لأن الصيام صبر واحتساب"، فإذا بلي الإنسان بمظالم الناس، وجاءته البلايا فصبر ضاعف الله أجره في الصبر حتى تأخذ المظالم منه حسنة حسنة، ولا يزال الصبر يضاعف أجره حتى يأخذ أجر العمل كاملا، فيوافي الله عز وجل برحمة منه ورضوان. الصبر أعظم خصلة في المؤمن والله تعالى وعد أهلها بقوله: وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:66] فمن صبر صبره الله عز وجل ومن ثبت ثبت الله عز وجل جَنانه وقلبه، ولذلك أُثر عن بعض الصالحين من السلف والماضين أنهم كانوا يجدون اللذة بالصبر فكان الواحد منهم إذا صبر لا يشتكي إلى أحد، ولا يطلع أحداً على بلائه إلا إذا اطلع من دون علمه، وأذكر بعض العلماء الفضلاء من مشايخنا رحمة الله عليهم، ابتلي ببلاءٍ في جسده فمكث ثلاث سنوات لا يعلم أبناءه بذلك البلاء حتى أنتفخ جلده وتقرح ذلك الجلد، من قوة صبره ويقينه بالله.

أعلى مراتب الصبر

ولذلك الصبر على مراتب، أعظمها وأجلها: ألا تشتكي الله إلى خلقه، وأن لا تبث أشجانك وأحزانك إلا إلى الله وحده لا شريك له، وهذا هو خُلق الأنبياء، قال الله عن نبيه يعقوب: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف:86] فأكمل ما يكون الصبر إذا كتم العبد غيظه، وصبر على بلائه، ووافى الله تبارك وتعالى محسن الظن به، فهذه أكمل درجات الصبر. وليس معنى هذا أنه يحرم على الإنسان أن يبث أشجانه وأحزانه إلى الناس، لا. إنما المقصود أن يكون الإنسان على الأكمل فلا يشتكي إلا إلى ربه، ولا يعول في تفريج كربه إلا على خالقه, ولذلك جعل الله تبارك وتعالى ثمرات الصابرين خيرا. وكان بعض السلف رحمهم الله إذا اشتكى إليه أحد مرضه قال له: "اتق الله! أتشتكي من يرحم إلى من لا يرحم"؟ أي: هل تشتكي الله إلى خلقه؟! فأكمل ما يكون الصبر إذا تعزى العبد بربه، وبث أشجانه وأحزانه إلى خالقه. نسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل لنا ولكم من كل همٍ فرجا، ومن كل ضيقٍ مخرجا، ومن كل بلاءٍ عافية. اللهم فرج هم المهمومين، ونفس الكرب عن المكروبين. اللهم فك أسرى المأسورين، وارحم عبادك المعذبين، وسلِّ عبادك المصابين. اللهم إنا نسألك يقيناً تهون به علينا مصائب الدنيا. اللهم إنا نسألك الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك الكريم، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه.


الأسئلة


معنى سعادة المؤمن في الدنيا والآخرة

السؤال: كيف نوفق بين أن ابتلاء المؤمنين سنة من سنن الله وأن المؤمنين لهم السعادة في الدنيا والآخرة؟ الجواب: السعادة ليست في الصور والأشكال .. السعادة ليست في المناظر وليست في زهرة الحياة الدنيا، السعادة سعادة القلب ولله در الشاعر إذ يقول: ولم أر السعادة جمع مالٍ ولكن التقي هو السعيد الراحة و الطمأنينة والسعادة التي وعد الله بها المؤمن في قلبه وفؤاده، ولذلك تجد الإنسان فقيراً مدقعاً لا طعام عنده ولا شراب ولا كساء وتقول له: كيف حالك؟! يقول لك: الحمد لله في نعمة وفضل من الله، وتجد الرجل طريح الفراش مشلول اليدين مشلول القدمين أعمى أصم فتخاطبه ويسمعك فتقول له: كيف حالك؟! فيقول لك: الحمد لله. والله إن أحد الشباب من الأخيار أصيب منذ عهد قريب فأصبح -والعياذ بالله- مشلولاً لا يتحرك، لكن كل من يدخل عليه يعجب من قوة إيمانه وثبات جنانه، ويقول: ما رأينا أشرح صدراً من ذلك الرجل، ليست السعادة في المناظر، وليست السعادة في هذا الزهرة، السعادة في التعلق بالله تبارك وتعالى، المؤمن له السعادة؛ لأن عنده اليقين الذي يتعلق به بالله عز وجل. لذلك تجد أغنى الناس أشقى الناس بغناه، تجد له قلباً هنا وقلباً هناك وقلباً مع التجارة وقلباً مع السيارة وقلباً في العمارة، في همٍ ونكدٍ لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى، تجده يركب أحسن وأفره السيارات، ولكن داخل قلبه من الجحيم والقلق والاضطراب النفسي ما لا يعلمه إلا الله عز وجل، مع أنه في عز وكرامة ومال وجاه لكن فقَدَ السعادة الحقيقية، فقَدَ الإيمان بالله والصلة والثقة بالله عز وجل. وأضرب لك مثلاً أوسع من ذلك كله: انظر إلى أغنى الناس تجده أكثر الناس مرضاً، تجده أغنى الناس ولو طلب أي طعام يلبى له، ولكن عنده مرض في السكر، وعنده مرض في الضغط، وعنده مرض في عينه ومرض في قدمه بسبب هذه الأموال والهم الذي أصابه من هذه الأموال، ومع ذلك لا يستطيع أن يأكل إلا طعاماً معيناً، ولا يشرب إلا بطريقة معينة؛ لأنه حرُم السعادة الأبدية، ولذلك قد تجد الإنسان فقيراً مدقعاً حوله أبناءه لطف الله به من حيث لا يشعر. هب يا أخي الكريم: أن الله أعطاك الأموال فعظمت تجارتك وكثرت أموالك وأصبح عندك في كل وادٍ تجارة، وفي كل مدينة تجارة، يتشتت قلبك ويتشتت ذهنك، حتى إن أبناءك يتشتتون بهذه الأموال التي لك، يوماً يسافر ويوماً يغادر ويوماً في مكان كذا ويوماً في مكان آخر، ولا يمكن أن يتمتع الغني، سله متى يتمتع بأبنائه؟ ربما يمر عليه العام الكامل لا يرى ابنه أو ربما يراه يوماً أو يومين، ومع ذلك يظن أنه في سعادة، أي سعادة هذه؟ المال الذي يظن الإنسان أنه سعادة قد يكون سبباً في تدمير حياته كلها، فإن قارون أشقاه الله بماله. ولذلك ذكر لي الوالد رحمه الله قصةً عجيبة، يقول: قامت الحرب العالمية فجئت ذات يوم والطعام قد أصبح شغل الناس، حتى إنه بيع بيت في ساحة المدينة بكيس أرز، نسأل الله ألا يبتلينا بمثل تلك الأيام. الشاهد على هذه العبرة العظيمة يقول: تاجر دخلت عليه عند قيام الحرب -وكان قد اشترى سفينة من الأرز- فجاءه الخبر أن الأرز قد ارتفع وأنه غلي سعره في السوق، فمن شدة الصدمة خر ميتاً من فوق كرسيه، ثم مرت الأيام تلو الأيام واحتجت أن أشتري أرزاً عند انتهاء الحرب، فوقفت على تاجر أيضاً قد اشترى سفينة من الأرز وجاءه الخبر أن السوق قد كسد، فسقط ميتاً من ساعته، فسبحان الله!! أحدهم عند غلاء السوق والثاني عند كساده، ما نفعت الأموال ولا نفعت التجارات، الأموال والتجارات إذا لم تقرب من الله عز وجل فلا خير فيها. إن أيام البلايا التي تكثر فيها التضرع لله عز وجل إذا كشفت كرباتها تتمنى أن تعود لك تلك الأيام التي كنت تناجي فيها الله عز وجل من حلاوة المناجاة وحلاوة مناداة الله عز وجل، هذا كله هو السعادة الحقيقية، فالبلاء الذي يصيب المؤمن يصيبه في الظاهر أما الباطن فلا يصيبه؛ لأن قلبه مع الله ويقينه بالله. ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يهبنا وإياكم اليقين، وأن لا يبتلينا بشيء لا نطيقه، وأن يجعل بلاءنا وإياكم في السراء والشكر عليها، وأن يجعلنا من الشاكرين والله تعالى أعلم.

علاج قسوة القلب

السؤال: إني إذا قرأت القرآن لا تدمع عيناي وإذا صليت لا أخشع في صلاتي، فهل هذا من قسوة القلب؟ وما هو العلاج جزاكم الله خيرا؟ الجواب: أما إذا كان الإنسان يسمع القرآن ولا تدمع عينه فإنه واحد من رجلين: إما أن يجمع الله له بين المصيبتين فلا يخشع قلبه ولا تدمع عينه، فإنه من القاسية قلوبهم عن ذكر الله الذين توعدهم الله عز وجل بالعذاب والشقاء، فقال سبحانه:{ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الزمر:22]. وأما إذا كان الإنسان لا تدمع عينه ولكن قلبه يخشع، ويجد للآيات أثرا فيذل لله عز وجل ويخضع، فما عليك إذا خشع قلبك أن لا تدمع عينك، فإن الله تبارك وتعالى إذا أعطى العبد خشوع القلب فقد أعطاه الخير كله، ولذلك بين الله تعالى بقوله: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص:29]. المقصود من القرآن أن تتدبره وتتأمله وتتأثر بتلك الآيات التي تتلى عليك، وتقرأه بين يديك، فإذا وجدت لهذه الآيات أثراً في قلبك فذلك هو المقصود، فإن دمعة عينك فضل على فضل، وإن لم تدمع عينك فالمهم خشوع القلب، ودمعة العين فضل من الرب من أعطاه أعطاه لحكمة، ومن منعه منعه لحكمة، ونسأل الله العظيم أن يجعلنا من أصحاب الفضلين. ولكن لعلك أن تتألم فتقول: لماذا لم يجمع الله لي بين الخشوعين: خشوع القلب وخشوع العين؟! فأقول لك: ارض عن قسمة الله، لعل الله علم أن لو خشعت عينك فدمعت أن يصيبك الغرور، ولعل الله علم أنه إذا دمعت عينك أن تصبح مرائياً في عبادتك فتخرج صفر اليدين من صلاتك وقراءتك، فلطف الله بك من حيث تشعر أو لا تشعر فارض عن الله فيما قسم، واسأل الله عز وجل الفضلين والإخلاص في كلا الحسنيين والله تعالى أعلم.


حكم ترك التداوي بحجة طلب الأجر من الله

السؤال: ما حكم من أعرض عن التداوي ولم يطلب الدواء بحجة أن المرض مأجور عليه وأنه لا يلجأ إلا إلى الله سبحانه وتعالى؟ الجواب: بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فتسأل أخي في الله! عن رجل يزعم أنه لا يتداوى؛ لأن الله تبارك وتعالى يدفع عنه ذلك البلاء وذلك الداء. فأقول: هذا الظن خاطئ ومخالف لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما كتاب الله: فإن الله لما أمر أيوب أن يركض برجله دل ذلك على الأخذ بالأسباب في العلاج، وكان في الإمكان أن يقول الله: قد شفيتك يا أيوب، ولكن أمره أن يركض برجله حتى يعلم العباد أن سنة الله في الكون أن للداء دواء، وأن للبلاء شفاء. وكذلك ثبتت السنة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جاءه قوم من الأعراب، كما روى الترمذي وغيره في السنن فقالوا:«يا رسول الله أنتداوى؟! فقال عليه الصلاة والسلام: تداووا عباد الله فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء» [المحدث: الالباني,صحيح]، وقال عليه الصلاة والسلام: «ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله» [المحدث :ابن باز,صحيح] أو كما قال عليه الصلاة والسلام. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إمام المتوكلين، وقدوة الصابرين، وأسوة المحتسبين، وكان يأخذ بالدواء وكان يتداوى. وكانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ذات طب ومعرفة بالطب، قال لها عروة ذات يوم: [يا أماه! أما علمك بالكتاب والسنة فذلك ليس بغريب، وأما علمك بأشعار العرب فليس بغريب، ولكن الطب من أين أخذته؟ فقالت له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرض فجاءه الحكماء فأخذوا يصفون له الدواء فمن ثم]، يعني تعلمت الطب بوصفهم. فدل هذا على مشروعية الأخذ بالأسباب، ولم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من الطب، بل قال بعض العلماء: إن الإنسان إذا تداوى كان ذلك من الإيمان بالله، وقالوا: إن التداوي يعين على الإيمان بالله؛ لأنك إذا أخذت شجرةً مثلاً كانت دواءً لمرض فشربتها فزال عنك السقم قلت: لا إله إلا الله، سبحان من جعل شفاء دائي في هذه الشجرة! ولذلك جعل الله عز وجل شفاء الأسقام في الأعشاب، وجعلها في غيرها من الأدواء، كل ذلك لكي يكون حكمةً وعلماً للعباد وبصيرة، فمن أنكر الداء فإنه مخالف للسنة ولهدي نبي الأمة صلوات الله وسلامه عليه، وهذا هو التواكل المذموم، وإنما ينبغي للإنسان أن يأخذ بالسبب وأن يتوكل على الله عز وجل. كان الإمام الشافعي رحمه الله يقول: [ضيعوا ثلث العلم ووكلوه إلى اليهود والنصارى، قالوا: وما ثلث العلم؟! قال: الطب، ثلث العلم الطب؛ لأن فيه شفاء الأسقام.] وهذا الأثر عن الشافعي رحمه الله رواه عنه البيهقي بسنده. لماذا ثلث العلم؟! لأن علم الشرع على ضربين: علم يتعلق بالاعتقاد، وعلم يتعلق بالأبدان والجوارح، فأصبح علم بالظاهر وعلم بالباطن، علم التوحيد وعلم الفروع التي هي محققة للتوحيد، فهذان علمان فهما طب الروح والجسد، بقي طب البدن من الظاهر وهو العلم الثالث، فقال رحمه الله من فهمه وفقهه: "ضيعوا ثلث العلم ووكلوه إلى اليهود والنصارى" يعني احتاجوا إلى اليهود والنصارى. فالمفروض على المسلم أن يتعلم الطب، وأن يتداوى، فالذي أنزل الداء أنزل الدواء، ومن أنزل البلاء أنزل الشفاء، فلذلك كان من الإيمان بالله الأخذ بالأسباب والتداوي بها والله تعالى أعلم.



المصدر


الشبكة الإسلامية


 


اضف تعليقك

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3148 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3490 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3566 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟