نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

شهادة التاريخ
2-10-2009 1499   
   
عدد مرات التحميل : 6

شهادة التاريخ

 

حين يعيش الإنسان فترة من الحياة فإنه يراها مجسمة مضخمة، لأنه يعيش دقائقها وتفصيلاتها وجميع لحظاتها، لحظة إثر لحظة، فيراها - من ثم - أضخم من أي فترة اخرى من التاريخ!!

وهذا أمر "بشري" من جميع جوانبه!!

فالعين ترى المنظر القريب كبيراً مفصلا مجسما.. ثم يتضاءل في نظرها - هو ذاته - حين تبعد عنه بضع خطوات أو بضعة أميال..

والإنسان يحس بأموره هو كبيرة مفصلة مجسمة، لأنها أقرب شيء إليه.. ثم يرى مثيلاتها عند شخص آخر - أمامه - فلا يحسها بهذا الكبر والتفصيل والتجسّم، وإن عطف عليها أو شارك فيها بوجدانه.. ولا يخيل إليه أبداً أنها تشابه تجربته الشخصية.

بل الإنسان الواحد يحس لحظته الراهنة كبيرة مفصلة مجسمة، لأنه يعيشها الآن، فهي قريبة من حسه وشعوره وتفكيره، فإذا مرت ودخل في غيرها، تضاءلت في حسه - وهي جزء منه هو ذاته - وصارت - بكل آلامها أو آمالها - أصغر من لحظته الجديدة الراهنة الداخلة في بؤرة الإحساس والتفكير و "المعايشة "..

ومن ثم يرى أهل القرن العشرين أن هذا القرن فريد تفرداً كاملا في كل شيء، وأنه لا مثيل له في شيء قط على مدار التاريخ..

ذلك لأنهم يعيشونه.. أما الآخر فتاريخ!!

وحقيقة إن القرن العشرين متفرد في كثير من الأمور. فهذه "الصورة" من الحياة، بكل تفصيلاتها ودقائقها، لم تعشها البشرية قط من قبل.. لم يكن لديها صواريخ ولا طائرات ولا سفن سريعة ولا قطر ماردة، ولا إذاعة ولا سينما ولا تليفزيون.. ولا إنتاج آلي ضخم يشمل كل مرافق الحياة..

ذلك كله صحيح..

ولكن دلالته غير صحيحة!!

دلالته التي يريد الناس أن يستخرجوها منه أنه لا شيء على الإطلاق مما يعيشونه اليوم قد عاشه أي جيل من قبل. وأنه لا شيء مما يحدث اليوم قد حدث في أي يوم من التاريخ!!

والناس لا يقرأون التاريخ!!

لا يقرأونه لأنهم مشغولون بأحداث الحاضر الجسيمة، التي يزيدها جسامة أنهم يعيشون فيها بالفعل، فتبدو لهم دقائقها مجسمة ضخمة. ولا يقرأونه كذلك غرورا منهم! غرورا يخيِّل إليهم أنهم مقطوعو الصلة بالماضي كله، لأنهم خلق جديد لا شأن له بماضي الإنسانية السالف، ولا شبه بينهم وبينه، فلا "عبرة" إذن ترتجى من وراء قراءة التاريخ!!

وقد يتواضعون قليلا فيدرسون تاريخ أوربا الحديث!!، تاريخ النهضة. لأنهم - وقد تثقفوا - يعرفون أن التغيرات لا تحدث بين يوم وليلة. وإنما هي تمر في "تطور" بطيء جداً. فالقرن العشرون، بما يحمله من آيات ضخمة، قد ولد - مثلا - في عصر النهضة، أي في القرن الرابع عشر أو الخامس عشر، "فيحسن" من باب الاستئناس أن يقرأ الإنسان التاريخ الحديث والمعاصر، ليرى فيه مولد القرن العشرين!!

ولكنهم لا يصلون في التواضع - إلا نادراً - إلى حد قراءة ما سلف قبل ذلك من التاريخ!!

ولست أتحدث بطبيعة الحال عن "العلماء" و "العقلاء".. إنما أتحدث عن "الجماهير".. بما في ذلك "جماهير المثقفين"!!

* * *

لذلك فنحن محتاجون إلى قراءة التاريخ...

محتاجون إليه لنرى صورة البشرية على حقيقتها، ولنحدث شيئاً من الاتزان في رءوسنا التي أدارها الدوي الطنان الذي نعيشه في القرن العشرين: دوي الآلات الضخمة، والسباق المجنون.. ودوي الفتنة المائجة في الطريق.

* * *

أغمض عينيك لحظة.. أغمض عينيك عن شاشة التليفزيون التي أمامك، أو عن الصاروخ الجبار الذي انطلق منذ لحظة. أو عن السيارة الفاخرة التي تنهب بك الأرض. وأغمض عينيك لحظة كذلك عن تلك الفتاة التي لبست أحدث ما أخرجته بيوت الأزياء في باريس.. فستانا يحاذي الركبة، وينحسر عنها حين تجلس فيكشف عما فوقها، ثم تزينت أعظم زينة، وخرجت "تتبختر" في رشاقة فاتنة تلهب المشاعر وتجذب العيون.

أغمض عينيك لحظة.. وانس أنك تعيش الآن في النصف الثاني من القرن العشرين. واستمع لهذه الكلمات!!

"أرقى الأمم القديمة حضارة وأزهرها تمدنا في التاريخ، هم اليونان. وفي عصرهم البدائي كانت المرأة في غاية من الانحطاط وسوء الحال من حيث نظرية الأخلاق والحقوق القانونية والسلوك الاجتماعي جميعاً. فلم تكن لها في مجتمعهم منزلة أو مقام كريم. وكانت الأساطير (Mythology) اليونانية قد اتخذت من امرأة خيالية اسمها "باندورا" (Pandora) ينبوع جميع آلام الإنسان ومصائبه، كما جعلت الأساطير اليهودية حواء: العين التي تنشق منها جداول الآلام والشدائد. وغير خاف على أحد ما كان لهذه الأسطورة اليهودية الشنيعة عن حواء من تأثير عظيم في سلوك الأمم اليهوية والمسيحية قبل المرأة، وما كان لها من مفعول قوي في حقول القانون والأخلاق والاجتماع عند هؤلاء الشعوب. وكذلك أو دونه بقليل كان تأثير الأسطورة اليونانية عن (باندورا) في عقولهم وأذهانهم. فلم تكن عندهم إلا خلقاً من الدرك الأسفل، في غاية من المهانة والذل في كل جانب من جوانب الحياة الاجتماعية. وأما منازل العز والكرامة في المجتمع فكانت كلها مختصة بالرجل.

وبقي هذا السلوك قبل المرأة في أول عهدهم بالنهضة المدنية ثابتا على حاله، ربما تخللته تعديلات قليلة. فإنه كان من تأثير ذيوع العلم وانتشار أنوار الحضارة أن ارتفعت مكانة المرأة في المجتمع وأصبحت أحسن حالا وأرفع منزلة من ذي قبل، وإن بقيت منزلتها القانونية على حالها لم تتبدل. فهي أصبحت ربة البيت، منحصرة واجباتها في حدوده، وأصبح لها في داخله سلطة ونفوذ تام. وكان عفافها وتصونها من أغلى وأنفس ما يملك، ومما ينظر إليه بعين التقدير والتعظيم. وأيضاً كان الحجاب شائعا في البيوتات العالية. فكانوا يبنون بيوتهم على قسمين: قسم للنساء وآخر للرجال. وما كان نسوتهم يشاركن في المجالس والأندية المختلطة ولا يبرزن في الأماكن العامة.

وكان يعد زواج المرأة وملازمتها لزوجها دون غيره من أمارات النجابة والشرف. ولأمثالها كانت الحرمة والمنزلة في المجتمع. وبالعكس من ذلك كانوا ينظرون إلى حياة العهر والدعارة نظرة كره وازدراء..

هذا في عصر كانت الأمة اليونانية في إبان مجدها وعنفوان شبابها وقوتها، وكانت تنمو صعدا إلى الرقي والكمال. ولا ريب أنه كانت توجد عندهم مفاسد خلقية في ذلك العصر، إلا أنها كانت منحصرة في نطاق محدود.

وذلك أن الرجال لم يكونوا يطالَبون بمُثُل من العفاف وطهارة الأخلاق وزكاء السجية كانت تطالب بها المرأة وتؤاخذ عليها، بل كانوا يستثنوْن من التخلق بتلك الأخلاق الحسنة، ولم يكن من المتوقع منهم أن يعيشوا عيشة ذوي العفاف والحشمة. ومن أجل ذلك كانت المومسات جزءا من صميم المجتمع اليوناني لا ينفك عنه أبداً، ولا يعاب المرء إذا عاشرهن وخادنهن!!!

ثم جعلت الشهوات النفسية تتغلب على أهل اليونان ويجرف بهم تيار الغرائز البهيمية والأهواء الجامحة، فتبوأت العاهرات والمومسات مكانة عالية في المجتمع لا نظير لها في تاريخ البشرية كله، وأصبحت بيوت العاهرات مركزا يؤمه سائر طبقات المجتمع، ومرجعاً يلجأ إليه الأدباء والشعراء والفلاسفة. فكانت شموسا في سماء العلم والأدب يدور حولها كواكب الفلسفة والأدب والشعر والتاريخ وما عداها من الفنون. بل أصبحن القطب الذي تدور حوله رحى الأمة اليونانية. فما كنّ يرأسن أندية العلم ومجالس الأدب فحسب، بل كانت المشاكل السياسية أيضاً تحل عقدها وتفك معضلاتها بحضرتهن وتحت إشرافهن. وقد بلغ بهم التعسف في هذا الشأن أن كانوا يرجعون في المسائل الرئيسية التي تعلو بها أمة وتسفل، وتحيا لها وتموت، إلى المرأة التي ربما لا ترضى أن تعاشر رجلا بعينه أكثر من ليلة أو ليلتين!!!

ثم زاد أهلَ اليونان حبهم للجمال وتذوقهم المفرط تماديا في الغي وارتطاما في حمأة الرذائل، وأضرم في قلوبهم ناراً للشهوات لا تخمد. فالتماثيل - نماذج الفن العارية - التي كانوا يُظهرون بها وبالافتنان في صنعها وإتقانها ذوقهم هذا، كانت هي التي تحرك فيهم الشهوات دوما وتمد في غرائزهم البهيمية. ولا يخطر لهم ببال أن الاستسلام للشهوات شيء ذميم في قانون الأخلاق، والاندفاع وراء تيار الأهواء عار وهجنة. وتبدلت مقاييس الأخلاق عندهم إلى حد جعل كبار فلاسفتهم وعلماء الأخلاق عندهم لا يرون في الزنا وارتكاب الفحشاء غضاضة يلام عليها المرء ويعاب. وأصبح عامتهم ينظرون إلى عقد الزواج نظر من لا يهتم به، ولا يرى إليه من حاجة. وقلما يرون بأسا بأن يعاشر الرجل المرأة ويخادنها علنا من غير عقد ولا نكاح.

...

...

والذين تسلموا ذروة المجد والرقي في العالم بعد اليونانيين هم الرومان. وفي هذه الأمة أيضاً نرى تلك السلسلة من الصعود والهبوط التي قد شاهدناها في اليونان. فحينما خرج الرومان من عصر الوحشية وظلمة الجهل، وظهروا على مسرح التاريخ لأول مرة، كان الرجل رب الأسرة في مجتمعهم، له حقوق الملك كاملة على أهله وأولاده، بل بلغ من سلطته في هذا الشأن أن كان يجوز له حتى قتل زوجه في بعض الأحيان.

ولما تخففت فيهم صورة الوحشية وتقدموا خطوات في سبيل المدنية والحضارة، تخففت القسوة في تلك السلطة وجعلت الكفة تميل إلى الاستواء والاعتدال شيئاً فشيئاً، وإن بقي نظام الأسرة القديم ثابتاً على حاله. وهؤلاء لم يكن الحجاب عندهم معمولا به - كاليونان - في إبان مجد الجمهورية الرومانية ورقيها. لكنهم كانوا قيدوا النساء والشباب عامة بقيود مثقلة من نظام الأسرة. فالعفاف كان شيئاً ينظر إليه بعين الإجلال ولا سيما في شأن النساء، وكان يعد مقياساً للشرف وكرم المحتد. وكذلك كان مستوى الأخلاق عندهم عالياً. ومن أمثال ذلك أن اتفق ذات مرة أن عضو مجلس الشيوخ قبل زوجه أمام ابنته، فغضب عليه القوم وحكموا على صنيعه بأنه غض من كرامة الخلق القومي وإهانة له، وأمضوا إقرار النكير (Vote of Censure) عليه في مجلس الشيوخ. هذا وما كان مباحا عندهم ولا مرضياً في أخلاقهم أن يتعاشر الرجل والمرأة بدون عقد مشروع. وما كانت المرأة تتبوأ مكانة العز والكرامة في المجتمع إلا بأن تكون أمًّا لأسرة (Matron) والمومسات، وإن كانت طبقتهن موجودة، وكان للرجال نوع من الحرية في مخادنتهن، إلا أن عامة الرومان وجمهورهم كانوا يزدرونهن وينظرون إليهن نظرة احتقار وتعيير. وكذلك ما كانوا ينظرون بعين الاستحسان إلى الرجال المخادنين لهن.

ثم أخذت نظرية الرومان في النساء تتبدل برقيهم وتقلبهم في منازل المدنية والحضارة. وما زال هذا التبديل يطرأ على نظمهم وقوانينهم المتعلقة بالأسرة وعقد الزواج والطلاق، إلى أن انقلب الأمر ظهراً لبطن، وانعكست الحال رأساً على عقب، فلم يبق لعقد الزواج عندهم معنى سوى أنه عقد مدني (Civil Contract) فحسب، ينحصر بقاؤه ومضيه على رضا المتعاقدين، وأصبحوا لا يهتمون بتبعات العلاقة الزوجية إلا قليلا.

ومنحت المرأة جميع حقوق الإرث والملك، وجعلها القانون حرة طليقة لا سلطة عليها للأب ولا للزوج، ولم تصبح الرومانيات مستقلات بشئون معايشهن فحسب، بل دخل في حوزة ملكهن وسلطانهن جزء عظيم من الثراء القومي على مسير الأيام. فكن يقرضن أزواجهن بأسعار الربا الفاحشة، مما يعود به أزواج المثريات من النساء عبيداً لهن في ميادين العمل والواقع. ثم سهلوا من أمر الطلاق تسهيلا جعله شيئاً عادياً يلجأ إليه لأتفه الأسباب. فهذا "سنيكا" الفيلسوف الروماني الشهير (4 ق. م - 56 م) يندب كثرة الطلاق ويشكو تفاقم خطبه بين بني جلدته فيقول: "إنه لم يعد الطلاق اليوم شيئاً يندم عليه أو يستحيى منه في بلاد الرومان, وقد بلغ من كثرته وذيوع أمره أن جعلت النساء يعدون أعمارهن بأعداد أزواجهن. وكانت المرأة الواحدة تتزوج رجلا بعد آخر وتمضي على ذلك من غير حياء"!!.

وقد ذكر مارشل (43 - 104 م) امرأة تزوجت عشرة رجال، وكذلك كتب جووينل (60 - 140 م) عن امرأة تقلبت في أحضان ثمانية أزواج في خمس سنوات، وأعجب من كل ذلك وأغرب ما ذكره القديس جيروم (340 - 420 م) عن امرأة تزوجت في المرة الأخيرة الثالث والعشرين من أزواجها، وكانت هي أيضاً الزوجة الحادية والعشرين لبعلها!!!

ثم بدأت تتغير نظرتهم إلى العلاقات والروابط القائمة بين الرجل والمرأة من غير عقد مشروع. وقد بلغ بهم التطرف في آخر الأمر أن جعل كبار علماء الأخلاق منهم يعدون الزنا شيئاً عادياً. فهذا كاتو (Cato) الذي أسندت إليه الحسبة الخلقية سنة 184 قبل الميلاد، يجهر بجواز اقتراف الفحشاء في عصر الشباب. وذاك شيشيرون (Cisro) المصلح الشهير يرى عدم تقييد الشبان بأغلال الأخلاق المثقلة ويشير بإطلاق العنان لهم في هذا الشأن. ولا يقتصر الأمر عليهما بل يأتي إبكتيتس (Epictetus) الذي يعد من المتصلبين في باب الأخلاق من فلاسفة الرواقيين (Stoics) فيقول لتلاميذه مرشداً ومعلماً: "تجنبوا معاشرة النساء قبل الزواج ما استطعتم. ولكنه لا ينبغي أن تلوموا أحداً أو تؤنبوه إذا لم يتمكن من كبح جماح شهواته".

"ولما تراخت عرى الأخلاق وصيانة الآداب في المجتمع الروماني إلى هذا الحد، اندفع تيار من العري والفواحش وجموح الشهوات فأصبحت المسارح مظاهر للخلاعة والتبرج الممقوت والعري المشين. وزينت البيوت بصور ورسوم كلها دعوة سافرة إلى الفجور والدعارة والفحشاء. ومن جراء هذا كله راجت مهنة المومسات والداعرات وانجذبت إليهن نساء البيوتات. وتمادى الأمر في ذلك إلى أن اضطر القوم إلى وضع قانون خاص في عصر القيصر تائي بيريس (14 - 37 م) لمنع نساء البيوت من احتراف مهنة المومسات وصناعتهن النافقة. ونالت مسرحية فلورا (Flora) حظوة عظيمة لدى الروم لكونها تحتوي على سباق النساء العاريات. وكذلك انتشر استحمام الرجال والنساء في مكان واحد بمرأى من الناس ومشهد. أما سرد المقالات الخليعة والقصص الماجنة العارية فكان شغلا مرضيا مقبولا لا يتحرج منه أحد، بل الأدب الذي كان يتلقاه الناس بالقبول والرضى هو الذي يعبر عنه اليوم بالأدب المكشوف، وهو الذي تبين فيه أحوال الحب والعناق والتقبيل سافرة غير مقنعة بحجب من المجاز والكنايات"

* * *

الآن تستطيع أن تفتح عينينك!!

ما رأيك في هذا " الشريط " من الأخبار؟!

لكأنك تراه أمامك اللحظة في السينما أو التليفزيون!!

هل هناك كبير فرق؟! ما أشبه الليلة بالبارحة!!

إن بعض أجزاء الصورة توشك أن تكون بحذافيرها وصفا لما هو كائن اليوم في القرن العشرين، لما كان موجودا قبل عشرين قرنا، أو أكثر من عشرين!!

المرأة المتبرجة المتزينة التي تفتن الرجل بتبرجها وزينتها..

المرأة التي تقضي في شئون الأدب والفن والسياسة..

المرأة التي تملك الرجل وتسيره حسب هواها..

المرأة "المستقلة اقتصاديا" التي تفهم من استقلالها الاقتصادي أن لها حق "التحرر" أو التحلل الخلقي..

الرجل الباحث عن متاع الجسد، الساعي خلف المرأة المتبرجة..

الرجل المشغول بمتاع الجسد عن جديات الأمور.

الرجل الباحث عن "بهجـة المجتمع" وعن المرأة التي "تشارك فـي حمل أعباء الحياة".

الرجل الذي ينظر إلى المرأة المتحللة على أنها "ضرورة اجتماعية" ويرحب بها على هذا الأساس.

و الأدب المكشوف، والمسارح العارية، والتفنن في الفحشاء.

أكثير هو الذي تغير؟!

بل.. هل تغير شيء في الحقيقة؟!


* * *


إن الإنسان ليذهل من قراءة التاريخ.

يذهل أن تكون صورة الحياة اليوم - في جوهرها - هي إلى هذا الحد تكرار لما كان قبل ألفين من السنين!!

ويذهل من جهالة الجاهلين، ودعاوى المزيِّفين!!

المزيفين الذين يزعمون أن الحياة الاجتماعية الحديثة صورة فريدة لم تتكرر في التاريخ، ونتيجة "للتطور" الذي جاء به "العلم".. والجاهلين الذين يصدقون هؤلاء المزيفين!!

أين هو "التطور" في صورة الحياة الاجتماعية؟!

لقد تغيرت الأدوات حقاً.. ما في ذلك شك!!، ولكن "العمل" ذاته هل تغير؟!

وأية سذاجة أو جهالة أو تزييف تلك التي تجعلنا نحسب الأمر جديداً لأن "كرستيان ديور" هو الذي يصدر أزياء النساء ولم يكن موجودا من قبل، وأن السينما هي التي تعرض العري والدعارة والفجور ولم تكن موجودة من قبل، وأن التليفزيون هو الذي ينقل صور الفساد إلى داخل البيوت ولم يكن موجودا من قبل، وأن الشارع الذي تستعرض فيه المرأة قدرتها على الفتنة والإغراء شارع واسع "مسفلت" نظيف مزدحم بالسيارات الخاصة والعامة ولم يكن موجودا من قبل؟!

أية سذاجة أو جهالة أو تزييف تلك التي تنسب ذلك "التقدم الاجتماعي" "الضخم" الذي نعيشه اليوم، والذي أخرج المرأة إلى الطريق عارية تبتغي الفتنة وشغل الرجل بفتنتها.. إلى اقتصاديات القرن العشرين الفريدة في التاريخ، وظروف القرن العشرين الفريدة في التاريخ، وعلم القرن العشرين الفريد في التاريخ، واختراعات القرن العشرين الفريدة في التاريخ و "أيديولوجيات" القرن العشرين الفريدة في التاريخ؟!!

أية سذاجة أو جهالة أو تزييف تلك التي تنسى وقائع التاريخ الماضي وتزعم أن البشرية "ولدت" اليوم مولداً لم تولده من قبل قط، وأن هذا الجيل من البشرية جيل منقطع الصلة عن كل شيء قبله. "جيل الصواريخ".. الذي لا يتقيد بدلالات الماضي، ولا يتأثر بها، ولا تعنيه في شيء، لأنه ينشئ نفسه إنشاء على نحو غير مسبوق..؟!

بل أية سذاجة أو جهالة أو تزييف تلك التي تزعم أن الكيان البشري الداخلي قد "تطور" أو تغير خلال كل هذه القرون؟!


* * *

تلك شهادة التاريخ. فلنتدبرها. إنها تقول أشياء كثيرة..

تقول أولا: إن "القرن العشرين".. أو "الحياة الاجتماعية في القرن العشرين".. أو "دور المرأة في الحياة الاجتماعية في القرن العشرين" أو "علاقة الرجل والمرأة في القرن العشرين" ليست صورة فريدة ولا جديدة في حياة البشرية.. فقد مرت صور من قبل فيها مشابه عجيبة منها، حتى لينسى الإنسان إذا أغمض عينيه وهو يسمعها أنه يعيش في القرن العشرين، أو أن تلك الصور كانت قبل ألفين من السنين!!

وتقول ثانياً: إن الأسباب المزعومة التي تفسر بها الحياة الاجتماعية في القرن العشرين، ودور المرأة فيها، وعلاقتها بالرجل فيها، ليست هي الأسباب الحقيقية.. أو ليست كلها على الأقل. فإنها إن عزيت إلى أي سبب متعلق بالقرن العشرين وحده وما حدث فيه من " تطور " وتقدم، فكيف يمكن تفسير الصورة المشابهة الشديدة الشبه منها، التي حدثت في القرن الأول للميلاد، أو قبله بعدة قرون؟!

وتقول ثالثاً: إن الكيان البشري ليس كما تصوره نظريات القرن التاسع عشر والقرن العشرين، على يد ماركس ودركايم، ومن شابههم ومن أخذ منهم.. ليس " متطوراً " من داخله بالصورة التي تلغي كل ثبات فيه أو فيما حوله.. وليس " الجنس " اكتشافا جديداً يكتشفه فرويد.. فقد اكتشفته قبله حضارات عديدة في التاريخ!!


* * *

وليس معنى هذا أننا نلغي عمل التطور، أو نسقط فترة الألفين من السنين!!

كلا! فما يصنع ذلك عاقل؟!

إنما نريد فقط أن نصحو من غفلتنا التي تتصور الحاضر منقطعاً عن كل دلالة الماضي، نابتاً نباتاً شيطانياًعلى نسق غير مسبوق.

لقد حدثت أحداث ضخمة في القرنين التاسع عشر والعشرين: في عالم المادة وعالم البشر على السواء.

الانقلاب الصناعي كان حدثاً تاريخياً ضخماً ولا ريب.

الرأسمالية والشيوعية حدثان ولا شك من أحداث التاريخ..

النظرة إلى "الإنسان" قد تقلبت مرات عدة من أقصى الشمال إلى أقصى اليمين بصورة لم يسبق لها مثيل: من تقديس فرديته إلى الحد الذي يكاد يلغي المجتمع إلى جواره، إلى تقديسه في صورة الجماعة إلى الحد الذي يكاد يلغي شخصيته الفردية ويعتبره مجرد فرد في القطيع. من "إنسان" رفيع المنزلة يعتبر مركز الكون، إلى حيوان أو ناجم من حيوان.. لا مزية له على غيره من الأحياء إلا أنه في طور السيادة في الوقت الحاضر، وقبله كانت أنواع من الحيوان هي السيدة على ظهر الأرض! ثم من إنسان عابد لغيره: لله أو الطبيعة أو أي شيء آخر، إلى إنسان متأله لا يريج أن يعبد إلا ذاته في القرن العشرين!!

والعلم قد خطا خطوات جبارة لا مثيل لها في التاريخ كله.. فجّر الذرة وأطلق الصاروخ.. وسخر للإنسان كثيراً من قوى الأرض والكون.. ويسّر الحياة المادية أيما تيسير.. وحمل عن الناس الجهد البدني الذي كان يشقيهم من قبل ويعنتهم، فحمّله للآلة، وانطلق الإنسان خفيفاً مذخور الطاقات!!،
"صورة" الحياة كلها قد تغيرت من الألف إلى الياء..

ولكن.. "الإنسان" هل تغير؟!

ألوان نشاطه.. ودلالة مناشطه وأعماله؟، هل تغيرت؟!

هل صار - في انحرافاته واعتدالاته - شيئاً آخر غير "الإنسان"؟!، الإنسان الذي عاش - مثلا - قبل ألفين من السنين؟!

هل صارت دلالات أعماله بالنسبة إليه - في انحرافاته واعتدالاته - شيئاً آخر غير ما كان من الدلالات؟!


* * *

تلك شهادة التاريخ..

فلنتدبرها..

إنها تروي لنا أشياء خطيرة.. عن الثابت والمتطور في كيان الإنسان.



من كتاب (الثبات والتطور في حياة البشرية) للأستاذ محمد قطب.




اضف تعليقك

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3143 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3482 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3558 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟