نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

ما هو القلب؟
9-8-2009 5218   
   
عدد مرات التحميل : 8

ما هو القلب؟

ابدأ هذا الباب بسؤال: قد يقوم إنسان بعملية زراعة قلب، ويحيا بقية حياته بقلب رجل آخر، فهل تتغير مشاعره وتتبدل أفكاره وعواطفه تبعاً لهذا القلب الذي زرع فيه؟!

كلا، فالمشاهد أنه لا يتغير دينه ولا محبته لأهله وقرابته، وهذا دليل دامغ على أن كل ما يظنه الناس من وظائف القلب ودوره في الحب والعاطفة، واعتباره مركز الفكر ومواطن العقائد والسلوك مسألة فيها نظر، فهل يتعارض هذا مع ما ورد في القرآن والسنة من ذكر القلب مرتبطاً بهذه المعاني؟!

لقد استطاع الإمام أبو حامد الغزالي ان يحل هذه الإشكالية ويميز بوضوح بين المعنيين اللذين يختلطان في اذهان كثير من الناس, فقال رحمه الله في كتاب عجائب القلب من موسوعته القلبية (إحياء علوم الدين) كلاماً كالبشرى بالولد الكريم يُقرع به سمع الشيخ العقيم وجاء فيه:
"لفظ القلب وهو يطلق لمعنيين:

أحدهما: اللحم الصنوبري الشكل، المودع في الجانب الأيسر من الصدر، وهو لحم مخصوص، وفي باطنه تجويف، وفي ذلك التجويف دم أسود هو منبع الروح ومعدنه، ولسنا نقصد الآن شرح شكله وكيفيته، إذ يتعلق به غرض الأطباء، ولا يتعلق به الأغراض الدينية، وهذا القلب موجود للبهائم؛ بل موجود للميت, ونحن اذا اطلقنا لفظ القلب في هذا الكتاب لم نعن به ذلك، فإنه قطعة لحم لا قدر له, وهو من عالم الملك والشهادة، إذ تدركه البهائم بحاسة البصر فضلاً عن الآدميين.

والمعنى الثاني: هو لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسماني تعلق، وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان، وهو المدرك العالم العارف من الإنسان، وهو المخاطب والمعاقب والمعاتب والمطالب، ولها علاقة مع القلب الجسماني" (الإحياء: 3/3).

والمقصود انه إذا أطلقنا لفظ القلب في هذا الكتاب أردنا به المعنى الثاني، وهدفنا هو ذكر أوصاف الروح وأحوالها التي تعتبر سراً مغلقاً، والتعرض لأصناف النفوس وتقلباتها رغم انها أمر مبهم، ورغم ان آيات وأحاديث القلب قد يشتبه في بعضها الأمر ويتبادر الى الذهن أنها مرتبطة بالقلب العضلي، إلا أن المقصود منها على الحقيقة: القلب المعنوي، كما قال الإمام الغزالي: "وحيث ورد في القرآن والسنة لفظ القلب، والمراد به المعنى الذي يفقه من الإنسان، ويعرف حقيقة الأشياء، وقد يُكنَّى عنه بالقلب الذي في الصدر; لأن بين تلك اللطيفة وبين جسم القلب علاقة خاصة" (السابق: 3/5).

لكن لماذا الحديث عن القلب بالذات دون سائر الأعضاء؟!، لقد أحصيت في هذا الباب عشرين سبباً لهذا، وتبدأ بما يلي:

1-إنه الملك:

القلب أمير الجسد وملك الأعضاء, فهو راعيها الوحيد وقائدها, وإنما الجوارح والحواس تبع له وآلات تصدع بما تؤمر, فلا تصدر أفعالها إلا عن أمره, ولا يستعملها في غير ما يريد, فهي تحت سيطرته وقهره, ومنه تكتسب الاستقامة أو الزيغ, وبين القلب والأعضاء صلة عجيبة وتوافق غريب بحيث تسري مخالفة كل منهما فورا الى الآخر, فإذا زاغ البصر فلأنه مأمور, وإذا كذب اللسان فما هو غير عبد مقهور, وإذا سعت القدم الى الحرام فسعي القلب أسبق, لهذا قيل عن المصلي العابث في صلاته: "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه", وقال صلى الله عليه وسلم لمن يؤم من المصلين: «استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم» [رواه أحمد ومسلم والنسائي], فأعمال الجوارح ثمرة لأعمال القلب, والخلاصة: القلب هو خط الدفاع الأول والأخير, فإذا ضعف القلب أو فسد أو استسلم انهارت الجوارح!!

وفي المقابل إذا ذكر العبد ربه فلأن القلب ذَكَرَ, وإذا أطلق يده بالصدقة فلأن القلب أذِن, وإذا بكت العين فلأن القلب أمر, فالقلب مملي الكلام على اللسان إذا نطق, وعلى اليد إذا كتبت, وعلى الأقدام إذا مشت, وقد عرف النبي صلى الله عليه وسلم للقلب حقه ومكانته حتى وصفه بأنه: «مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله» [رواه البخاري ومسلم], وتوجه أول ما توجه إليه ليربيه ويهتم به ويزكِّيه. فكل الأفعال مردها إلى لقلب وانبعاثها من القلب, وكل الأفعال تعني كل الأفعال ولو كانت لبس ثيابك وزينة بدنك!! وهذا ما أدركه مستودع القرآن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال: "لا يشبه الزي الزي حتى تشبه القلوب القلوب" (الزهد لهناد:1/438)

هدف الحبيب الأول

قالت ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "انما نزل أول ما نزل منه(القرآن) سورة من المُفصّل فيها ذكر الجنة والنار, حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام, ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا, ولو نزل: لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدا" [رواه البخاري]

فقد حرَّم الله الخمر في العام الثاني من الهجرة أي بعد البعثة بخمسة عشر سنة, وفرض الزكاة في العام الثاني من الهجرة كذلك, وفرض الحجاب في العام السادس من الهجرة بعد تسع عشرة سنة من بعة النبي صلى الله عليه وسلم, وهي كلها تكليفات تأخر نزولها حتى زكى القلب ولان وتمكَّن منه الحق واستبان.

ولشرف القلب جعله الله أداة التعرف عليه ووسيلة الإهتداء إليه, بل إذا غضب الله على عبد كان أقصى عقوبة ينزلها به أن يحول بينه وبين قلبه, وحيلولته هي أن يحرمه من معرفته وقربه, لذا كان الاهتمام به تعبير عن الاهتمام بالأهم عن المهم وبالأصل عن الفرع.

2- الهدف المشترك

وقد أدرك الشيطان دور القلب ومكانه فلم يضييع وقته في معارك جانبية او مناوشات هامشية, بل صوب جهده نحو هدف واحد وغاية ثابتة. قال ابن القيم: "ولما علم عدو الله إبليس أن المدار على القلب والاعتماد عليه; أجلب عليه بالوساوس, وأقبل بوجوه الشهوات إليه, وزيَّن له من الأقوال والأعمال ما يصده عن الطريق, وأمدَّه من أسباب الغي بما يقطعه عن أسباب التوفيق, ونصب له من المصايد والحبائل ما إن سلم من الوقوع فيها لم يسلم من أن يحصل له بها التعويق" (اغاثة اللهفان من مكائد الشيطان:ص10)

فالقلب هو الهدف المشترك بين الملك والشيطان, كلاهما يستهدفه, فهو موضع الصراع, والنقطة الملتهبة, وساحة القتال, وأرض المعركة, ونتيجة هذه المعركة: إما هداية القلب وحياته, وإما قساوته وموته وهلاكه, فواعجباً ممن أخذ نصيحة العدو, وردّ وصية الحبيب, واشترى صداقة الشيطان بعداوة الملائكة, وأعلن الحرب على ما تبقى من إيمانه بالتعاون مع عدوه اللدود, وهي صيحة التعجب التي سبق وأن أطلقها ابن الجوزي حين قال: "كيف طابت نفسك أن تكون ظهيراً لفئة النفس على فئة القلب, وفئة القلب مؤمنة وفئة النفس كافرة؟!" (التذكرة:ص197)

عن الجوارح مختلف

وقد يقول قائل: لكن الأعضاء والجوارح كذلك مستهدفة من قبل الملائكة والشياطين, فما الفارق بينها وبين القلب؟!

وأقول على لسان أبي حامد الغزالي الذي بيَّن الفارق الجلي في قوله:
"العوارض له أكثر, فن الخواطر له كالسهام, لا تزال تقع فيه, وكالمطر; لا تزال تمطر عليه ليلاً ونهاراً لا تنقطع, ولا أنت تقدر على منعها فتمنع, وليس بمنزلة العين التي بين الجفنين, تغمض وتستريح, أو تكون في موضع خال, أو ليل مظلم فتُكفى رؤيتها, أو الليان الذ وراء الحجابين: الأسنان والشفتين, وأنت قادر على منع وتسكينه, بل القلب غرض للخواطر, لا تقدر على منعها والتحفظ عليها بحال, ولا هي تنقطع عنك بوقت" (منهاج العابدين:ص95)

3- طهارته شرط الدخول


والسبب الثالث في أهمية القلب أن طهارته شرط دخول الجنة, لذا ذم الله خبثاء القلوب فقال: {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة:41], والآية دليل دامغ على أن من لم يطِّهر قلبه فلا بد أن يناله الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة, ولذا حرَّم الله سبحانه الجنة على من كان في قلبه مثقال ذرة من خبث, قال صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» [رواه مسلم]

ولا يدخلها أحد إلا بعد كمال طيبه وطهره, لأنها دار الطيبين, ولذا يُقال لهم وهم على مشارف الجنة: {فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر:73]

ويبشرون عند موتهم دون غيرهم على لسان الملائكة الكرام: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل:32]

قال ابن القيم: "فالجنة لا يدخلها خبيث, ولا مَن فيه شيء من الخبث, فمن تطهَّر في الدنيا ولقي الله طاهرا من نجاسته دخلها بغير معوِّق, ومن لم يتطهر في الدنيا; فإن كانت نجاسته عينية كالكافر لم يدخلها بحال, وإن كانت نجاسته كسبية عارضة دخلها بعد ما يتطهر في النار من تلك النجاسة, ثم يخرج منها حتى إن أهل الإيمان إذا جازوا الصراط حُبسوا على قنطرة بين الجنة والنار, فيهَذَّبون وينقَّون من بقايا بقيت عليهم قصرت بهم عن الجنة, ولم توجب لهم دخول النار, حتى إذا هُذبوا ونقوا أُذن لهم في دخول الجنة" (إغاثة اللهفان:ص71)

من أجل ذلك جاء الأمر الرباني جازماً للنبي صلى الله عليه وسلم: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:4]
قال ابن القيم: "وجمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم على ان المراد بالثياب ها هنا القلب, والمراد بالطهارة إصلاح الأعمال والأخلاق" (إغاثة اللهفان:ص67)

النجاسة الكبرى

قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة:28]

فعبر سبحانه وتعالى عن نجاستهم بالمصدر للمبالغة; وكأنهم عين النجاسة لأن خبائث الباطن أولى بالاجتناب وهل أخبث من الشرك؟! فإن خبائث القلب مع خبثها في الحال مهلكات في المآل, ومعنى آخر: هو أن الطهارة والنجاسة غير مقصورة على الظاهر, فالمشرك قد يكون نظيف الثوب مغسول البدن ولكنه نجس القلب, وهذا الذي ذهب إليه أهل المذاهب الأربعة الى أن الكافر ليس بنجس الذات لأن الله سبحانه أحل طعامهم, وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك من فعله وقوله, فأكل في آنيتهم, وشرب منها, وتوضأ فيها, وأنزلهم في مسجده.

وإضافة الى هذا; فالنجاسات المعنوية ليست على درجة واحدة بل تتفاوت, وليس محلها قلوب الكفار فحسب, بل قد توجد في قلوب المسلمين, فالغضب والكبر والحسد وغيرها من أمراض القلوب نجاسة, وإذا كان صلى الله عليه وسلم قد قال: «لا تدخل الملائكة بيت فيه كلب ولا صورة» [رواه البخاري ومسلم], فإن أبا حامد الغزالي قد تأمل في هذا الحديث تأملاً قد يكون بعيداً عن الظاهر لكنه ذو دلالة فقال: "والقلب بيت هو منزل الملائكة, ومهبط أثرهم, ومحل استقرارهم, والصفات الرديئة مثل الغضب والشهوة والحقد والحسد والكبر والعجب وأخواتها كلاب نابحة, فأنَّى تدخله الملائكة وهو مشحون بالكلاب, ونور العلم لا يقذفه الله تعالى في القلب إلا بواسطة الملائكة, وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء, وهكذا ما يرسل من رحمة العلوم الى القلوب إنما تتولاها الملائكة الموكلون بها, وهم لامقدسون المُطهَّرون المُبرَّءون عن الصفات المذمومات, فلا يلاحظون إلا طيبا, ولا يعمرون بما عندهم من خزائن رحمة الله إلا طيبا طاهرا" (الأحياء:1/49)

4- موضع نظر الله

من القلوب قلب كقبور الموتى ظاهرها الزرع والورد وباطنها الجيف والموت, أو كبيت مظلم على سطحه سراج وباطنه ظلام, والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في هذا: «ان الله لا ينظر الى صوركم وأموالكم, ولكن إنما ينظر الى أعمالكم وقلوبكم» [صححه الألباني]

إنها حياة القلب وإن كانت البطون خاوية والثياب بالية, وقد أبان الحديث أن القلب هو موضع نظر الرب, فلا عبرة إذن بحسن الظاهر مع خبث الباطن, فاعجب ممن لا يعتني بمظهره وهندامه الذي هو محل نظر الخلق; فيغسل ثوبه ويعطَّره, وينظف بدنه ويطهِّره, ويتزيَّن بما أمكن, لئلا يطَّلع مخلوق على عيب فيه, ولا يهتم بقلبه الذي هو محل نظر الخالق; فيطهِّره ويزيِّنه لئلا يطلع ربه منه على دنس أو خبث أو أحد غيره.

ومعنى آخر من الحديث قاله ابن الجزري: "النظر ها هنا الاختيار والرحمة والعَطف لأنَّ النظر في الشاهد دليل المحبة, وترك النظر دليل البُغض والكراهة" (النهاية في غريب الحديث والأثر:5/77)

وتأمَّل ما يلي لتعلم أهمية القلب:

إن العمل قد يكون ظاهره العصيان وصاحبه مثاب, كأن ينطق الرجل بكلمة الكفر مُكرَها وقلبه مطمئن بالإبمان, أو يشرب مُسكِرا بغير رضاه, وفي المقابل قد يكون ظاهر العمل الاحسان وصاحبه في النار, كأن يُقتل المرء في ساحة قتال ليتغني الناس بشجاعته, وينفق ماله في طرق الخير ليُثني الناس على كرمه, ويقرأ القرآن ليلفت إليه أعناق الغير, والقلب في كل هذه الأحوال واقف وحده في قفص الاتهام أو مُسجَّل بأزهى الحروف في لوحة الشرف.

مذنب وبريء!!

وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا عملت الخطيئة في الأرض؛ كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، و من غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها» [رواه ابو داود وحسنه الألباني]

سبحان الله! غائب عن ساحة الجريمة لكنه أول المتهمين واسمه في سجل المذنبين, وآخر حضر الجريمة بنفسه ورآها بعينه ومع ذلك يأتي الحكم له بالبراءة!! والسبب في ذلك كله القلب الذي أنكر فسلِم أو رضي فأثم.

وفي الحديث بشارة ونذارة; بشارة لمن اضطر الى حضور مجلس يُعصى الله فيه ولم يستطع أن ينكره بيده أو بلسانه بل ولم يقدر حتى على مغادرة المكان; فيقوم القلب بالواجب وينبري للإنكار, ونذارة لرجل أراد الله له الخير فأبى لنفسه إلا الشر, وعصمه من المنكرات فأبى إلا التلطخ بها, وصرف جسده عن مكان الإثم فسافر إليه بقلبه وروحه فعرقب بمساواته مع مرتكب الجرم.

إنه القلب حين يزني!! نعم يزني, ومع شدة وقع هذه الكلمة على النفس إلا ان الذي أطلقها هو من وصفه ربه أنه بالمؤمنين رؤوف رحيم, ومن رحمته ورأفته بأمته تحذيره الصريح لها بقوله: «وزنا القلب: التمني» [رواه أحمد]. قال الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا: "زنا القلب التمني: أي يهوى وقوع ما تحبه النفس من الشهوة" (الفتح الرباني:16/73)

إن للقلب كسباً ككسب الجوارح وعملاً كعملها, والله سبحانه أعلن أنه يؤاخذ على كسب القلب ثوابا وعقابا, فقال سبحانه: {وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة:225]

ويشهد لعمل القلب هذا وأن الله يحاسب العبد عليه حديث: «اذا التقى المسلمان بسيفيهما , فقتل أحدهما صاحبه, فالقاتل والمقتول في النار» قيل: "يارسول الله!! هذا القاتل فما بال المقتول؟" قال: «إنه كان حريصاً على قتل صاحبه» [صححه الألباني]

فدخل هذا المسلم النار بشيء وقر في قلبه وهلك بسبب عمل قلبي; ليس غير.

الظاهر والباطن!!

نعم.. صورة القلب هي الأصل, فإن وافق الظاهر الباطن كان ما في القلب حقيقيا, وإن خالف الظاهر الباطن كان ما في القلب مزيفا, وعلى القلب أيضا يتوقف صحة الظاهر أي قبوله عند الله, أما عند الناس فإنهم مكلَّفون بقبول الظاهر فحسب والحكم على أساسه والله يتولى السرائر, ومن هنا كان مقصد الشهادتين هو توجيه رسالة ملموسة الى الناس بإسلام الناطق بها, في حين أن الله وحده هو المطلع على غير الملموس من محتوى الباطن, وقد نطقت ألسنة المنافقين بالشهادتين, فعصمت دماءهم في الدنيا, لكن مستقرهم في النهاية هو الدرك الأسفل من النار بما حوت قلوبهم
واسمعوا إلى ارتباط الظاهر بالباطن في قوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي} [آل عمران:31], فإن حب الله في القلب يورث اتباع الجوارح ولا بد; وإلا كان ادعاء وكذبا وزورا.

5- النافع الوحيد

قال عز وجل: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:88،89]

فلا القول ينفع ولا العمل يشفع بل سلامة القلب هي أصل كل نجاة؛ كما أن فساده أصل كل بلية، لكن ما هو القلب السليم؟!

والجواب: هو القلب الذي سلم من كل شيء إلا من عبوديته لربه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالقلب السليم المحمود هو الذي يريد الخير لا الشر، وكمال ذلك بأن يعرف الخير والشر؛ فأما من لا يعرف الشر فذاك نقص فيه لا يُمدح به" (الفتاوي الكبرى:5/249)

وتأمل كيف جعل الله المال والبنون بمعنى الغنى، كأن المعنى: يوم لا ينفع أحد غناه إلا غنى من أتى الله بقلب سليم؛ لأن غنى الرجل الحقيقي هو في دينه بسلامة قلبه كما أن غناه في دنياه بماله وولده، وعلى هذا يكون من معاني القلب السليم أي من فتنة المال والبنين.

لكن تلميذا نجيبا من تلامذة ابن تيمية أفاض في شرح معنى القلب السليم؛ يبغي بذلك إزالة أي لبس أو غموض حتى يسهل الوصول إلى المراد، فقال الإمام ابن القيم:
"والقلب السليم هو الذي سلم من الشرك والغل والحقد والحسد والشح والكبر وحب الدنيا والرياسة، فسلم من كل آفة تبعده عن الله، وسلم من كل شبهة تعارض خبره، ومن كل شهوة تعارض أمره، وسلم من كل إرادة تزاحم مرده، وسلم من كل قاطع يقطعه عن الله، فهذا القلب السليم في جنة معجلة في الدنيا، وفي جنة في البرزخ، وفي جنة يوم المعاد، ولا يتم له سلامته مطلقا حتى يسلم من خمسة أشياء: من شرك يناقض التوحيد، وبدعة تخالف السنة، وشهوة تخالف الأمر، وغفلة تناقض الذكر، وهوى يناقض التجريد والإخلاص، وهذه الخمسة حُجُب عن الله" (الجواب الكافي:ص84)

وفي آية سورة ق: {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ(32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ} [ق:32،33]

وتأمل قوله تعالى في سورة الشعراء: {أَتَى}، وفي ق: {وَجَاء}، وكأن المعنى الذي يريد أن يوصله لك ربك: ائتني بقلب سليم وجئني بقلب منيب تنجُ من عذابي وتنل رضائي، فأنت يا أخي وحدك الذي تملك أن تأتي بمثل هذا القلب وليس أحد غيرك.

وفي المقابل قد يدخل عبد النار بسبب قلب كما قال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} [الأعراف:179]

بل إن حال العبد في قبره ما هو إلا انعكاس لحال قلبه في الدنيا كما قرَّر ذلك ابن القيم وهو يزيدنا في كتابه زاد المعاد: "فحال العبد في القبر كحال القلب في الصدر نعيما وعذابا وسجنا وانطلاقا". (زاد المعاد:2/22)

6- بيت الإيمان والتقوى:

قال خبير القلوب وكاتم سِرِّ النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: "حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين، رأيت أحدهما، وأنا انتظر الآخر: حدثنا أن الأمانة نزلت في جِذر قلوب الرجال، ثم عملوا من القرآن، ثم علموا من السُّنة، وحدَّثنا عن رفعها قال: «ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه،..»" [رواه البخاري]

والأمانة المذكورة في الحديث هي الأمانة التي جاءت في قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الأحزاب:72]، وهي عين الإيمان، فالأمانة هنا هي الإيمان، وقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن الايمان نزل أول ما نزل في القلب تعبيرا عن الفطرة السوية التي يولد بها العبد، ثم يزيد الإيمان بعد ذلك اكتسابا بتعلم القرآن والسنة، وتأتي أهمية الأمانة من أنها إذا تمكنت من قلب العبد؛ قام بأداء ما أُمِر به واجتنب ما نُهِي عنه في بكل طواعية وتسليم.

وفي الشطر الثاني من الحديث أشار صلى الله عليه وسلم إلى أن الإيمان يُنزع كذلك من القلب، فمن القلب الزيادة ومنه النقصان، وفيه نشأة الخير ومولد الشر، ولو لم يكن للقلب من فضل إلا أنه وعاء الإيمان لكفاه وفضل عليه.

والقلب كذلك هو وعاء التقوى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «التقوى هاهنا» [حسنه الألباني]، وأشار إلى صدره، علامة على أن مكان التقوى هو القلب، والقلب وحده، فليست التقوى مجرَّد نبرة خشوع أو دمعة عين أو إطالة سجدة أو غير ذلك من المظاهر إذا كانت فارغة من الروحانية والخشوع، إنما هي سِر قلبي مستودع في القلب لا يطلع عليه أحد إلا الله.

7- هشاشة المصاب:

قال ابن القيم: "ولما كان البدن المريض يؤذيه ما لا يؤذي الصحيح من يسير الحر والبرد والحركة ونحو ذلك، فكذلك القلب إذا كان فيه مرض آذاه أدنى شيء من الشبهة أو الشهوة، حيث لا يقدر على دفعهما إذا وردا عليه، والقلب الصحيح القوي يطرقه أضعاف ذلك وهو يدفعه بقوته وصحته" (إغاثة اللهفان:ص24)

فمريض القلب أي نفحة هواء أو هبة تراب تصيبه في مقتل، وأي شهوة عابرة أو زلة تتسبب في فتنته، وأعرى فخ للشيطان يسقط فيه، وأسهل مكيدة لعدوه يسارع إليها، والسبب في ذلك كله ضعف قلبه وانهيار أجهزة المناعى لديه.

8- السرطان:

أصعب المرض عدم معرفة المرض، وأصعب منه عدم معرفة أنك مريض، وأصعب وأصعب أن ترفض الاستماع إلى وصية الطبيب، وهذه ثلاثتها تجتمع في أمراض القلوب، فمرض القلب خفي قد لا يعرفه صاحبه؛ لذلك يغفل عنه، وأمراض القلوب هي سرطان الروح، وخطورتها في أنها كالمرض الخبيث تتسلل إليك دون أن تشعر، فلا ارتفاع حرارة ولا ضغط مرتفع ولا نزيف يؤلم أو جرح ينذر، لذا يمرض فيها الطب ولا ينفع.

قال لنا ابن القيم بعد أن زرناه في عيادته الربانية: "وقد يمرض القلب ويشتد مرضه ولا يعرف به صاحبه لاشتغاله وانصرافه عن معرفة صحته وأسبابها، بل قد يموت وصاحبه لا يشعر بموته، وعلامة ذلك أنه لاتؤلمه جراحات القبائح ولا يوجعه جهله بالحق، فإن القلب إذا كان فيه حياة تألم بورود القبيح عليه، وتألم بجهله بالحق بحسب حياته، وما لجرح بميت إيلام" (إغاثة اللهفان:ص83،84).

ومما يجعل مرض القلب أخطر من مرض البدن بكثير أن مرض القلب عذابه دائم بعد الموت لا ينقضي؛ بعكس مرض البدن الذي يُتخَلَّص منه بالموت، مما يجعل الاهتمام بأمراض القلوب أوجب، والسعي في علاجها أدعى.

إن ما يصيب البدن من أسقام في هذه الحياة يؤجر عليه الإنسان، أما ما يصيب القلب من أمراض فهو الإثم كله والهلاك كله في الحياة وبعد الممات، إنك إذا دخلت معركة فقتلك العدو الظاهر وسلبك حياتك لمت شهيدا، أما إذا غلبك العدو الباطن بأسلحة الشهوات والشبهات لمت حينئذ طريدا، وشتان عند الله ما بين شهيد وطريد، شتان شتان.

9- وحده مالك دوائه:

قال الله تعالى: {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} [الحج:15]

هذه الآية تصف حال نفر من المنافقين امتلأت قلوبهم غيظاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن علوه ونصره، فقال الله لهم: إن الله ناصر رسوله في الدنيا والآخرة؛ فمن كان يظن من حاسديه وأعاديه أن الله لن يفعل ويغيظه أن يظفر نبينا بموعود الله له؛ فليستقص وسعه وليستفرغ جهده في إزالة ما في قلبه من غيظ بأن يفعل أقصى ما يستطيع فعله، ولو كان ذلك أن يفعل من بلغ منه الغيظ كل مبلغ حتى مدَّ حبلا إلى سماء بيته فشنق به نفسه، فإنه وإن فعل ذلك فلينظر هل يشفي ذلك ما يجد في صدره من غيظ، كلا والله فلن يذهب غيظه ولن يزول مرضه إلا أن يشاء الله، فالله وحده هو شافي الصدور ورافع وحر القلوب.

والمعنى:

•إذا كنت تعاني الكآبة والحزن واليأس والجزع، فهل تملك قوى الأرض جميعا أن تغيِّر من ذلك مثقال ذرة؟!
•إذا حيزت لك الدنيا بحذافيرها وصارت تحت قدميك؛ لكن امتلأ قلبك كمدا وغما فهل تهنأ من دنياك بشيء؟!
•إذا غرق قلبك في الشك والشبهات والزيغ والرِّيَب؛ فهل يملك نزع ذلك المرض من صدرك أحد من أهل الدنيا ما لم يشأ ربك؟!
•إذا رأيت نعيم الدنيا مقبلا على غيرك ومُعرِضا عنك، فممدت عينيك حسدا ولسانك حقدا وقلبك غلا، فهل يملك تطهيرك مما أنت فيه أحد غير الله؟!
•إذا أحب قلبك شهوة وأُشرِبها ومال إلى خطيئة وعشقها، فهل يملك أن يعدل قلبك المنكوس ويحيي فطرتك السليمة أحد سوى خالقه؟!
•إذا كره قلبك طاعة واستثقلها وملَّ المداومة عليها حتى كاد أن ينقطع، فهل يملك أحد أن يحبِّبك فيها ويدنيك منها سوى الذي حبب إينا الإيمان وزيَّنه في قلوبنا؟!

هذا ما أدركه مطرف بن عبد الله حين انخلع من رؤية عمله واعترف بقمة عجزه وغاية ضعفه وردَّ الفضل كل الفضل إلى الله وحده حين قال: "لو أُخرِج قلبي فجُعِل في يدي هذه اليسار، وجيء بالخير فجُعِل في هذه اليمنى، ثم قُرِّبت من الأخرى ما استطعت أن أولج في قلبي شيئا حتى يكون الله عز وجل يضعه" (مدارج السالكين:3/108)

إلى كل مريض:

يستطيع الإنسان أن يحرك رجله إن أراد أو يهوي بيده أو يرفعها، لكن هل يستطيع أن يفعل ذلك مع قلبه؟! كلا والله.. فكيف تتعامل مع قلب لا سلطان لك عليه بل لا سلطان عليه إلا الله، ولا معرفة لك بأسراره وكنهه بل لا يعرف ذلك إلا الله؟! ألا فليعلم كل من أراد علاج قلبه اليوم دون الاستعانة بربه أنه لن يزداد إلا مرضا، ألا وقل لطالبي الشفاء من عند غير الله: يا عظم خسرانكم، ألا قل للواقفين بغير بابه: يا طول هوانكم، ألا قل للمؤمَّلين لغير فضله: يا خيبة آمالكم، ألا قل للعاملين عند غيره: يا ضلال سعيكم.

من الذي يستطيع أن يحول بينك وبين الدواء ويمنع عنك الطاعة؟! ومن الذي يُبدِّل الأمن خوفا والجبن جرأة؟! ومن الذي يقلب الكره حبا والحب كرها؟!

أخي.. دواؤك عنده فلا تلتمسه عند غيره، وشفاؤك بيده فلا تُتعِب الأطباء معك، وإن من شيء إلا عنده خزائنه؛ وأنت تائه على أبواب الفقراء تتسول!!

10- موضع الانقلاب:

القلب هو أرق أعضاء الجسم وأسرعها تأثرا بما يحيط به ويغشاه، ومن رقته أن تؤثر فيه أدنى خاطرة وأقل هاجس، وأثر القليل عليه كثير، فالآفات إليه أسرع، وهو إلى الانفلات أدنى، ومن الانقلاب أقرب، فإن قلب المرء وإن صفا زمنا، وثبت على الايمان فترة، واستلذ بحلاوته حينا، فإنه معرَّض للانتكاسة، وهذه هي طبيعة القلب ومنها اشتُقَّ اسمه، قال القرطبي وهو يشرح معنى كلمة القلب: "وهو في الأصل مصدر قلبت الشيء أقلبه قلبا إذا رددته على بداءته، وقلبت الإناء: رددته على وجهه، ثم نُقِل هذا اللفظ فسُمِّي به هذا العضو الذي هو أشرف الحيوان لسرعة الخواطر إليه ولترددها عليه كما قيل:
ما سُمِّي القلب إلا من تقلبه***فاحذر على القلب من قلب وتحول" (تفسير القرطبي:1/232)

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما سمي القلب من تقلبه، إنما مثل القلب مثل ريشة بالفلاة، تعلقت في أصل شجرة، يقلبها الريح ظهرا لبطن» [صححه الألباني], وإن القلب شديد التقلب سريع التحول، ويضرب النبي صلى الله عليه وسلم لذلك مثلا فيقول: «لقلب ابن آدم أسرع انقلابا من القدر إذا استجمعت غليانا» [رواه أحمد والحاكم]

إن بقاء قلب المؤمن على الدرجة الرفيعة من الايمان التي يجدها بعد أعظم العبادات قدراً، وعقب أكثر المواسم خيرا وفضلا؛ أمر مستحيل؛ لشدة انشغال القلب بالدنيا وملذاتها، وما يعتريه فيها من أفراح وأتراح، بل وتعرّضها لغزوات الشيطان المتلاحقة، وتلاعب اليهود بالعورات، وعزفهم على وتر الأهواء، ومع ذلك أريد أن أطمئنك وأُخوِّفك في الوقت ذاته مادام تقليب القلوب بيد الله وحده.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرِّفه حيث يشاء»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم مصرف القلوب صرِّف قلوبنا على طاعتك» [رواه مسلم]

أخي.. لقد صليت اليوم خمس صوات فأجبني صادقا: كم مرة دعوت بهذا الدعاء؟! مع أنك أحوج إليه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والفتن اليوم أعم وأطغى، والقلب أضعف وأوهن، فاحرص على ما بينك وبين الله، وصِل ما انقطع من حبالك معه حتى يثبِّتك على مرضاته اليوم ويهديك.

11- أطباؤه مرضى:

وطب القلوب من العلوم التي شحَّت في زماننا، ونتج عنه المرض الذي عمَّ وانتشر حتى أصاب كثيرا من علمائنا وحاملي دوائنا؛ فحفظت أذهانهم الشروح والمتون، ونسيت جوارحهم الهدى والمنون، وقالت ألسنتهم أنهم عالمون ونطقت أفعالهم أنهم جاهلون.

وأكثر علماء زماننا نوعان:

نوع منكب على حطام الدنيا لاهث ورائها، لا يمل جمعها، ويتقلب شهره ودهره في ملذاتها، وقد أخذت دنياه بمجامع قلبه، ولزمه خوف الفقر وحب التكاثر؛ وأكثر هؤلاء دُفِع إلى ذلك دفعا وأُريد له أن ينشغل بالسعي وراء لقمة العيش والكدِّ من أجل الرزق وأُعطوا في مقابل ذلك الكفاف؛ ليس غير الكفاف، ليظلوا دوما غارقين في الإعصار، دائرين في الرحى، لا يبلغون ما يأملون، ولا يتركون السعي إلى ما يطمحون، وبذلك نسوا أسمى مهامهم وأشرفها وهي وراثة الأنبياء والقيام بوظيفة الرُّسل.

ونوع آخر اختصر الطريق على نفسه، ورضي بالحرام السهل، والشبهة المربحة، واتخذ الإيمان سلعة، يبيع بعضه أو كله، ويقبض الثمن توسعة وإكراما وإغداقا وأموالا، أهل تصنُّع ودهاء، وتزين للمخلوقين، وتملُّق للحكام، يلتقطون الرُّخص ويفتون بها، ديدنهم المداهنة، وطريقهم المنافقة، ولذا عمَّ البلاء وعزَّ الدواء، وقد سبق للعالم المجاهد عبد الله بن لمبارك أن رأى أحد إخوانه يسلك أول هذا الطريق فقام بواجبه في النصح على الفور، ومدَّ له يد العون، وما أطيب سيرة رجل كابن المبارك كأريج الزهور تنقلها الريح من سهل إلى سهل ومن عصر إلى عصر متجاوزة حدود الزمان والمكان، لتنقل لنا أنه لما قيل له: إن اسماعيل بن علية قد ولي الصدقات كتب إليه ابن المبارك أبياتا من الشعر تصلح لكل زمان سرى فيه هذا الداء فقال:
يا جاعل العلم له بازيا*** يصطاد أموال المساكين
احتلت للدنيا ولذاتها*** بحيلة تذهب بالدين
فصرت مجنونا بها بعد ما *** كنت دواءً للمجانين
أين رواياتك في سردها*** عن ابن عون وابن سيرين
أين رواياتك والقول في *** لزوم أبواب السلاطين
إن قلت أُكرهتُ فماذا كذا *** زلَّ حمار العلم في الطين


فلما قرأ الكتاب بكى واستعفى. (صفة الصفوة:4/140)

وإن كان لموت القلب علامات تختلف من شخص إلى آخر ومن مهنة إلى أخرى؛ فإن أبرز علامات موت قلب العلماء وأشهرها هي ما عرفناه من مالك بن دينار الذي قال:
"سألت الحسن: ما عقوبة العالم؟ قال: موت القلب. قلت: وما موت القلب؟ قال: طلب الدنيا بعمل الآخرة" (شعب الإيمان:2/296)

وسمَّاهم ربيعة الرأي بالسفلة وسفلة السفلة، فقد روى الإمام الجليل مالك بن أنس: "قال لي استاذي ربيعة الرأي: يا مالك! من السفلة؟ قلت: منأكل بدينه، فقال: فمن سفلة السفلة؟ قال: من أصلح دنيا غيره بفساد دينه" (شعب الإيمان:5/357)
أظهروا لله دينا *** وعلى الدينار داروا
وله صاموا وصلو *** وله حجوا وزاروا
لو بدا فوق الثريا *** ولهم ريش لطاروا
(العقد الفريد:3/169-170)

عالم السوء الذي لا يعمل بعلمه فتنة ووبال على نفسه وغيره، ومَثَله مثل صخرة وقفت في فم النهر؛ لا هي تشرب ولا هي تدع الماء يخلص إلى الزرع.. ارحمونا يا علماء السوء!!

إن الفقيه إذا غوى وأطاعه قوم *** غووا معه فضاع وضيَّعا
مثل السفينة إن هوت في لجة *** تغرقْ ويغرقُ كل من فيها معا


12- رسالة تحذير:

قال صلى الله عليه وسلم: «أول ما يُرْفع من الناس الخشوع» [رواه الطبراني]

وهو إشارة إلى أن علم القلوب سيضمحل وسط طغيان علوم الدنيا، وأن أسراره ستضيع وبركاته ستذهب وسط الزحام، ومخالفة السر العلن، وعندها فساد كل شيء: تذبل القلوب لموت الأرواح فيها، وتقرأ الألسنة العربية القرآن وكأنها أعجمية، فلا فهم ولا تدبر ولا امتثال، وتنشغل الأمة -إن انشغلت- بمظهر العبادة دون جوهرها، وتهتم بأركانها دون مقاصدها، ويكثر البهرج الزائف وإن اتَّشح بوشاح القرآن. قال صلى الله عليه وسلم: «أكثر منافقي أمتي قرَّاؤها» [صححه الألباني]

وإذا فشا النفاق في أمة رأيت العجب العجاب، ليس في زماننا فحسب، بل وفي زمان من هم أزكى منا وأطهر، وليس بين العوام بل بين حفظة كتاب الله.

قال النووي: "ما أخاف على ذِمِّي إلا القُرَّاء والعلماء"، فاستنكرو منه ذلك، فقال: "ما أنا قلته وإنما قاله إبراهيم النخعي"، وقال عطاء: "احذروا القُرَّاء واحذروني معهم، فلو خالفت أودَّهم لي في رمانة؛ أقول إنها حلوة ويقول إنها حامضة ما أمنته أن يسعى بدمي إلى سلطان جائر".

وقال الفضيل لابنه: "اشتروا دارا بعيدة عن القُرَّاء؛ ما لي والقوم! إن ظهرت مني زلة قتلوني، وإن ظهرت علي حسنة حسدوني". (فيض القدير:2/80)

وهل هذا إلا لفساد الباطن وخبث السريرة؛ مع أن الله قد يهدي بقراءتهم الألوف من الناس، لكن ذلك لا يُغني عنهم من عذاب الله من شيء إن هم فسدت قلوبهم، وهذا ما سبق وحذَّرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فروى عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: «إن أخوف ما أخاف على أمتي كلُّ منافق عليم اللسان» [رواه أحمد]

قال المناوي شارحاً:

"أي كثير علم اللسان، جاهل القلب والعمل، اتخذ العلم حرفة يتأكل بها ذا هيبة وأبهة يتعزز ويتعاظم بها؛ يدعو الناس إلى الله ويفرُّ هو منه، ويستقبح عيب غيره ويفعل ما هو أقبح منه، ويظهر للناس التنسك والتعبد ويسارر ربه بالعظائم، إذا خلا به ذئب من الذئاب لكن عليه ثياب، فهذا هو الذي حذَّر منه الشارع صلى الله عليه وسلم هنا حذرا من أن يخطِفك بحلاوة لسانه، ويُحرِقك بنار عصيانه، ويقتلك بنتن باطنه وجَنانه" (فيض القدير: 2/419).

وسبب تحديث عمر بهذا الحديث أن الأحنف بن قيس سيد أهل البصرة كان فاضلا فصيحا مفوهَّها، فقدم على عمر فحبسه عنده سنة يأتيه كل يوم وليلة، فلا يأتيه عنه إلا ما يجب، ثم دعاه فقال: تدري لم حبستك عني؟! قال: لا. قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدَّثنا فذكر احديث، ثم قال: "خشيت أن تكون منافقا عليم اللسان، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذَّرنا منه، وأرجو أن تكون مؤمنا، فانحدر إلى مصرك" (فيض القدير: 2/221)

وهو ما يؤدي حتما إلى عدم تأثير الموعظة في القلوب لأن الرامي غير ماهر والسهم غير نافذ، مما دعا الحسن البصري رحمه الله إلى أن يتهم قلبه أو قلب الواعظ الذي وعظه حين لم تؤثِّر فيه موعظته قائلا له: "يا هذا! إن بقلبك لشَرَّا أو بقلبي"

13- أعمال القلوب أولى واغلى:

لعمل القلب القلب المكانة العظمى والمنزلة الأسمى في دولة الإيمان، لذا ذكر العلماء أن عمل القلب أهم من عمل الجوارح، قال الإمام ابن القيم رحمه الله:

"ومن تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب، وأنها لا تنفع بدونها، وأن أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح، وهل يُميِّز المؤمن عن المنافق إلا بما في قلب كل واحد منهما من الأعمال التي ميَّزت بينهما؟! وهل يمكن أحد الدخول في الإسلام إلا بعمل قلبه قبل جوارحه؟! وعبودتية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم، فهي واجبة في كل وقت" (بدائع الفوائد:3/710)
وقال في موضع آخر:
"فعمل القلب هو روح العبودية ولبها، فإذا خلا عمل الجوارح منه كان كالجسد الموات بلا روح" (بدائع الفوائد:3/710)

وقال أيضاً:
"فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح؛ إذ هي أصلها وأحكام الجوارح متفرعة عليها" (بدائع الفوائد:3/705)

ولهذا يسبق أصحاب القلوب أصحاب الجوارح بملاحل وعلى الدوام،"فالكيس يقطع من المسافة بصحة العزيمة وعلو الهمة وتجريد القصد وصحة النية مع العمل القليل أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك مع التعب الكثير والسفر الشاق، فإن العزيمة والمحبة تذهب المشقة وتُطيِّب السير، والتقدم والسبق إلى الله سبحانه إنما هو بالهمم وصدق الرغبة والعزيمة، فيتقدم صاحب الهمة مع سكونه صاحب العمل الكثير بمراحل، فإن ساواه في همته تقدَّم عليه بعمله" (الفوائد:1/142)

14- عليه مدار الأجر وتفاوته:

فتتفاوت الأجور في كل عمل حسب محتوى القلوب، ففي الصلاة: قد يصلي الرجلان في صف واحد وبين ثوابهما كما بين السماء والأرض، وقد ينفق الأخوان مبلغا واحدا فينال أحدهما أجرا واحدا بينما الآخر ينال سبعمائة أجر أو أكثر، وقد يدرك قلبان ليلة القدر فيتضاعف أجر أحدهما عن الآخر أضعافا مضاعفة، بل حتى في الجهاد؛ ففي غزوة مؤتة لما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية، ثم تقدَّم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد، ثم أخذ سيفه وتثدم فقاتل حتى قُتِل رضي الله عنه. قال صلى الله عليه وسلم: «لقد رُفعوا إلى الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه، فقلت: عمَّ هذا؟! فقيل لي: مضيا وتردد عبد الله بن رواحة بعض التردد ثم مضى» (قفه السيرة: 368)

لحظة واحدة من عمل القلب كانت سببا في تأخر ابن رواحة، ولمحة من طرْف العين أنزلته دون صاحبيه، ليحوز شهادة دون شهادة، وفوزا دون فوز،وهذا كله من عمل لحظة!! لكنها لحظة قلبية، لكن كيف بمن غرق قلبه الأيام والأعوام في غفلات متتابعات وسكرات متلازمات؟! تُرى كم يتأخر في الجنة؛ هذا إن دخلها!!

لذا أدرك ابن عطاء السكندري قيمة عمل القلب فانطلق يرسي قاعدة وزن الأعمال، وهي قاعدة سارية المفعول في زمانه وغير زمانه:

"ما قل عمل برز من قلب زاهد، ولا كثر عمل برز من قلب راغب" (شروح الحكم العطائية:ص184)

وأكَّدها يحيى بن معاذ في قوله الأخاذ:
"مفاوز الدنيا تُقطع بالأقدام، ومفاوز الآخرة تُقطع بالقلوب" (حلية الأولياء: 10/52)

بل وشهد لأعمال القلوب من قبل هؤلاء جميعا الصحابي المُعلَّم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حين قال مخاطبا جموع التابعين المجدين في عبادات الجوارح: "أنتم أطول صلاة، وأكثر اجتهادا من أصحاب رسول الله، وهم كانوا أفضل منكم" قيل له: بأي شيء؟ قال: "إنهم كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة منكم" (صفة الصفوة:1/420-421)

15- رفعة الدنيا وشرف الآخرة:

واسمع كيف رفعت القلوب قوما كانوا خدما وعبيدا، وسمت بذكرهم فوق السحاب، ووالله لو كانت قلوبهم غير نقية أو خالصة لطمس الله ذكرهم وبعثر علمهم ومحى سيرتهم، أو قرنها بكل خبيث وسوء، ولكنه القلب الحي يظل ينبض بعد موت صاحبه يتغنى بالذكر الجميل والسيرة العطرة، بذا نطق الأمير شوقي فقال:

الناس صنفان: موتى في حياتهم *** وآخرون ببطن الأرض أحياء

قال ابن أبي ليلى:

"قال لي عيسى بن موسى وكان جائرا شديد العصبية للعرب: من كان فقيه البصرة؟ قلت الحسن بن أبي الحسن. قال: ثم من؟ قلت: محمد بن سيرين. قال:فما هما؟ قلت: موليان.
قال: فمن كان فقيه مكة؟ قلت: عطاء بن أبي رباح، ومجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير، وسليمان بن يسار. قال: فما هما؟ قلت: موالي.
فتغيَّر لونه، ثم قال: فمن كان أفقه أهل قباء؟ قلت: ربيعة الرأي، وابن أبي الزناد، قال: فما كانا؟ قلت: من الموالي.
فاربدَّ وجهه ثم قال: فمن كان فقيه اليمن؟ قلت: طاووس، وابنه, وهمام بن منبه. قال: فما هؤلاء؟ قلت: من الموالي.
فانتفخت أوداجه فانتصب قاعدا، ثم قال: فمن كان فقيه خراسان؟ قلت: عطاء بن عبد الله الخراساني. قال: فما كان عطاء هذا؟ قلت: مولى.
فازداد تغيظا وحنقا، ثم قال: فمن كان فقيه الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران. قال: فما كان؟ قلت: مولى.
قال: فتنفس الصعداء، ثم قال: فمن كان فقيه الكوفة؟ قلت: فوالله لولا خوفه لقلت: الحكم بن عُيينة، وعمار بن أبي سليمان، ولكن رأيت فيه الشر، فقلت: إبراهيم، والشعبي. قال: فما كانا؟ قلت: عربيان. قال: الله أكبر! وسكن جأشه" (العقد الفريد:3/328-239)

لله درُّهم.. عبيدٌ أشرف من سادة، وهمم تناطح الجبال؛ ونجوم ساطعة وإن رآهم الجاهل في أدنى سلم المجتمع أو في القاع، وملوك آخرة ولو لم يجدوا ما يسد الرمق، والسر من وراء هذا كله القلب، وما يضرهم أن يكونوا من الحطام الفاني والعز الراحل فارغي اليد إذا كانوا من كنوز الشفاء ونوافع الدواء ممتلئي القلب؟!

وصدق إقبال وهو يجزم:

بامتثال الأمر يعلو من رَسَب *** وهوى الطاغي ولو كان اللهب (ديوان الأسرار والرموز:ص38)

16- العلم الحقيقي:

وهو علم القلوب، وقد فهم سلفنا الصالح أهمية هذا علم القلوب على سائر اللوم، فقال عنه أبو حامد الغزالي: "وهو فرض عين في فتوى علماء الآخرة" (الإحياء:1/21)، وقال عمرو بن قيس الملائي: "حديث أُرقِّق به قلبي، وأتبلَّغ به إلى ربي، أحب إليَّ من خمسين قضية من قضايا شُرَيح" (حلية الأولياء: 5/102-103). بل لما لما قيل للإمام أحمد: من نسأل بعدك؟! قال عبد الوهاب الوراق. قيل له: إنه ليس له اتساع في العلم قال: إنه رجل صالح مثله يُوفَّق لإصابة الحق، وسُئل كذلك عن معروف الكرخي؛ فقال: كان معه أصل العلم: خشية الله. (جامع العلوم والحكم: 1/95)

واستُفتي الحسن عن مسألة فأجاب فقيل له: إن فقهاءنا لا يقولون ذلك، فقال: "وهل رأيت فقيها قط؟! الفقيه: القائم ليله الصائم نهاره الزاهد في الدنيا" (إحياء علوم الدين:3/389)

وعن ليث قال: "كنت أسأل الشعبي فيُعرِض عني ويجبهني بالمسألة، فقلت: يا معشر العلماء! يا معشر الفقهاء! تروون عنا أحاديثكم وتجبهوننا بالمسألة، فقال الشعبي: يا معشر العلماء! يا معشر الفقهاء! لسنا بفقهاء ولا علماء، ولكنا قوم قد سمعنا حديثا، فنحن نحدثكم بما سمعنا، إنما الفقيه من ورع عن محارم الله، والعالم من خاف الله" (الحلية:4/311).

وليس الوصول إلى الله والدار الآخرة بكثرة العلم والرواية بل بثمرة العلم والهداية، وما قيمة علم لا يدفع صاحبه إلى العمل؟! وهل هو إلا حجة عليه ودليل إدانته وعلامة عدم اكتراثه بربه؟! لذا كان نهج السلف تجهيز تربة القلب وإعدادها جيدا قبل أن يبذروا فيها أي بذرة علم. قال سفيان الثوري: "كان الرجل لا يطلب الحديث حتى يتعبَّد قبل ذلك عشرين سنة" (حلية الأولياء: 6/361).

يا من تباعد عن مكارم خلقه *** ليس التفاخر بالعلوم الزاخرة
من لم يهذِّب علمُه أخلاقَه *** لم ينتفع بعلومه في الآخرة


لن ينتفع وسيخسر ويُخبر عن نفسه عند انكشاف غطائه وطلب الرسل له لقدومه على ربه فقال وصدق
إن كان منزلتي في الحب عندكم *** ما قد لقيت فقد ضيَّعتُ أيامي
أمنية ظفرَت نفسي بها زمنا *** واليوم أحسبها أضغاث أحلام


المحتالون

وإذا مرِض قلب العالم استخدم علمه في حِيَل يظن بها أن يتخلص من حكم الشرع وعاقبة البغي وكأن الله غير مطلع عليه، وقد انتشرت هذه الحيل عندما وهن الإيمان في الصدور واستثقل الناس أحكام الشرع؛ حتى أفرد ابن القيم في كتابه إغاثة اللهفان فصولا عن الحيل وأقسامها، واسمع إلى واحدة من هذه الحيل يرويها لك أبو حامد الغزالي:

"وحُكي أن أبا يوسف القاضي كان يهب ماله لزوجته آخر الحول، ويستوهب مالها إسقاطا للزكاة، فحُكِي ذلك لأبي حنيفة رحمه الله؛ فقال: ذلك من فقهه، وصدق فإن ذلك من فقه الدنيا، ولكن مضرته في الآخرة أعظم من كل جناية، ومثل هذا هو العلم الضار" (إحياء علوم الدين:1/18)

لذا كان عليك وأنت تدرس أي علم من علوم الشرع اليوم أن تقرأه بروح جديدة، وقلب كأنه وُلِد اليوم ولم يتلطخ بخطيئة بعد، وخذ مثلا على ذلك: عِلم السيرة الذي حثَّك الأستاذ البهي الخولي على قراءته بهذه الطريقة الجديدة باستخدام قلبك قبل عينيك، وبروحك وعاطفتك مع عقلك، وأرشدك إلى الطرح الحي فقال:

"أن تُكثِر مصاحبة مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سيرته المطهرة مصاحبة وجدانية عميقة، تجعلك في مجلسه عليه السلام إذا جلس، وفي ركابه إذا ركب، وفي معيته إذا سار، وتُسمعك قوارع وعظه، وتُسِّرب إلى قلبك رقة مناجاته إذا ناجى ربه في جوف الليل، أو في خلوات النهار، وتصل عواطفك بعواطفه صلوات الله عليه، حتى تكاد تشعر بخلجات قلبه العظيم إذا غضب، وبشاشته وسماحته إذا تسهل لشيء وتهلل، وتسلكك في صفوف المؤمنين به، فأنت معهم حين يسامون العذاب، تألم كما يألمون، وتهاجر كما يهاجرون، تهاجر معهم بوجدانك وخيالك وعواطفك إلى الحبشة أو غيرها من بلاد الله، فإذا شُرِع له الجهاد في المدينة، فأنت تحت لوائه المُظفَّر، تشهده ممتطيا صهوة جواده، وقد لبس لأمة الحرب، وتقَّلد السيف، وأخذ برمحه، فهو فارس الميدان، وقائد الفرسان، تزهر عيناه الشريفتان من تحت مغفره، فما يصعد شرفاً ولا يهبط وادياً، ولا ينال من عدو نيلا إلا وأنت معه عليه السلام، تكاد تضرِب إذا ضرب، وتُقدِم إذا أمر، وتفديه بما تملك، وتحوطه بكل ما في سويداء قلبك من حب وعاطفة". (تذكرة الدعاة: ص204)

17- شرط الطبيب الناجح:

قال ابن القيم في كتابه الطب النبوي عندما تكلم عن الطبيب الحاذق وذكر أنه يجب أن يراعى في علاجه عشرين أمراً كان منها:
"أن يكون له خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها، وذلك أصل عظيم في علاج الأبدان، فإن انفعال البدن وطبيعته عن القلب والنفس أمر مشهود، والطبيب إذا كان عارفاً بأمراض القلب والروح وعلاجها كان هو الطبيب الكامل، والذي لا خبرة له بذلك وإن كان حاذقاً في علاج الطبيعة وأحوال البدن نصف طبيب، وكل طبيب لا يداوي العليل بتفقد قلبه وصلاحه، وتقوية أرواحه وقواه بالصدقة وفعل الخير والإحسان والإقبال على الله والدار الآخرة فليس بطبيب بل مُتَطبِّب قاصر" (الطب النبوي:139-140)

إن غاية ما وصل إليه طب الدنيا أنه يصف الدواء، لكنه لا يضمن لك حتمية الشفاء، أما دواء الآخرة فالله هو الذي ضمن لمن تناوله تمام الشفاء، ولو علم الناس ما للطاقة الروحية من فوائد علاجية على الجسم والنفس لتخلوا عن استعمال كمية وافرة من الأدوية التي في معظمها لا تعالج إلا الأعراض، ولا تنفذ إلى الأسباب، وقد كان سلفنا الصالح أدرى ما يكونون بذلك، فأرشدوا أطباء الدنيا إلى ما غاب عنهم من طب الآخرة، وعلَّموهم أن راحة قلب للمريض وسعادته لها أعظم الأثر في محاصرة داء الجسد ودفع بلائه.

قال ابن القِّيم وهو يصف حال شيخه ابن تيمية:
"وحدَّثني شيخنا قال: ابتدأني مرض، فقال لي الطبيب: إن مطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض، فقلت له: لا أصبر على ذلك؛ وأنا أحاكمك إلى علمك، أليست النفس إذا فرحت وسُرَّت قويت الطبيعة فدفعت المرض، فقال: بلى، فقلت له:فإن النفس تُسَرُّ بالعلم، فتقوى به الطبيعة، فأجد راحة، فقال: هذا خارج عن علاجنا" (روضة المحبين:1/70)

18- قلب يقلب المعركة:

قد يدخل قلبٌ المعركة فيقلب الهزيمة الساحقة نصرا مبينا خاصة إن كان من نوع قلب أبي طلحة رضي الله عنه الذي شهد له النبي صلى الله عليه وسلم: «صوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف رجل» [صححه الألباني].

صوته فحسب بألف فكيف بسيفه؟! وهل بلغ هذا إلا بقلبه وما يحوي قلبه؟ وهل هذا إلا نتاج شجاعته وإقدامه وثباته وإيمانه وهي كلها أعمال قلوب؟! رحمة الله عليه وكأنه يشرح بفعله معنى قول ابن الجوزي: "الشجاع يلبس القلب على الدرع، والجبان يلبس الدرع على القلب" (المدهش:ص465)

ليدخل بذلك في زمرة من عناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولا تُهزَم اثنا عشر ألفا من قلة» [رواه الترمذي وأبو داود والحاكم].

ومعنى آخِر مقطعٍ في الحديث: «ولا تُهزَم اثنا عشر ألفا من قلة»: أن هزيمة أي جيش إن بلغ هذا العدد لا تكون بسبب قلته لكن بسبب قلوب جنوده، فهل علمتم الآن سبب غثائية الأمة وكثرة زبدها وضعف قوتها ووهن عزيمتها وتبوئها ذيل الأمم؟

وفي المقابل: قد ينقلب قلب نصر الأمة هزيمة ماحقة، فإن مرضا واحدا من أمراض القلب وهو الوهن كان كافيا لتسلط حفنة من اليهود لا تجاوز ملايينها عدد أصابع اليدين على مقدَّرات أمة فاق عددها الألف ومائتي مليون مسلم، إن قلوبنا هي سلاحنا الحقيقي في معركتنا الفاصلة مع العدو، لذا كانت ولا زالت هي هدف العدو الأساسي ومرمى سهامه الوحيد، يبث فيها السم ليتفشى فيها الداء؛ فتبقى دوما طريحة فراش الشهوات والأمنيات، وتترك بوابة الأمة مفتوحة على مصراعيها لغارات العدو بعد أن رفعت رايتها البيضاء مستسلمة.

ويعضِّد هذا قول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: «صلاح هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلك آخرها بالبخل والأمل» [رواه أحمد والطبراني وحسنه الألباني]، وهي كما ترى ليست أعمال جوارح بل أعمال قلوب، فاعلم قدر قلبك وأعطه ما يستحق واعتن به يا غافلا عن أثمن ما يملك!! نصر الأمة في قلب وهزيمتها من قلب، فأي القلبين قلبك؟!

19- مستودع الأخلاق والمشاعر:

إن قلب المرء هو الذي يتحكم في أخلاقه ويكظم انفعالاته ويضبط سلوكه ويهذِّب الشارد من طباعه، وهل تسكن أخلاق الأمانة والفاء والصبر والحلم والرحمة والعفو والصدق والعدل بيتا غير القلب؟! ولذا قال الأحنف بن قيس:

ولربما ضحك الحليم من الأذي *** وفؤاده من حرِّه يتأوه
ولربما شَكِل الحليم لسانه *** حذر الجواب وإنه لمُفوَّه

(العقد الفريد: 2/141)

فحُسن الخلق من حياة القلب، وسوء الخلق من مرض القلب أو موته، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا، ولذا فقد كان قلبه أعمر القلوب بالحياة حتى أيقظ قلوب كل من كان حوله في حياته وبعد رحيله.

قال أبو حامد الغزالي:
"القلب خزانة كل جوهر للعبد نفيس، وكل معنى خطير، أولها: العقل، وأجلُّها: معرفة الله تعالى التي هي سبب سعادة الدارين، ثم البصائر التي بها التقدم والوجاهة عند الله تعالى، ثم النية الخالصة في الطاعات التي بها يتعلَّق ثواب الأبد، ثم أنواع العلوم والحكم التي هي شرف العبد، وسائر الأخلاق الشريفة الخصال الحميدة التي بها يحصل تفاضل الرجال، وحُقَّ لهذه الخزانة أن تُحفظ وتصان عن الأدناس والآفات، وتُحرس وتُحرز من السُرَّاق والقُطَّاع، وتُكرم وتُجَلُّ بضروب الكرامات، لئلا يلحق تلك الجواهر العزيزة دنس، ولا يظفر بها –والعياذ بالله- عدو" (منهاج العابدين: ص94).

إن قلبا عزيزاً يمتلئ بالحزن سوف يرسل الأوامر إلى الوجه ليبتسم حتى لا يعلم الناس ما به من أذى، فإن علموا ما به ظل متألما بذُلِّ الشكوى محترقا بنار شفقة الناس عليه.

وهكذا كان قلب العزيز النبيل أسامة بن منقذ حين قال:

نافقت قلبي فوجهي ضاحكٌ جذِل *** طلق وقلبي كئيب مُكْمد باكِ
وراحة القلب في الشكوى ولذتِها *** لو أمكنت لا تساوي ذلة الشاكي


إن القلب والباطن هو من يضبط ويتحكم في الجوارح والظاهر ليظهر أمام الناس ما يسمح به القلب فحسب، ويأذن به ويرضاه، واسمع مرة ثانية إلى قول أسامة بن منقذ وتمثيله الجميل:

انظر إلى حسن صبر الشمع يُظهِرُ *** للرائين نورا وفيه النار تستعِر
كذا الكريم تراه تراه ضاحكا *** جذِلا وقلبه بدخيل الغم منفطر



20- بين الموت والحياة:

قال تعالى:{أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام:122].

وهذا مثل ضربه الله للذي هداه بعد الضلالة وشبَّهه بأنه كان كالميت الذي أحياه الله، وجعل له نورا يمشي به في الناس مستضيئا به، فيميز بعضهم من بعض، ويفصل بين أبيضهم وأسودهم وجميلهم وقبيحهم ومن يعرف منهم ومن لا يعرف ويسير فلا يتعثَّر أو ينكب على وجهه، ويعرف طريقه بل يساعد غيره على معرفة طريقه: يرشد العميان ويهدي الحيران، أهذا مثله مثل من بقي على الضلالة المتخبط في الظلمة لا ينفك منها ولا يتخلص؟!

ولكي تفهمه الفارق جيدا بين الفريقين وترى التناقض الكبير والبون الشاسع بين طريقين، فاسمع ما قاله زيد بن أسلم والإمام السُّدِّي في تفسير هذه الآية: "{فَأَحْيَيْنَاهُ} : عمر رضي الله عنه، {كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ}: أبو جهل لعنه الله". (القرطبي:7/70)

إنه الفارق بين السماء والأرض، لكن الصحيح أنها عامة في كل مسلم وكافر، أو ضال ومهتدي، ووصف الموت هذا أحد عشرة أوصاف وصف الله بها قلوب الكافرين في القرآن. قال الإمام القرطبي: "وقال أهل المعاني: وصف الله تعالى قلوب الكفار بعشرة أوصاف: بالختم والطبع والضيق والمرض والرين والموت والقساوة والانصراف والحمية والإنكار...

فقال في الإنكار: {قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} [النحل:22]، وقال في الحمية: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ} [الفتح:26]، وقال في الانصراف: {ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون} [التوبة:127]، وقال في القساوة: {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر:22]، وقال: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ} [البقرة:74]، وقال في الموت: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام:122]، وقال: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللّهُ} [الأنعام:36]، وقال في الرين: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين:14]، وقال في المرض: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [البقرة:10]، وقال في الضيق: {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} [الأنعام:125]، وقال في الطبع: {وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} [التوبة:87]، وقال: {بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء:155]، وقال في الختم: {خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ} [البقرة:7]. (القرطبي: 1/232)

وفي مقابل وصف: ميت؛ أطلق الله على كل من قُتِل جهاداً في سبيله لفظ: حي، بل حرَّم علينا أن نطلق عليهم لقب أوات، وما ذلك إلا لحياة قلبه، فقال: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} [البقرة:154]

فنهانا سبحانه أن نطلق على الشهيد كلمة: ميت، فهو حي في حياته وبعد رحيله، لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عن طلحة بن عبيد الله وهو حي: «طلحة ممن قضى نحبه» [صححه الألباني].

فالحي حي في حياته وبعد مماته، وميت القلب ميت في حياته وبعد موته، وحياة قلب الشهيد توحي بها معنى كلمة شهيد والتي تعني أنه شهد على الغيب حتى صار عنده شهادة، ولآنه رأى بقلبه ما لا يراه الناس إلا بعد موتهم؛ فأقدم على التضحية بأغلى ما يملك؛ كوفئ باستمرار إطلاق صفة الحياة عليه حتى بعد الموت.


من كتاب (بأي قلب نلقاه)

د/ خالد أبو شادي


اضف تعليقك

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3144 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3484 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3560 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟