نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

كلمات في الرقائق
20-5-2009 1803   
   
عدد مرات التحميل : 4

كلمات في الرقائق

 

إن الحمد لله رب العالمين نحمده ونستعينه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء: 1].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً(70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب: 71،70 ]

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

ثم أما بعد..

فحياكم الله جميعا أيها الأخوة الفضلاء وأيتها الأخوات الفاضلات، وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلا، وأسأل الله – جل وعلا – الذي جمعنا في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفي r في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك ومولاه..


أحبتي في الله: كلمات في الرقائق:

هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الأغر المبارك، فقد ألح عليّ كثير من إخواننا إلحاحا شديدا بعد سنوات طويلة، هجرنا فيها التذكير بالرقائق، أن أذكر نفسي وإخواني بكلمات رقراقة، نرجو أن ترق بها قلوبنا، وأن تدمع عيوننا وأن يذهب الله بها قسوة قلوبنا، لاسيما ونحن نعيش الآن عصراً، طغت فيه الماديات والشهوات، وانحرف فيه كثير من الناس عن رب الأرض والسماوات، وقست فيه القلوب وتراكمت فيه الذنوب على الذنوب وقل فيه الخوف من علام الغيوب. فما أحوجنا في مثل هذا الزمن الذي طغت فيه فتن الشهوات والشبهات، إلى أن نتذكر هذه الكلمات التي تذكرنا بالآخرة، في زمن قل فيه من يتذكر الآخرة، أسأل الله أن أكون من أهل الآخرة، فالحياة تمضي مسرعة ومعظم أهلها في غفلة عما هو آت.

نعم، أرحام تدفع، وأرض تبلع، مثلهم في ذلك كمثل أمواج البحر المتلاحقة، كلما انكسرت على الشط تبعتهم موجة وموجة، مثلهم في ذلك كمثل ماء نهر متدفق، فالماء الذي تراه اللحظة يختلف نمام الاختلاف عن الماء الذي وقعت عليه عينك قبل لحظة.

الحياة على ظهر الأرض موقوتة محدودة بأجل، ثم تأتي نهايتها حتماً، فيموت الصالحون، ويموت الطالحون، يموت المجاهدون المستعلون بالعقيدة، ويموت القاعدون المستذلون للعبيد، يموت أصحاب الأهداف الكبيرة، والاهتمامات العالية، ويموت التافهون الحريصون على الحياة، بأي ثمن يموت الجبناء الذين يحرصون على الحياة بأية صورة، ويموت الشرفاء الذين يأبون الضيم ويكرهون الذل الكل يموت {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [ الرحمن: 27-26].

إنها الحقيقة التي تصبغ الحياة البشرية كلها، بصبغة الذل والعبودية لقهار السماوات والأرض، إنها الحقيقة التي تعلن على مدى الزمان والمكان، في أذن كل سامع، وعقل كل مفكر، أنه لا بقاء إلا للحي الذي لا يموت، إنها الحقيقة التي تسربل بها طوعاً أو كرهاً – العصاة والطائعون، وشرب كأسها الأنبياء والمرسلون.

كل باك فسيُبكى *** وكل ناع فسينُعى
وكل مدخور سيفُنى *** وكل مذكور سينُسى
ليس غير الله يبقى *** من علا فالله أعلى


قال – جل وعلا: {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق: 19]، والحق أنك تموت والله حي لا يموت والحق أنك ترى عند موتك ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} [ق: 19]، والحق أن يكون قبرك روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران { ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق: 19]، أي ذلك ما كنت منه تهرب وتفر، وتجري تحيد إلى الطبيب، إذا جاءك المرض خوفاً من الموت ، وتحيد إلى الطعام إذا أحسست بالجوع، وتحيد إلى الشراب إذا أحسست بالظمأ.

ثم ماذا أيها القوي، أيها الذكي العبقري، يا أيها الكبير، يا أيها الأمير، يا أيها الوزير، يا أيها الغني، يا أيها الفقير.

دع عنك ما قد فات في زمن الصبا *** واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب
لم ينسه الملكان حسن نسيته *** بل أثبتاه وأنت لاه تلعب
والروح منك وديعة أودعتها *** ستردها بالرغم منك وتسلب
وغرور دنياك التي تسعى لها *** دار حقيقتها متاع يذهب
الليل فاعلم والنهار كلاهما *** أنفاسنا فيهما تعد وتحسب


وصدق ربي إذ يقول: {كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ(26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ(27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ(28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} [القيامة: 30،26]، ويُفتح سجلك أبها اللاهي، ويفتح كتابك أبها الغافل عن لقاء ربك وإذا به {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى(31) وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [ القيامة: 32،31]... تدبر {كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} [القيامة: 27,26].

قال ابن عباس – رضي الله عنهما – أي: من يرقى بروحه من ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب: قال قتادة: {كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ(26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} [القيامة: 27,26] أي: من يبذل له الرقية، من يبذل له الطب والعلاج، انظر إليه وهو على فراش الموت، وقد التف الأطباء من حوله، وداروا بل وحار الأطباء في أمره، وحاروا انظر إليه وهو من هو، صاحب المنصب، صاحب الجاه، صاحب السلطان، صاحب الأموال، صاحب الوزارة، صاحب الملك، شحب وجهه وتجعد جلده وبردت أطرافه، وبدأ يشعر على فراش الموت بزمهرير قارس، يزحف إلى أنامل يديه وقدميه.

يحاول جاهداً أن يحرك شفتيه بكلمة التوحيد، فيشعر أن الشفتين كالجبل لا يريد أن يتزحزح إلا لمن يسر الله له النطق بلا إله إلا الله، فإذا أفاق في لحظة من لحظات الصحوات بين السكرات والكربات، ووعى ما حوله نظر إلى الأطباء تارة، بل ونظر إلى أهله تارة، وقال بهم بلسان الحال وأحياناً بلسان المقال: يا أولادي، يا أحبابي، لا تتركوني وحدي، ولا تفردوني في لحدي، لا تتركوني، أنا أبوكم، أنا أخوكم، أنا حبيبكم، أنا، أنا الذي بنيت لكم القصور، أنا الذي عمرت لكم الدور، أنا الذي نميت لكم التجارة، أنا صاحب الأموال، أنا صاحب الجاه والسلطان، من منكم يزيد في عمري ساعة، أو ساعتين؟... وهنا يعلو صوت الحق: { فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } [الواقعة: 83-87] .

من يستطيع أن يزيد في عمره ساعة أو ساعتين؟... لا أحد {إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [يونس: 49]... إذاً حان الأجل المحدد الذي حدده الله جل وعلا.

لما نام هارون الرشيد على فراش الموت بعد ما كان يخاطب السحابة في كبد السماء ويقول لها: "أيتها السحابة في أي مكان شئت فأمطري فسوف يحمل إلينا خراجك، إن شاء الله تعالى".

لما نام على فراش الموت بكى وقال: "ما أغنى عني ماليه، هلك عنى سلطانيه، أريد أن أرى قبري الذي سأدفن فيه"، فحملوا هارون إلى القبر فنظر هارون إلى القبر، وبكى ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: "يا من لا يزول ملكه، ارحم من قد زال ملكه، يا من لا يزول ملكه، ارحم من قد زال ملكه".

في صحيح البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما – وقال: «كن في الدنيا كأنك غريب».. أيها الغريب تذكر وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل».

وكان ابن عمر يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك" (1).

أيها اللبيب

إن لله عبادا فطنا *** طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها لما علموا *** أنها ليست لحي وطنا
جعلوها لجة واتخذوا *** صالح الأعمال فيها صفنا

فالدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، فهي مصلى أنبياء الله، ومتجر أولياء الله ربحوا فيها الرحمة، واكتسبوا فيها الجنة، وبعد الموت بعث.

{زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [التغابن: 7]، بعد الموت حياة بزخية لا يعلم حقيقتها إلا رب البرية، ولا ينبغي أن تعمل عقلك في الحكم على هذه الحياة، لأنها حياة لم يطلع عليها ملك مقرب ولا نبي مرسل.

قال ابن القيم: "إن الله – تعالى – خلق الدور الثلاثة: دار الدنيا ودار البرزخ، ودار القرار: وجعل الله الحياة في دار الدنيا تسري على الأبدان والأرواح تبعاً لها، وجعل الله الأحكام في دار البرزخ، تسري على الأرواح والأبدان تبعاً لها، وجعل الأحكام في دار القرار تسري على الأرواح والأبدان معاً".

فسر المسألة في حياة البرزخ أنه نور القبر وناره وسعة قبره وضيقه ليس من جنس نور الدنيا ونار الدنيا، وليس من جنس سعة وضيق الدنيا.

وقد ترى الرجلين في فراش واحد في حياتنا الدنيا يستيقظ أحدهما، وتبدو عليه معالم وآثار النعيم ويقول لك: لقد كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم الليلة الماضية، أو يقول: قد رأيتني الليلة الماضية في الجنة ورأيت كذا وكذا، تبدو عليه آثار النعيم ويستيقظ الآخر في ذات الفراش وعليه آثار العذاب والآلام ويقول: إنه والعياذ بالله قد عاين جهنم أو رأى كذا وكذا، أو رأى كابوساً، كاد يخنق أنفاسه.

الرجلان في فراش واحد الأول في نعيم والآخر في آلام وعذاب، لا يشعر أحدهما(1) بالآخر، هذا في عالم الدنيا فما يحدث في عالم البرزخ أعجب من كل ذلك بكثير، فكل ما دار ببالك، فحياة البرزخ بخلاف ذلك، لا يعلم حقيقته ملك مقرب ولا نبي مرسل.

ونحن ندين الله – جل وعلا – بأن حياة البرزخ إما أن يحيا أصحابها في نعيم دائم، إلى يوم القيامة، إما أن يعيش أصحابها في عذاب لا يعلم وقته إلا الله، نسأل الله أن يجعلنا من أهل النعيم في الدنيا والآخرة.

وبعد البرزخ بعث، لا تستكثر الأمر على الله، فالله – جل وعلا – على كل شيء قدير، أمره – جل وعلا – بين الكاف والنون: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 87] .

روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: «كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضرته الوفاة قال لبنيه: يا أولادي إذا مت فحرقوني، حتى إذا صرت فحما فاسحقوني، فإذا كان يوم ريح عاصف فاذروني».

وفي لفظ في الصحيح: « فأذروا نصفي في البر ونصفي في البحر فإن قدر علىّ ربي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحدا من العالمين»، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلما مات فعل به بنوه ذلك فأمر الله البحر فجمع ما فيه وأمر الله البر فجمع ما فيه ثم قال الله له: كن فإذا هو رجل قائم بين يديه – جل وعلا – فقال له ربنا: ما حملك على ذلك؟ قال مخافتك يارب» وفي لفظ: «خشيتك يارب وأنت أعلم» قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فغفر الله له بذلك».

الله – جل وعلا – قادر على أن يبعثك، لأنه خلقك ولم تك شيئا.

روى البخاري وغيره من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى – في الحديث القدسي: كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك وشتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني – قال – وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته، أما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد» ([1]).

وقد ضرب الله لنا بعض الأمثلة في القرآن على البعث بعد الموت فهذا العاصي العاص بن وائل الذي جاء بعظام بالية، يفتتها يوما بين يديه أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: يا محمد أتزعم أن ربك يحي هذه بعد ما صارت رميما فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم يميتك ثم يبعثك ثم يدخلك جهنم» فنزل قول الله عز وجل: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [ يس: 77-79].

فبعد البرزخ بعث، وآه من البعث ومشهده... فبعد البعث حشر إلى أرض ستقف عليها لتحاسب بين يدي الحق – جل وعلا.

تدبر قول الصادق الذي لا ينطق عن الهوى -صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما: «يبعث كل عبد على ما مات عليه» فمن مات على طاعة بعث يوم القيامة على ذات الطاعة ومن مات على معصية بعث يوم القيامة على ذات المعصية «يبعث كل عبد على ما مات عليه» ([2])فمنهم من يبعث والنور يشرق من وجهه، ومن يمينه ومن بين يديه، اللهم اجعلنا من أهل الأنوار: { يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [التحريم: 8].

قال ابن مسعود – والأثر رواه أحمد في مسنده وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي وابن مردويه وغيرهم: منهم من يكون نوره كالجبل، ومنهم من يكون نوره كالنخلة، ومنهم من يكون نوره كالرجل القائم، ومنهم من يكون نوره على إبهامه، يوقد مرة ويطفأ مرة، ومنهم من تحيط به الظلمة من كل ناحية ([3]).

قال – جل وعلا: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ} [الحديد:14،13]. أي ينادون أهل الأنوار، ينادي أهل الظلمات أهل الأنوار. أي ينادي أهل النفاق، أهل الإيمان {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} أي: ألم نكن معكم نشهد الجمعات؟، ألم نحضر معكم الجماعات؟، ألم نشهد معكم الغزوات؟... {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ}، فتنتم أنفسكم بالشرك أو النفاق {وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ}، أي بالإيمان ولأهله {وَارْتَبْتُمْ}... أي تشككتم في وعد الله ورسوله {وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [ الحديد: 14].

فمنهم من تحيط به الظلمة من كل ناحية، نسأل الله – جل وعلا – إلا يحرمنا نوراً في الدنيا والآخرة، اللهم لا تحرمنا النور ، يوم تقسم الأنوار برحمتك يا عزيز يا غفار.

ومنهم من يبعث من قبره وهو يقول لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إلى أين؟ أنت في أرض المحشر، ولست في أرض عرفة من هذا؟ هذا الذي مات في الحج والعمرة بملابس الإحرام.

وحديثه في الصحيحين من حديث ابن عباس قال صلى الله عليه وسلم: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» ([4]).

ومنهم من يبعث ينبعث منه دم، اللون لون الدم، والريح ريح المسك، من هؤلاء؟ هؤلاء الشهداء في سبيل الله والحديث في الصحيحين ([5]).

ومنهم من يبعث وهو لا يقوى على القيام، إذا وقف وقع على الأرض، وإذا وقع وأراد أن يستوي على الأرض تلبط في الأرض يمنة ويسرة، لا يستطيع قياماً ولا جلوساً، منظر يخلع القلوب من هذا؟ هذا آكل الربا.

{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} لا، لا، قال تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275].

ومنهم من يبعث، ترى مجموعة من الأطفال يجرونه جراً ويدفعونه دفعاً، ليقدموه في أرض المحشر ليوقفوه بين يدي الله عز وجل من هذا؟، ومن هؤلاء؟، هذا آكل أموال اليتامى، وهؤلاء هم اليتامى يدفعونه دفعاً ليوقفوه بين يدي الله: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} [النساء: 10].

ومنهم من يبعث وكأس الخمر في يده، مات وكأس الخمر في يده فيبعث وكأس الخمر في يده، من أين جاء؟ الله أعلم. ومنهم من يبعث وقد سرق في الدنيا تراه يمشي في أرض المحشر، وهو يحمل بيضة سرقها أو يحمل دجاجة، أو يحمل شاة أو ناقة أو يحمل بنكا، أو يحمل أمة، فهناك من سرق بنكا، وهناك من سرق أمة ، يبعث يوم القيامة، وهو يحمل ما سرق، إن لم يتب إلى الله قال – جل وعلا: { وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 161] .

تصور هذه المشاهد التي تخلع القلوب، ونحن نقص حقيقتها، كيف لو عايناها؟، كيف لو شاهدناها، ولا تتصور أن الخلق سيبعثون بثياب، أو بمراكز أو بمناصب، كلا.

قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – كما في الصحيحين من حديث عائشة: «يحشر الناس حفاة عراة غرلا» «حفاة» نعرف معنى اللفظة، من لا يلبس في قدميه نعلا «عراة» من لا يحمل على بدنه ثوباً، «غرلا» حتى هذا «غرلا»: جمع أغرل والأغرل هو الصبي قبل ختانه، حتى هذه القطعة التى قطعت يوم ختانك ترد إليك، قال تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104] «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا».

قالت عائشة – تلك الزهرة التي تفتحت في بستان الحياء: "يا رسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟!!"، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة الأمر أشد من أن يهمهم ذلك لكل أمريء منهم يومئذ شأن يغنيه» (1).

أقسم بالله لو تدبرتها لطاش عقلك، أقسم بالله لو تدبرتها لارتجف فؤادك، تصور زحاماً خانقاً من رجال عراة ونساء عراة، ومع ذلك لا يلتفت رجل إلى امرأة، ولا تلتفت امرأة إلى رجل، تصور الهول الذي نزل بالقلوب فأنسى البشر جميعها هذا المشهد العاري «الأمر أشد من أن يهمهم ذلك لكل أمريء منهم يومئذ شأن يغنيه» .

قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم: «يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفاً مشاة، وصنفاً ركباناً ، وصنفاً على وجوههم» ([6]) أما الركبان فهم أهل التقى اللهم اجعلنا من المتقين {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً{85} وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً} [مريم: 86-85] {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً} [مريم: 85] {وَفْداً} أي: ركبانا، التقي التقي الذي وحد الرب العلي، وتابع في الدنيا حبيبه النبي.

ربما لم يجد دراجة في الدنيا، ليركبها من شدة فقره، بل ربما والله لا يجد حماراً ليركبه من شدة فقره، هذا يوم القيامة إذا بعث الناس وحشر الناس، لا يمشي على قدميه في أرض المحشر خطوة واحدة، بل يرى ملائكة الله– جل وعلا– قد أعدت له ركوبة من ركوب الآخرة، لا يعلم حقيقتها وعظمتها وجمالها إلا من أعدها، وهيأها – جل وعلا – فيركب المؤمن التقي ويحشر إلى الرب العلي، ليظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

وصنف يحشر على قدميه في أرض المحشر، وقد دنت الشمس من الرؤوس والزحام وحده يكاد يخنق الأنفاس بل ويكاد العرق أن يغرق كل الناس.

فمنهم من يقوم والعرق قد وصل إلى كعبيه، ومنهم من بلغ العرق وسطه، ومنهم من ألجمه العرق إلجاماً ، ومنهم من يصل العرق إلى أذنيه، يغرق الناس في عرقهم، فالشمس فوق الرؤوس بمقدار ميل ، كما في صحيح مسلم من حديث المقداد بن الأسود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تُدنى الشمس من الرؤوس بمقدار ميل» ([7])، قال سليم بن عامر: "والله ما أدري أهو الميل المسافة المعروفة أم الميل الذي تكتحل به العيون"، تكون الشمس فوق الرؤوس بمقدار ميل، ولولا أن الله قدر ألا نموت بعد الموت، لمتنا جميعا من حرارة الشمس، لصهرت الشمس رؤوسنا وعظامنا، ورب الكعبة في هذا المشهد الرهيب، يُحشر صنف إلى الله على الأقدام.

وانظر إلى الصنف الثالث الذي يخلع القلب، تصور وأنت تمشي وأنت عار ترى صنفاً يركب إلى جوارك، وترى صنفا يمشي، وترى صنفا يمشي على وجهه ويديه.

تخيل معي يا أخي: ترى صنفاً يحشر على وجهه، رجلاه إلى أعلى ووجهه إلى أسفل كيف ذلك؟! سئل النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، والحديث في الصحيحين من حديث أنس قيل: يا رسول كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال صلى الله عليه وسلم: «أليس الذي أمشاه في الدنيا على قدمين قادرا على أن يمشيه يوم القيامة على وجهه» ([8]) قال قتادة: قلت: بلى وعزة ربنا.

وأنا أقول بلسانكم جميعا: بلى وعزة ربنا إنه لقادر تدبر معي قول ربي: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} [الإسراء: 97] سنحشر على أرض تختلف عن هذه الأرض، وستقف للحساب على أرض ليست هي هذه الأرض: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [إبراهيم: 48].

تصور البشرية كلها من لدن آدم إلى آخر رجل تقوم عليه الساعة، تصور البشرية كلها، وهي تقف في أرض المحشر في أرض بيضاء نقية، كقرص نقي أي: بيضاء كبياض الدقيق الذي نخل من الغش والنخال، أرض بيضاء لم يعص ربنا عليها ولم يرتكب ذنب عليها، يحشر الخلق جميعا عليها للسؤال بين يدي الكبير المتعال – جل وعلا.

تصور معي هذه المشاهد التي تخلع القلوب، لنستعد من الآن للقاء علام الغيوب، بالتوبة والأوبة، والعمل الصالح، كما سأذكر في نهاية اللقاء إن شاء الله تعالى، فالذكرى لا تنفع إلا من وحد الله ولا تنفع إلا من حقق الإيمان بالله قال الله – عز وجل: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55]. اللهم اجعلنا من المؤمنين الصادقين الذي ينتفعون بالذكر، برحمتك يا أرحم الراحمين.

تقف البشرية كلها وقد انقادت لهذا الداعي الذي بعث من قبل الله، ليقودها كلها إلى أرض حددها الله يتبع الكل هذا الداعي، من الملائكة لا يلتفت أحد، ولا يتخلف أحد، لا غني، ولا فقير، ولا حاكم، ولا محكوم، الكل عار أمام ربي: {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً (108) يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً (109) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (110) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً} [ طه: 108-111] .

تقف البشرية كلها في خشوع وصمت، لا يتكلم أحد، إلا بعد أن يأذن له الرحمن، ولا يشفع أحد إلا بعد إذن الرحمن، فيشفع سيد الخلق وحبيب الحق صلى الله عليه وسلم يشفع في القضاء، وللرسول صلى الله عليه وسلم عدة شفاعات لا يتسع الوقت لسردها.

يشفع في القضاء ويقبل الله شفاعة إمام الأنبياء صلى الله عليه وسلم ويتنزل الحق تنزيلا يليق بكماله وجلاله، للقضاء بين عباده، ويوضع كرسي الملك حيث شاء بالكيفية، التي شاء بعد ما تتنزل ملائكة السماوات السبع، لتحيط الملائكة بالبشرية كلها من كل ناحية ويتنزل الملك.

قال–جل وعلا: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ} [البقرة: 210] قال الله– عز وجل: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} [ الزمر: 70،69] قال الله–عز وجل: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} وجاء ربك مجيئاً يليق بجلاله {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} [الفجر: 22].

أحاطت الملائكة صفا بعد صف بالخلائق كلها، من لدن آدم إلى آخر رجل قامت عليه القيامة.

ويبدأ الحساب بالعرض على الملك الوهاب، ويبدأ بالعرض على الله – جل وعلا – وذلك بتطاير الكتب، يطير كل كتاب إلى صاحبه، فمنهم من يأخذ كتابه بيمينه – اللهم اجعلنا منهم بمنك وكرمك – ومنهم من يأخذ بشماله.

ترى صنفاً تنادي عليه الملائكة أين فلان ابن فلان من هذا؟، اسمي؟، ماذا تريدون يا ملائكة الله؟ أقبل للعرض على الله – جل وعلا – أقبل للقيام بين الحق – تبارك وتعالى – فتتقدم على رؤوس الخلائق، وقد قرع النداء قلبك، فارتعدت فرائصك، واضطربت جوارحك، وأنت تسير في ذل وانكسار ، لتقف بين يدي العزيز الغفار، والملك القهار.

إن كنت من المؤمنين الصادقين فربك رب العالمين منه حتى يضع رب العزة عليه كنفه. والكنف في اللغة: الستر والرحمة ويقرره بذنوبه فيقول الرب للمؤمن: عبدي قد فعلت كذا قلنا يوم كذا وكذا فصحيفتك لا تخفي شيئا فكم من بلية ، قد كنت أخفيتها، أظهرها الله لك وأبداها، وكم من معصية قد كنت نسيتها، ذكرك الله إياها {عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} [طه: 52] {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } [الزلزلة: 8،7].

يذكرك الله بكل شيء فيقول الرب للعبد المؤمن: قد فعلت كذا وكذا يوم كذا وكذا فيقول المؤمن: ربي أعرف، ربي أعرف، فيقول الحق - جل جلاله: لكنني سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم (1)...

فيعطيه صحيفة حسناته ويقال له: اذهب إلى الجنة فينطلق وكتابه بيمينه، وقد فاز فوزاً لا خسران بعده، وسعد سعادة لا شقاء بعدها أبداً انطلق لإخوانه لأقرانه من أهل الإيمان، انظروا شاركوني الفرحة والسعادة هذا كتابي بيميني {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ (19) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [الحاقة: 19-24].

أما إن كانت الأخرى – أعاذنا الله وإياكم من الأخرى – يعطيه الله كتابه بشماله ويقال: انطلق إلى أين؟ إلى أمك الهاوية {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ} [القارعة: 11،10] {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ (28)هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ(36) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِؤُونَ} [الحاقة: 25-37].

روى البخاري ومسلم من حديث عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نوقش الحساب يوم القيامة عُذّب» . قالت عائشة: يا رسول الله أليس الله يقول: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ(7)فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} [الانشقاق: 8،7] ؟ قال: «ليس ذلك الحساب إنما ذلك العرض فمن نوقش الحساب يوم القيامة عذب» ([9]).

وسط هذا الهول ينادي الله تبارك وتعالى على طائفة من أمة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم لتنطلق مباشرة إلى الجنة من غير حساب، ولا عذاب – اللهم اجعلنا منهم يارب.

روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – قال: «يدخل الجنة من أمتي يوم القيامة زمرة تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر هؤلاء إلى الجنة بغير حساب ولا سابقة عذاب» ([10]).

روى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس قال صلى الله عليه وسلم: «عرضت عليّ الأمم» – أي ليلة المعراج كما في رواية للترمذي بسند حسن «عرضت عليّ الأمم – فرأيت النبي ومعه الرهط ورأيت النبي ومعه الرجل والرجلان، ورأيت النبي وليس معه أحد وبينا أنا كذلك إذا رفع لي سواد عظيم» أي: رأى النبي صلى الله عليه وسلم سواداً عظيماً في طريقه إلى الجنة فظننت أنهم أمتي فقيل لي: هذا موسى وقومه – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – وهذه كرامة لنبي الله موسى «هذا موسى وقومه ولكن انظر إلى الأفق فنظرت فإذا سواد عظيم وقيل لي: انظر إلى الأفق فنظرت فإذا سواد عظيم وقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب» (1).

وفي رواية الإمام أحمد وسنن البيهقي بسند حسنه الحافظ ابن حجر وصححه الألباني بمجموع طرقه، من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سألت ربي – عز وجل – فوعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا على صورة القمر ليلة البدر فازددت ربي – عز وجل – فزادني مع كل ألف سبعين ألفا» قال: «ثم يحثي ربي بكفه ثلاث حثوات» فكبر عمر بن الخطاب وقال: الله أكبر فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم «وإن السبعين ألفا الأول يشفعهم الله في آبائهم وأمهاتهم وعشائرهم وإني لأرجو أن تكون أمتي أدنى الحثوات الأواخر» (2).

يا لها من كرامة أن تنطلق إلى الجنة في هذا الهول بغير حساب، وبلا سابقة عذاب، اللهم اجعلنا من هؤلاء السعداء بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.

وبعد الحساب ميزان، بعد كل هذا ميزان ونحن نؤمن بميزان له كفتان وله لسان لا يعلم قدره وحقيقته إلا الله {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ {6} فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ {7} وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ {8} فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ {9} وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ {10} نَارٌ حَامِيَةٌ} [القارعة: 11,6]، قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: 47]، {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ} كلا، كلا إنما هو ميزان واحد، وإنما اللفظ جمع على اعتبار ما يوضع في الميزان لا على اعتبار الميزان ذاته.

{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} فمن أهل العلم من قال: يوضع في الميزان الأعمال والأعمال كثيرة وهنا شكك بعض أهل التشكيك، وقالوا: كيف توضع الأعمال في الميزان والأعمال جواهر وليست أعراضاً تُوزن؟ كيف يُوزن التسبيح؟ كيف تُوزن الصلاة كيف يُوزن التوحيد؟ كيف يُوزن الذكر.

والجواب: أن الله– جل وعلا– قادر على أن يحول الجواهر إلى أعراض والأعراض إلى جواهر توضع في الميزان يوم القيامة بحسب الحسنات والسيئات.

ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلمتان خفيفتان حبيبتان للرحمن ثقيلتان في الميزان – هما – سبحان الله وبحمد سبحان الله العظيم» ([11]).

وفي صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعتن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله – اللهم اجعلنا من أهل القرآن العاملين به - يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وسورة آل عمران كأنهما غمامتان – أو غيايتان أو غيابتان أو فرقان أو حزقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما يوم القيامة» ([12]).

فالأعمال جواهر يحولها الله إلى أعراض توضع في الميزان بحسب الحسنات والسيئات، ومن أهل العلم من قال: يوضع في الميزان العامل نفسه، العامل ذاته واستدلوا على ذلك بما رواه مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال – والحديث في الصحيحين وغيرهما أنه – صلى الله عليه وآله وسلم – قال: «يؤتى بالرجل السمين العظيم يوم القيامة ، فلا يزن عند الله جناح بعوضة».. فلا يزن عند الله جناح ذبابة ثم قال: «اقرأوا إن شئتم» (1) قوله تعالى: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً} [الكهف: 105].

واستدلوا بما رواه أحمد وغيره بسند صحيح أن عبد الله بن مسعود صعد يوما على شجرة أراك ليجني سواكاً فجعلت تكفؤه فضحك القوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مم تضحكون؟» قالوا: من دقة ساقيه يا رسول الله، فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان بوم القيامة من جبل أحد» (2).

ومن أهل العلم من قال: بل يوضع في الميزان الصحف، صحف الأعمال واستدلوا عل ذلك بما رواه أحمد والطبراني وابن حبان والبيهقي والحاكم وغيرهم بسند صحيح من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يستخلص رجلا من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق وينشر على تسعة وتسعين سجلا كل سجل مثل مد البصر فيقول له: أفلك عذر؟ فيقول: لا، يارب فيقال: أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب فيقال: احضر تعال وزنك لا ظلم عليك اليوم فيخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد عبده ورسوله فيقول العبد : يارب ما هذه البطاقة إلى هذه السجلات ؟! قال احضر وزنك لا ظلم عليك اليوم، قال: فتوضع السجلات في كفة وتوضع البطاقة في كفة» قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: «فطاشت السجلات وثقلت البطاقة فإنه لا يثقل مع اسم الله شيء» (3).

وأرى أنه لا تعارض بين الأقوال فلا حرج أن يوضع في الميزان العبد العامل، والصحف والأعمال كل ذلك يوضع في الميزان.

قال القرطبي: "الحساب لتقرير الأعمال، والميزان لبيان مقدارها، ليجازي الله العباد بحسبها".

وبعد الميزان صراط، والصراط: جسر يضرب على متن جهنم – نتعرف عليه في عجالة بعد الاستراحة، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، اللهم صلّ وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين..

يا أيها الأحبة: وبعد الميزان صراط: جسر يضرب على متن جهنم كهذه القنطرة التي ضربت على متن هذه الترعة {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً(71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} [ مريم:72،71]. سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصراط أو عن الجسركما في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد ([13]) عن النبي صلى الله عليه وسلم: «دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسك ، تكون بنجد فيها شويكة يقال لها: السعدان، فيمر المؤمنون» أو مذلة أي مواطن تذل عليه الأقدام، إلا من ثبت الله قدميه اللهم ثبت أقدامنا على الصراط، «فيمر عليه المؤمنون كالطود وكالبرق وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب» كالفارس الذي يركب جواده «فناج مسلم» اجعلنا يا سيدي منهم «ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم» فعلى الصراط الكلاليب: جمع كلوب، وخطاطيف: جمع خطاف، وحسك: نوع من أنواع الشوك يشبه الخطاف.

أرجو أن تتصور معي أن هذه الكلاليب والخطاطيف والحسك تعرف بأمر ربها من تخطف إلى جهنم، ومن تسمح له أن يمر إلى الجنة، عليه خطاطيف وكلاليب، وحسك وبعد الصراط قنطرة قد لا يعرف عنها كثير من المسلمين أي شيء.

وحديث القنطرة في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري أن الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، فيتقاصون مظالم كانت بينهم حتى إذا هذبوا ونقوا أذن الله لهم بدخول الجنة» قال: «فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى – أي: أعرف – بمنزله في الجنة منه بمنزله في الدنيا» (1). يعني: سينطلق المؤمنون بعد هذا القصاص، كل إلى مكانه في الجنة لا يسأل عن بيته في الجنة ملكاً مقربا ولا نبي مرسلا، لأن الله عرفه منزله في الجنة كما سينطلق هذا الجمع الآن بعد قليل كل فرد إلى بيته لن تسأل عن بيتك أحدا من الناس.

لا أريد أن أتوقف عن النار، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من النار، فالطعام في النار نار، والشراب في النار نار، والثياب في النار نار.

طعام أهل النار زقوم وضريع وغسلين، فإذا تأججت النار في البطون استغاثوا وسألوا ربهم أن يغيثهم بماء فأغاثهم {بِمَاء كَالْمُهْلِ} أي: كالزيت الذي يغلي {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً} [الكهف: 29]. حتى الثياب تفصل لهم في النار من نار قال – جل وعلا: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ} [الحج: 21,19] فيستغيث أهل النار بخزنة جهنم {وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ الْعَذَابِ (49) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [ غافر: 50،49].

فيتذكر أهل النار مالكا خازن النار: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} يريدون أن يقضي الله عليهم حتى لا يتعرضون لهذا العذاب {قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ} [الزخرف: 77] فيتذكر أهل النار إخوة لهم دخلوا الجنة، كانوا معهم في الدنيا فينادي أهل النار على هؤلاء الموحدين: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَـذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [الأعراف: 51،50] فيستغيث أهل النار بالعزيز الغفار والواحد القهار، {قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ(106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ(107) قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ } [المؤمنون: 108,106].

هذا رد ربك.

أما الجنة اللهم – اجعلنا من أهلها – ففيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعن، ولا خطر على قلب بشر لن أستهل بآيات، ولا بأحاديث فالوقت لا يتسع لذلك، لكن اسمح لي أن اذكر حديثا واحداً يبين فيه نبينا الصادق منزلة أدنى رجل في الجنة، وتصور أنت بعد ذلك نعيم الجنة.

وحديث هذا الرجل في حديث مسلم من حديث المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سأل موسى بن عمران» على نبينا وعليه الصلاة والسلام «سأل ربه عز وجل وقال: يارب ما أدنى أهل الجنة منزلا؟ فقال الرب جل وعلا لموسى: ذاك رجل يجيء فيقال له: ادخل الجنة فينطلق ثم يعود إلى الله ويقول: يارب قد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم».

يعني: لا مكان لي في الجنة، الجنة مشغولة شغلت كل الأماكن فيها يقول الرب جل وعلا: أترضى أن يكون لك ملكك في الجنة كملك ملك من ملوك الدنيا.

وقد لا نعرف نحن جميعا ملك من ملوك الدنيا «فيقول العبد للرب: رضيت يارب رضيت» أن يكون ملكي في الجنة كملك ملك من ملوك الدنيا رضيت يارب «فيقول الرب – جل وعلا » وفقط، لأن الذي يكلمه الكريم «لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله فيقول العبد في المرة الخامسة: رضيت يارب فيقول الرب جل جلاله: لك ذلك وعشرة أمثاله معك قال موسى: يارب هذا أدنى أهل الجنة منزلة فما أعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين غرست كرامتهم بيدى وختمت عليها، فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر» (1) .

أيها الحبيب اللبيب: هل ستتوب؟، هل ستتوب الآن؟، هل ستتوبين الآن بعد كل هذه الكلمات الرقراقة من كلام ربي وكلام نبينا صلى الله عليه وسلم هل ستتوب؟، هل ستحقق التوحيد؟، هل ستحافظ على الصلاة؟، هل ستحافظ على أكل الحلال؟، هل ستحقق من الآن بر والديك؟، هل ستحسن من اليوم إلى جيرانك في البيت وإلى جيرانك في الوظيقة والعمل؟، هل ستتخلى من اليوم عن أكل الربا؟، هل سترد حقوق اليتامى اليوم إليهم؟، هل سترجع اليوم إلى جارك الذي آذيته، لتعتذر له؟، هل سترجع في الصباح الباكر إلى موظفك أو مرؤوسك في العمل؟، لتعتذر له بعد أن ظلمته؟، هل سترد الحقوق إلى أهلها؟، هل ستلبسين الحجاب أيتها المسلمة؟، هل سنكف وآسفاه، إن دعينا بعد كل هذا إلى التوبة، وما أجبنا، واحسرتاه إن دعينا بعد كل هذه الكلمات إلى التوبة، وما أنبنا.

يا نادما على الذنوب أين أثر ندمك؟، يا نادما على الذنوب أين أثر ندمك؟

أين بكاؤك على زلة قدمك؟ هيا الآن قبل أن ترجع إلى البيت، عاهد ربك.

وأنت أيها المسلم يا من تستمع إلى عبر شريط الكاسيت، هيا الآن قبل أن تغلق الكاسيت والجهاز، عاهد ربك اللحظة على التوبة، على الإنابة، على الأوبة، ارجع مهما كانت معاصيك، مهما عظمت ذنوبك، اقرع باب الملك بقلبك، فإن أبواب الملوك لا تقرع بالأظافر، كيف وأنت تطالب الآن بقرع باب ملك الملوك – جل جلاله: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].

واعلم أن الله سيفرح بتوبتك وأوبتك، وهو الغنى عن العالمين، لا تنفعه الطاعة، ولا تضره المعصية.

الآن، الآن عاهد ربك على تحقيق التوحيد، على المحافظة على الصلوات، على المحافظة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بغير منكر والدعوة إلى الله بأي وسيلة من الوسائل، عاهد ربك على أن تكون عبدا يعيش في الدنيا، وقلبه معلق بالآخرة, عاهد ربك على أن تكون بعد هذا اللقاء إنسانا مختلفا تمام الاختلاف.

فالتوبة التوبة: هي العودة من المعصية إلى الطاعة، هي العودة عن كل ما يغضب الله إلى كل ما يرضي الله - سبحانه وتعالى.

أيها الشاب الحبيب اللبيب، أيها الوالد الكريم، أيتها الأم الكريمة، أيتها الأخت الفاضلة، أذكر نفسي والمسلمين جميعا بالعودة إلى الله – عز وجل – فالدنيا مهما طالت، فهي قصيرة ومهما عظمت فهي حقيرة، لأن الليل مهما طال لابد من طلوع الفجر، ولأن العمر مهما طال لابد من دخول القبر.

ليس معنى ذلك أننا ننادي على المسلمين أن يتركوا الدنيا، كلا كلا إنما قلت في ثنايا اللقاء: الدنيا دار صدق فيها من صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها فهي مصلى الأنبياء، ومتجر أولياء الله، ربحوا فيها الرحمة واكتسبوا فيها الجنة.

هذا وما كان من توفيق، فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو، أو نسيان فمني ومن الشيطان، وأعوذ بالله أن أكون جسرا تعبرون عليه إلى الجنة، ويلقى به في النار، ثم أعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه وأقم الصلاة.


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


--------------------------------------------------------------------------------

(1) [صحيح]: أخرجه البخاري في كتاب الرقائق ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل))(6461). والترمذي في كتاب الزهد ، باب ما جاء في قصر الأمل (2233) ، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (1157) .

(1) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب (54)، رقم (3481)، ومسلم في كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه (2756/26،25)، والنسائي في كتاب الجنائز، باب أرواح المؤمنين وغيرهم (2078) ، وابن ماجه في كتاب الزهد ، باب ذكر التوبة (4255) ، وأحمد في المسند (2/269) من حديث أبي هريرة ، وأخرجه مسلم في كتاب التوبة ، باب سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه (2757/27) ، وأحمد في المسند (3/17،13) من حديث أبي سعيد الخدري .

(2) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب الله الصمد (4975،4974)، والنسائي في كتاب الجنائز، باب أرواح المؤمنين وغيرهم (2077)، وأحمد في المسند (2/300).

(1) أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى ، عند الموت (2878/83)، وأحمد في المسند (3/336،331).

(2) أخرجه الحاكم في المستدرك (2/478)، وصححه ووافقه الذهبي وابن جرير في التفسير (27/223)، وابن أبي شيبة في المصنف (7/107)، وابن كثير في التفسير (1/56) والسيوطي في الدر المنثور (852)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم وصححه.

(1) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب الحنوط للميت (1266)، وباب كيف يكفن المحرم (1268،1267)، ومسلم في كتاب الحج، باب ما يفعل بالمحرم إذا مات (1206/93-98).

(2) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب من يجرح في سبيل الله (1876/103-106).

(1) أخرجه البخاري في كتاب الرقائق، باب الحشر (6527)، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب فناء الدنيا، وبيان الحشر يوم القيامة (2859/56)، وابن ماجه في كتاب الزهد، باب ذكر البعث (4276) .

(1) أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب صفة يوم القيامة، أعاننا الله على أهوالها (2864/62) .

(2) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب الحشر (6523)، ومسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب يحشر الكافر على وجهه (2806/54).

(1) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب الحشر (6523)، ومسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب يحشر الكافر على وجهه (2806/54).

(1) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب كلام الرب – عز وجل – يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم (7514)، ومسلم في كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل، وإن كثر قتله (2768/52)، وأحمد في المسند (2/105،74).

(1) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب من نوقش الحساب عذب (6536)، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها (2876/80،79)، وأحمد في المسند (6/127،91).

(2) أخرجه البخاري في الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب بغير حساب (6542)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب (216/369)، وأحمد في المسند (2/400).

(1) أخرجه البخاري في الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب بغير حساب (6541)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب (220/375،374).

(2) أخرجه أحمد في المسند (2/359)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (10/404) وقال: [رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح]. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (3/473) .

(1) أخرجه البخاري في كتاب الدعوات ، باب فضل التسبيح (6406)، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء (2694/31).

(2) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة (805/253).

(1) أخرجه البخاري في كتاب التفسير ، باب {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}، ومسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم باب صفة القيامة والجنة والنار (2785/18) من حديث أبي هريرة والآية من سورة الكهف رقم (105) .

(2) [صحيح]: أخرجه أحمد في المسند (1/421)، والطبراني في الكبير (11/153).

(3) أخرجه الترمذي في كتاب الإيمان، باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله (2639) وقال: هذا حديث حسن غريب ، وابن ماجه في كتاب الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة (4300)، وأحمد في المسند (2/213) من حديث عبد الله ابن عمرو – رضي الله عنه.

(1) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (183/302).

(1) أخرجه البخاري في كتاب المظالم باب قصاص المظالم (2440)، وأحمد في المسند (3/94).

(1) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (189/312). جميعا عن الغيبة والنميمة؟، هل سنجدد التوبة والآوبة إلى الله ونقول قولة السابقين {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ }[البقرة: 285].



الشيخ محمد حسان نقلا عن موقعه



اضف تعليقك

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3138 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3475 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3548 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟