نود لفت انتباه الإخوة زوار الموقع ان هذه النسخة هي نسخة تجريبية للموقع بشكله الجديد , للابلاغ عن اخطاء من هنا

اعترافات كنت قبورياً
27-3-2009 1967   
   
عدد مرات التحميل : 6

اعترافات كنت قبورياً

 

بسم الله والحمدلله والصلاة والسلام على أشرف من خلق الله، محمد ابن عبدالله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:


قصة هداية رجل عاش فترة مظلمة بعيداً عن التوحيد في دياجير الخرافة، يتبرك بالقبور ويتمسح بها ويطوف، ثم أنعم الله عليه بالهداية إلى النور، نور التوحيد والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ثم كتب قصته علَّها تنير لغيره نفس الطريق الذي سلكه، طريق الهدى والنور فيتبعوه ويعرفوا طريق الزيغ والضلال فيتجنبوه والله الهادي إلى سواء السبيل.

وإليكم قصة الكاتب المصري عبدالمنعم الجداوي..

"الخرافة" عجوز متصابية تتعلق بصاحبها...

"التوحيد" يهدم أولاً.. ثم يبنى من جديد...

ليس سهلاً أن يتراجع "القبوري"!!

"التوحيد" يحتاج إلى إرادة واعية!!

ترددت كثيراً في كتابة هذه الاعترافات - لأكثر من سبب - ثم قدمت على كتابتها لأكثر من سبب.. وأسباب الإحجام والإقدام واحدة.. فقد خشيت أن يقرأ العنوان بعض القراء ثم يقولون - مالنا ولتخريف أحد معظمي القبور - ولكن قد يكون بعض القراء في المنطقة النفسية التي كنت أعيشها قبل تصحيح عقيدتي فيقرأون اعترافاتي.. فيفهمون ويعبرون من ظلمة الخرافات إلى نور العقيدة - وذلك وحده ما يقويني على الكشف عن ذاتي أمام الناس - مادام ذلك سوف يكون سبباً في هداية بعضهم إلى حقيقة التوحيد، ولقد كنت من كبار معظمي القبور فلا أكاد أزور مدينة بها أي قبر أو ضريح لشيخ عظيم.. إلا وأهرع فوراً للطواف به سواء كنت أعرف كراماته أو لاأعرفها.. أحياناً أخترع لهم كرامات.. أو أتصورها أو أتخيلها.. فإذا نجح ابني هذا العام.. كان ذلك للمبلغ الكبير الذي دفعته في صندوق النذور !!!.. وإذا شفيت زوجتي كان ذلك للسمنه التي كان عليها الخروف الذي ذبحته للشيخ العظيم فلان ولي الله..!!!!

وحينما التقيت بالدكتور جميل غازي -عالم مصري، رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية في حياته، رحمه الله-، وكان اللقاء لعمل مجلة إسلامية تقوم بالإعلام والنشر عن جمعية العزيز بالله القاهرية، والتي تضم مساجد أخرى ورسالتها الأولى "التوحيد" وتصحيح العقيدة وبحكم اللقاءات المتكررة.. كان لابد من صلاة الجمعة في مسجد العزيز بالله، وهاجم الدكتور "جميل" في بساطة وبعقلانية شديدة هذا المنحنى المخيف في العقيدة وسماه شركاً بالله وذلك لأن العبد في غفلة من عقله يطلب المدد والعون من مخلوق ميت..!!!!

أفزعني الهجوم وأفزعتني الحقيقة.. وما أفزع الحقيقة للغافلين ولو أن الدكتور "جميل" اكتفى بذلك لهان الأمر لكنه في كل مرة يخطب لابد أن يمس الموضوع بإصرار.. فالضريح لا يضم سوى عبد ميت فقط.. بل قد يكون أحياناً خالياً حتى من العظام التي لا تنفع ولا تضر..!!، في أول الأمر اهتززت.. فقدت توازني.. كنت أعود إلى بيتي.. بعد صلاة كل جمعة حزيناً.. شيء ما يجثم فوق صدري.. يقيد احساسي ومشاعري.. أحاول في مشقة أن أخرج عن هذا الخاطر.. هل كنت في ضلالة طوال هذه الأعوام..؟، أم أن صديقي الدكتور قد بالغ في الأمر، فأنا اعتقد أن كل من نطق بالشهادة لا يمكن أن يكون كافراً.. لهفوة من الهفوات أو زلة من الزلات!..

شيء آخر أشعل في فؤادي لهباً يأكل طمأنينتي في بطء، إن الدكتور يضعني في مواجهة صريحة.. ضد أصحاب الأضرحة الأولياء.. والخطباء على المنابر صباح مساء.. يعلنونها صريحة.. أن الذي يؤذي ولياً .. فهو في حرب مع الله سبحانه وتعالى.. وهناك حديث صحيح في هذا المعنى.. وأنا لا أريد أن أدخل في حرب ضد أصحاب القبور والأضرحة لأنني أعوذ بالله من أن أدخل في حرب معه جل جلاله..

وقلت إن أسلم وسيلة للدفاع هي الهجوم.. واستعدت قراءة بعض الصفحات من كتاب الغزالي (إحياء علوم الدين)، وصفحات أخرى من كتاب (لطائف المنن) وحفظت عن ظهر قلب الكرامات وأسماء أصحابها.. ومناسبات وقوعها وذهبت الجمعة الثانية وكظمت غيظي وأنا أسمع إلى الدكتور فلما انتهى من الدرس.. أصر على أن يدعوني لتناول طعام الغذاء ويعد الغذاء.. تسلمته هجوماً بلا هوادة.. معتمداً على عاملين.. الأول هو أنني حفظت كمية لا بأس بها من الكرامات والثانية أنني على ثقة من أنه لن يتهور فيداعبني بكفيه الغليظتين لأنني في بيته، وتناولت طعامه فأمنت غضبته.. وقلت له: والآتي هو المعنى وليس نص حوار: أن الاولياء لا يدرك درجاتهم إلا من كان على درجتهم من الصفاء والشفافية، وأنهم رجال أخلصوا لله.. فجعل لهم دون الناس ما خصهم به من آيات.. وأن.. وأن.. وانتظر الدكتور حتى انتهيت من هجومي.. وأحسست أنه لن يجد ما يقوله.. وإذ به يقول: "هل تعتقد أن أي شيخ منهم كان أكرم على الله من رسوله؟؟!!".

قلت مذهولاً: "-لا-".

قال: "إذاً كيف يمشي بعضهم على الماء أو يطير في الهواء أو يقطف ثمار الجنة وهو على الأرض.. ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يفعل ذلك؟؟"

كان يمكن أن يكون ذلك كافياً لإقناعي أو لتراجعي.. لكنه التعصب قاتله الله.. كبر علي أن أسلم بهذه البساطة - كيف ألقي ثقافة إسلامية عمرها في حياته أكثر من ثلاثين عاماً -.. قد تكون مغلوظة.. غير أنني فهمتها على انها الحقيقة ولا حقيقة سواها...

وعدت أقرأ من جديد في الكتب التي تملأ مكتبتي وأعود إلى الدكتور ويستمر الحوار بيننا إلى ساعة متأخرة من الليل، فقد كنت من كبار عشاق الصوفية .. لماذا؟؟

لأني أحب أشعارهم وأحب موسيقاهم وألحانهم التي هي مزيج من التراث الشعبي، وخليط من ألحان قديمة متنوعة تدق وحدها.. أو ناي مصري حزين ينفرد بالأنين مع بعض أشعارهم التي تتحدث عن لقاء الحبيب بمحبوبه وقت السحر..!!

ولهذا وللأسباب الأخرى أحببت الصوفية.. وكنت أعشقها وأحفظ عن ظهر قلب الكثير من شعر أقطابها .. لا سيما "ابن الفارض"، وكل حجتي التي أبسطها في معارضة "الدكتور" أنه وأمثاله من الذين يدعون إلى التوحيد لا يريدون للدين روحاً وإيماناً وإنما يجردونه من الخيال أنهم لابد أن يصلوا إلى ما وصل إليه أصحاب الكرامات لكي يدركوا ما هي الكرامات...!!، فلن يعرف الموج إلا من شاهد البحر ولا يعرف العشق إلا من كابد الحب وهذا أسلوب صوفي أيضاً في الاستدلال ولهم بيت شهير في هذا المعنى.. حتى لا يضطرب وجداني وتتمزق مشاعري.. حاولت أن أنقطع عن لقاء الدكتور ولكنه لم يتركني.. فوجئت به يدق جرس الباب ولم أصدق عيني.. كان هو.. قد جاء يسأل عني.. وتكلمنا كالعادة كثيراً وطويلاً .. فلما سألني عن سبب عدم حضوري لصلاة الجمعه معه.. قلت له بصراحة: "لقد يئست منك!!!".

قال: "ولكني لم أيأس منك.. أنت فيك خير كثير للعقيدة".

قلت: إنه يستدرجني على طريقه.. ولمحت معه كتاباً من وضعه عن سيرة (الإمام محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله تعالى، المجدد، نشر الدين في الجزيرة العربية).

قلت: "أعطني هذه النسخة.. هل يمكن ذلك؟؟"

قال: "هذه النسخة بالذات ليست لك وسوف أعدك بواحدة".

وهذه هي طريقته للإثارة دائماً.. لا يعطيني ما أطلب من اول مرة.. فخطفت النسخة ورفضت إعادتها له..!، وبعد منتصف الليل بدأت القراءة.. وشدني الكتاب موضوعاً وأسلوباً.. فلم أنم حتى الصباح..

كان الكتاب على حجمه المتواضع - كالإعصار - كالزلزال.. أخذني من نفسي ليضعني على حافة آفاق جديدة حكاية الشيخ "محمد بن عبدالوهاب" نفسه.. ثم قصة دعوته.. وما كابده من معاناة طويلة.. حينما كانت في صدره حنيناً.. وكلما قرأت صفحة.. وجدت قلبي مع السطور، فإذا اغلقت الكتاب لأمر من الأمور.. يتطلب التفكير أو البحث في كتب أخرى.. استشعرت الذنب لأنني تركت الشيخ في (البصرة) ولم أصبر حتى يعود.. أو تركته في (بغداد) يستعد للسفر إلى (كردستان) ولابد أن أصبر معه حتى يعود من غربته إلى بلده..

يقول الدكتور في كتابه (مجدد القرن الثاني عشر الهجري شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله تعالى-) وبعد هذا التطواف والتجوال هل وجد ضالته المنشودة..؟

لا فإن العالم الإسلامي كله كان يعاني نوبات قاسية من الجهل والانحطاط والتأخر.. عاد الرجل إلى بلده يحمل بين جوانحه ألماً ممضاً لما أصاب المسلمين من انتكاس وتقهقر في كل مناحي حياتهم.

عاد إلى بلده وفي ذهنه فكرة تساوره بالليل والنهار لماذا لا يدعو الناس إلى الله..؟

لماذا...؟، لماذا...؟

إذاً فهذه العقيدة التي يريدها الدكتور لم تأت من فراغ فمنذ القرن الثاني عشر الهجري.. والإمام محمد بن عبدالوهاب.. يفكر، ويقدم.. لكي يهدم صروح الأضرحة ويحطم شبح الخرافات ويطارد المشعوذين الذين لطخوا وجه الشريعة السمحاء بخزعبلاتهم التي اكتسب مع الأيام قداسة.. تخلع قلوب المؤمنين.. إذا فكروا في إزالتهم..

وفي ذلك يقول الكتاب: ماذا كان وقع هذه الأعمال على نفوس القوم..

ويجيب المؤرخون على ما يرويه الأستاذ أحمد حسين في كتابه (مشاهداتي في جزيرة العرب).. أن القوم لم يقبلوا مشاركة الرجل فيما قام به من قطع الأشجار، وهدم القباب، بل تركوا له وحده أن يقوم بهذا العمل حتى إذا ما كان هناك شر أصابه وحده..!

هل يكون ما يزلزل كياني الآن هو الخوف الذي ورثته..؟، وهو نفس الذي جعل الناس في بلدة (العيينة) موطن الشيخ يتركونه يزيل الأشجار وقبة قبر (زيد بن الخطاب) بنفسه.. خوفاً من أن تصيبهم اللعنات المتخلفة من كرامات هذه الأماكن وأصحابها ..؟، ومضيت أقرأ ومع كل صفحة أشعر انني أخلع الوهم في أعماقي حجراً ضخماً وحينما بلغت منتصف الكتاب.. كانت فجوة كبيرة داخلي قد انفتحت وتسلل منها ومعها نور اليقين.. ولكن في زحمة الظلمة التي كانت تعشعش في داخلي.. كان الشعاع يومض لحظة ويختفي لحظات، لقد استطاع الدكتور أن ينتصر..

تركني أحارب نفسي بنفسي.. بل جعلني اتابع مسيرة التوحيد مع شيخها (محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله تعالى) وأشفق عليه من المؤامرات التي تحاك ضده وحوله وكيف أنه حينما أقام الحد على المرأة التي زنت في العيينة غضب حاكم الإحساء و (سليمان الحميدي) واستشعر الخطر من الدعوة الجديدة وصاحبها.. فكتب إلى حاكم العيينة (ابن معمر) يأمره بكتم انفاسها، وقتل المنادي بها والعودة فوراً إلى حظيرة الخرافات والخزعبلات ولما كان ابن المعمر قد ارتبط مع الشيخ في مصاهرة.. فقد زوجه ابنته.. فإنه تردد في قتله لكنه دعاه إلى اجتماع مغلق وقرأ عليه رسالة حاكم الإحساء ثم رسم اليأس كله على ملامحه فقال له: إنه لايستطيع أن يعصي أمراً لحاكم الإحساء لأنه لا قبل به.. ولعلها لحظة يأس كشفت للشيخ عن عدم إيمان ابن معمر ولم تزد الشيخ إلا إصراراً على عقيدته وقوة توحيدة.. فالحكام الطغاة لا يحاربون دائماً إلا الداعية الحق.. وقبل الشيخ في غير عتاب ان يغادر العيينة مهاجراً في سبيل الله بتوحيده باحثاً عن أرض جديدة يزرعه فيها..!

في الصباح استيقظت على ضجة في البيت غير عادية واعتدلت في فراشي ووصلت إلى أذني أصوات ليست آدمية خالصة ولا حيوانية خالصة.. ثغاء، وصياح، وكلام .. غير مفهوم العبارات..

وقلت لا بد أنني اعاني من بقية حلم ثقيل.. فتأكدت من يقظتي، ولكن الثغاء هذه المرة اخترق طبلة أذني.. ودخلت علي زوجتي تحمل إلي أنباء سارة جداً.. وهي تتلخص في أن ابنة خالتي التي تعيش في أقصى الصعيد ومعها زوجها وابنها البالغ من العمر ثلاث سنوات.. قد وصلوا في قطار الصعيد فجراً ومعهم الخروف..!!!!

وظننت أن زوجي تداعبني.. أو أن ابنة خالتي وكنت أعرف أن أولادهم يموتون في السنوات الأولى قد أطلقت على طفل لها اسم خروف لكي يعيش مثلاً وهي عادات معروفة في الصعيد.. وقبل أن أتبين المسألة.. أحسست بمظاهرة من أولادي تقترب من باب حجرة نومي.. وفجأة وبدون استئذان اقتحم الباب خروف له فروة وقرون وأربعة أقدام.. واندفع في جنون من مطاردة الأولاد له.. فحطم ما اعترض طريقه واستعدت في ذهني كل حركات مصارعي الثيران وامسكت بملاءة السرير وقبل أن أجرب رشاقتي في الصراع مع الخروف دخلت ابنة خالتي وهي في حالة انزعاج كامل فقد خيل لها أنني سوف أقتله.. وصاحت وهي على يقين من أنني سأصرعه:

حاسب هذا خروف (السيد البدوي)

ونادته فتقدم إليها في دلال وكأنه الطفل المدلل.. فأمسكت به تربُت على رأسه وروت لي انها قدمت من الصعيد ومعها هذا الخروف البكر الرشيق الذي أنفقت في تربية ثلاثة أعوام.. هي عمر ابنها.. لأنها نذرت للسيد البدوي إذا عاش ابنها .. أن تذبح على أعتابه خروفاً وبعد غد يبدأ العام الثالث موعد النذر..

كانت تقول كل هذه العبارات وهي سعيدة وخرجت إلى الصالة لأجد زوجها وهو في ابتهاج عظيم.. يطلب علي أن أجامل ابنة خالتي لكي يعيش ابنها وإلا اعتبرت قاطعاً للرحم لا يهمني أن يعيش ابن خالتي أو يموت ولا بد ان أذهب معهم إلى مهرجان الشرك وفي نفس الوقت كنت أسأل نفسي كيف أقنعها بأنها في طريقها إلى الكفر؟.. وماذا سيحدث حينما أحطم لها الحلم الجميل الذي تعيش فيه منذ ثلاث سنوات؟..

وقلت أبدأ بزوجها أولاً، لأن الرجال قوامون على النساء وأخذت الزوج إلى زاوية في البيت وتعمدت أن يرى في يدي كتاب (الإمام محمد بن عبدالوهاب) ومد يده فجعل الغلاف ناحيته وما كاد يقرأ العنوان حتى قفز كأنه أمسك بجمرة نار..!، قرأ زوج ابنة خالتي عنوان الكتاب الذي يقول إن في الصفحات قصة (محمد بن عبدالوهاب) ودعوته وهتف صارخاً.. ما هذا الذي أقرأه..؟، وكيف وصلني هذا الكتاب .. لابد أن أحدهم دسه علي فهو يعرف أنني رجل متزن.. أحرص على ديني وعلى زيارة الأضرحة وتقديم الشموع والنذور وأحياناً القرابين المذبوحة والحية كما يفعل هو تماماً ورأيت في عينبه نظره رثاء.. وكان علي أن أقف منه موقف الدكتور "جميل غازي" مني سابقاً.. وشاء الله أن يكون ذلك بمثابة امتحان لي.. وهل في استطاعتي أن أطبق ما قرأت أم لا..؟، وهل استوعبت عن يقين ما قرأت أم لا ..؟، وهل استوعبت عن يقين ما قرأت أم لا..؟، والأهم من ذلك هو مدى إصراري على عقيدتي وإقناع الآخرين بها أيضاً.

فليس من المعقول في شيء أن أطوي توحيدي علي نفسي وأترك الآخرين يعيشون في ضلالة لأنهم بعد فترة سوف يغرقونني في خرافاتهم وعليه فلا بد أن أجادلهم بالتي هي أحسن.. لا أتركهم يشعرون أن الأمر هين.. لابد أن أنفرهم من شركهم.. وهم لابد أن يتراجعوا.. لأن الخرافة تقوم على ضلالات هشة.. لا يكاد الشك يدخلها حتى يهدمها.. والحق إذا تعقبها.. قضى عليها.. أو على أقل تقدير أوقف نموها حتى لا تصيب الآخرين.. ومن أجل ذلك كله قررت أن أتوكل على الله وأبدأ الشرح للرجل ولم تكن المهمة سهلة.. فلابد أولاً أن أطمئنه وأزيل ما بينه وبين سيرة الشيخ (محمد بن عبدالوهاب) ثم مات رسب في ذهنه من زمن عن (الوهابية والوهابيين) ففي أول الحديث اتهم الوهابية بعدد من الاتهامات يعلم الله أن دعوة التوحيد بريئة منها.. براءة الذئب من دم يوسف – عليه السلام - .. ورحت أحاول في حماس شديد.. أشرح له سر حملات الكراهية والبغضاء التي يشنها البعض على دعوة التوحيد وكيف أنها أحيت شعائر الشريعة، وأصول العبادات وفي ذلك القضاء على محترفي الدجل وحراس المقابر وسدنة الأضرحة والذين يكدسون الأموال عاماً بعد عام.. من بيع البركات، وتوزيع الحسنات على طلاب المقاعد في الجنة فالمقاعد محدودة، والوقت أزف ..!، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

ولمحت على ملامحه بعض سمات الخير.. نظر في دهشة.. كأنه يفيق من غيبوبة.. ورغم ذلك.. فقد راح يتشنج، ويدافع عن أهل الله الذين ينامون في قبورهم لكن يتحكمون بأرواحهم في بقية الكون، وأنهم يدعون كل ليلة جمعة للإجتماع عند قطب من الأقطاب.. وحتى النساء من الشهيرات يلتقين أيضاً مع الرجال الأقطاب وينظرون في شؤون الكون..!!، ولم أكن أطمع في زحزحته عن معتقدات في ضميره عمرها أكثر من ثلاثين سنة.. فاكتفيت بأن طلبت منه أن ينظر في الأمر.. هل هؤلاء الموتى من أصحاب الأضرحة.. أكرم عند الله أم محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟، .. ثم يفكر طويلاً ويجيء إلي بالنتيجة دون ما تحيز أو تعصب.. ووعدني بأن يفكر ولكنه فقط يطلب مني أن ارافقهم في رحلتهم إلى طنطا.. فقلت له: "إن هذا هو المستحيل لن يحدث وإذا كان مصمماً على الذهاب هو وزوجته إلى السيد البدوي حتى يعيش ابنهم فالمعنى الوحيد لذلك هو أن الأعمار بيد السيد البدوي"، وحملق فيَّ وصاح: "لا تكفر يا رجل..؟"، فقلت له: "أينا يكفر الآخر..؟، أنا الذي أطلب منك تتوجه إلى الله؟، أم أنت الذي تصر على أن تتوجه إلى السيد البدوي؟!!".

وسكت واعتبر هذا مني إهانة لضيافته وأخذ زوجته وأخذت زوجته الخروف وابنها وحيثما وقفت أودعهم همست في إذن الزوج أنه إذا تفضل بعدم المرور علينا بعد العودة من مهرجان الشرك.. فإنني أكون شاكراً له ما يفعل وإلا لقي مني ما يضايقه.. وازداد ذهول الرجل ومضى الركب الغريب.. يسوق الخروف نحو طنطا..!!

وانثنت زوجتي تلومني لأنني كنت قاسياً معهم وهم الذين يخافون على طفلهم الذي عاش لهم بعد أن تقدم بهما العمر، ومات لهما من الأطفال الكثير.. وصحت في زوجتي أن الطفل إذا كان سيعيش فذلك لأن الله يريد له ان يعيش وإن كان سيموت فذلك لأن الله يريد له ذلك.. لا شريك لله في اوامره ولا شريك له في إرادته.

وعلمت بعد أيام أن قريبتي عادت من طنطا إلى الصعيد مباشرة دون المرور علينا في القاهرة، وأنها غاضبة مني، وشكتني لكل شيوخ الأسرة وفي الأسبوع الثاني.. فوجئت بجرس الباب يدق.. وذهب ابني الصغير ليستطلع الأمر.. ثم عاد ليقول لي: إبراهيم الحران.. (زوج ابنة خالتي).. ماذا حدث؟!!، هل جاؤوا بخروف جديد ونذر جديد لضريح جديد أم ماذا ..؟!

وقررت أن يخرج غضبي من الصمت إلى العدوان هذه المرة ولو بالضرب.. ومشيت في ثورة إلى الباب وإذا بهذا الحران يمد يده ليصافحني ودعوته إلى الدخول فرفض.. إذاً لماذا جاء؟!!، وفيما جاء وابتسم ابتسامة مغتصبة وهو يقول: إنه يطلب كتاب (الشيخ محمد بن عبدالوهاب) الذي عندي، وحملقت فيه طويلاً وجلست على أقرب مقعد.. سقطت قلعة من قلاع الجاهلية.. لكن لماذا؟!، وكيف كان ذاك السقوط؟

جاء صاحبي إبراهيم يسعى قدميه.. يطلب ويلح في أن يبدأ مسيرة التوحيد.. لابد أن وراء عودته امراً ليس من المعقول أن يحدث ذلك بلا أسباب قوية جعلت اعماقه تتفتح وتفيق.. على حقائق غفل عنها طويلاً ورحمة بي من الذهول والإغماء الذي أوشك أن يصيبني.. بدأ يتكلم وكانت الجملة التي سقطت من فمه.. ثقيلة كالحجر الذي يهبط من قمة جبل.. صكت سمعي.. ثم ألقت بنفسها تنفجر على الأرض.. تصيب وتدمي شظاياها وقال: "لقد مات ابني عقب عودتنا".. إنا لله وإنا إليه راجعون.. هذا هو الولد الرابع الذي يموت لإبراهيم تباعاً وكلما بلغ الطفل العام الثالث لحق بسباقه.. وبدلاً من أن يلجأ للأطباء ليعالج هو وزوجته.. اقتنع وقنع بأن ينذر هو وزوجته مرة للشيخ هذا.. ومرة للضريح.. إذا عاش طفله ولكن ذلك كله لم ينفعه.. ورغم الجهل والظلم الذي يظلمه لنفسه.. إلا أنني حزنت من أجله.. تألمت حقيقة، أخذته من يده.. أدخلته.. جلست أستمع إلى التفاصيل..!

لقد عاد من طنطا مع زوجته إلى بلدها وحملا معهما بعض أجزاء من الخروف الذي كان قد ذبح على أعتاب ضريح السيد البدوي، فقد كانت تعاليم الجهالة تقضي بان يعودا ببعضه.. إلتماساً لتوزيع البركة.. فقد أصابت كل من أكل منها بالنزلة المعوية!!!، فالطفل مرض!!، وانتظرت الأم بجهلها أن يتدخل البدوي لكن حالة الطفل ساءت.. فذهبت به للطبيب .. فاشتد على الطفل المرض ولم يقو جسمه على المقاومه .. فمات!!

كانت صدمة على الأم.. أما الأب فقد انطوى يفكر بجدية بعد أن جعلته الصدمه يبصر أن الأمر كله لله.. لا شريك له.

فاعترف لي أن الحوار الذي دار بيني وبينه كان يطن في أذنيه.. عقب الكارثة ثم صمت..!

فقلت له: "لعل الله قد شفى الأم من لوثتها؟"، فأجاب وهو مطأطئ الرأس: "أن أهلها يصرون على الطواف بها على بعض الأضرحة والكنائس أيضاً، ويرفضون عرضها على أي طبيب من أطباء الأمراض النفسية والعصبية ليس ذلك فحسب.. بل ذهبوا بها إلى سيدة لها صحبة مع الجن فكتبت لها على طبق أبيض.. وهكذا تزداد العلة عليها في كل يوم وتتفاقم.. وكل ما يفعله الدجالون يذهب مع النقود المدفوعة إلى الفناء.. وحينما أراد أن يحسم الأمر.. وأصر على أن تعرض على طبيب أو يطلقها لهم.. لأنها سبب إفسادهم.. برزت أمها تتحداه وركبت رأسها فاضطر إلى طلاقها وهو كاره..!"، أثارتني قصته رغم حرصي على النسخة التي حصلت عليها من الدكتور "جميل" إلا أنني أتيته بها وناولتها له.. فأمسك بها وقلبها بين يديه وعلى غلافها الأخير كان مكتوباً كلاماً ما راح يقرأه بصوت عال.. كأنه يسمع نفسه قبل أن يسمعني (نواقض الإسلام) من كلمات شيخ الاسلام (محمد بن عبدالوهاب) .. قال تعالى: ‏{اِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَاْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ اَنْصَارٍ}

ورفع رأسه فحملق في وجهي ثم أخذ الكتاب وانصرف واشترط أن يعيده لي بعد أيام وأن أحضر له من الكتب ما يعينه على المضي في طريق التوحيد.

وانصرف إبراهيم والمأساة التي وقعت له تتسرب إلى كياني قطرة بعد قطرة.. فهي ليست مأساة فرد ولا جماعة وإنما هي مأساة بعض المسلمين في كثير من الأمصار.. الخرافة أحب إليهم من الحقيقة والضلالة أقرب إلى أفئدتهم من الهداية..

وترتفع الخرافة إلى الذروة حينما يعمد المتخصصون فيها إلى تقسيم تخصصات المشايخ والأضرحة فضريح السيدة فلانة يزار لزواج العوانس، والشيخ فلان يزار ضريحه في مسائل الرزق، والقادرة الشاطرة صاحبة الضريح الفلاني يحج إليها في مشاكل الحب والهجر والفراق والطلاق، وأخرى في أمراض الأطفال والعيون وعسر الهضم، وهكذا .. مؤامرة محكمة الحلقات.. تلف خيوطها حول السذج والمساكين وكأنهم لم يقرأوا في القرآن {وَاِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ اِلَّا هُوَ وَاِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، وكانهم لم يسمعوا في الحديث الشريف "من علق تميمة فقد أشرك"

وفي الصباح استيقظت على جرس التليفون.. يصيح صيحات طويلة ومعناها أن المكالمة قادمة من خارج القاهرة ورفعت السماعة لأجد أن المكالمة من الصعيد والمتكلم هو زوج خالتي ووالد زوجة ابراهيم الحران.. يعلمني أنهم سوف يصلون غداً.. وقد اتصل ليتأكد أنني في القاهرة.. فهو يريدني لأمر هام.. ورحبت به وقلت إنني في انتظارهم ولم يكن امامي سوى أن أفعل هذا لألف سبب وسبب!!، أولها أن الرجل الذي اتصل بي أكن له كل الاحترام والحب وأنني لمست في صوته رقة الرجاء..

وفي الغد ومع الركب الحزين وكان مؤلفاً من زوج خالتي.. ودخلت في مرحلة الكآبة العميقة رفضت معها الكلام وفقدت فيها الشعور بما يدور حولها.. لا تستطيع أن تفرق بين النوم واليقظة ولا تجيب عمّن يحدثها انتقلت من دنيا الناس إلى دنيا من الوهم والكآبة.. حتى زوت وصارت هيكلاً عظمياً ليس فيها من علامات الحياة، سوى عينين، وقال لي الأب وهو حزين إنه يريد مني أن أتصل بابني وهو طبيب أمراض عصبية ونفسية لكي يجد لها مكاناً في المستشفى، كانت الأم تبكي وهي نادمة تعترف بآثامها.. وكيف أنها بإصرارها على علاج ابنتها عند المشايخ وبالجري والطواف حول الأضرحة.. واعترفت بأنها اخطأت في حق زوج ابنتها ابراهيم الحران واستفزته بإصرارها على الخطأ، واستطعنا بفضل الله أن نجد لها مكاناً وأن نلحقها في نفس اليوم بالدرجة الأولى وقال لي ابني أنها حالة مطمئنة ولا تدعو إلى اليأس كل ما في الأمر أن الإهمال جعلها تتفاقم. وبعد مضي أسبوع واحد من العلاج تحسنت السيدة وقد عولجت بالصدمات الكهربائية إلى جانب الوسائل العلاجية الأخرى، خلال ذلك اتصل بي إبراهيم فقلت له إنني أريده في أمر هام ولا بد أنه يزورني في البيت وحينما جاء شرحت له الأمر وقلت له إن الأطباء يرون في استرداده لزوجته جزءاً من العلاج أيضاً، ولكن لفت نظري فيه أنه بعد قراءته للكتب التي حصلت له عليها من الدكتور "جميل غازي" في التوحيد أنه أصبح إنساناً جديداً، فالعبارات التي كانت تجري على لسانه من الأقسام تارة بالأنبياء.. وتارة ببعض المشايخ قد اختفت نهائياً وعاد يمارس بأسلوب الرجل لا يعبد غير الله ولا يخش إلا الله ولا يرجو سوى الله وحتى بعد أن حدثته في أن يعيد زوجته.. أصر على أن يجعل هذه العودة مشروطة بأن تقلع أم زوجته عن معتقداتها القديمة، وكذلك والد زوجته أما زوجته فقال إنه كفيل بها، وعقدت بينهم جميعاً مجلساً لم ينقصه إلا الزوجة لأنها كانت بالمستشفى، وقبلوا شروطه بعد هذا الدرس القاسي، وبعد شهر وعشرة أيام تقريباً تقرر خروجها وكان ينتظرها زوجها ووالدها ووالدتها في سيارة على الباب رحلت بهم إلى الصعيد فوراً..

لم أستطع أن أنزع من نفسي بقايا هذه المأساة ولم يكن من السهل أن أتغافل عن الخرافة التي تخرب أو تهدم كل يوم بل وكل لحظة عشرات النفوس والبيوت في عشيرتي وأبناء ديني وعلى امتداد الوطن الإسلامي كله ووجدتني أسأل نفسي لماذا تمزقها الخرافة، وتجثم على صدر مجتمعنا الخزعبلات فتمسك بنا وتعوقنا عن ممارسة الحضارة.. فإن خرافتنا معادية للعقل وللمادة معاً!!

ولهذا كانت خوافتنا هي المسؤولة عن تدمير حياتنا في الحاضر والمستقبل وليس هناك من سبيل لخروجها من هذا المأزق الاجتماعي والحضاري سوى تنقية العقيدة مما ألصق بها وعلق بها من الشوائب التي ليست من الدين في شيء!!، فحينما يصبح التوحيد أسلوب حياة وثقافة وعقيدة سوف تختفي من أفقنا وإلى الأبد هذه الغيوم غيوم الخرافات والدجل والشعوذة سوف تختفي من أفقنا وإلى الأبد هذه الغيوم غيوم الخرافات والدجل والشعوذة والكهانة. وتلك مسؤولية ينبغي أن تقوم بها أجهزة التربية المباشرة، وغير المباشرة، فإن ما نعيشه الآن هو صورة أسوأ مما قرات في هذه الاعترافات ولو أنك اخترت مائة أسرة كعينة عشوائية وبحثت فيها لوجدت أن كل ما رويته لك في هذه الاعترافات لا يمثل إلا أقل القليل!!..

{رَبَّنَا امَنَّا بِمَا اَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}

فــهــل مــن معتــبــر؟؟!!!

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

كتيب/ اعترافات.. كنت قبورياً.
قصة هداية الكاتب المصري
عبدالمنعم الجداوي.







اضف تعليقك

تعليقات الزوار

محمد زروق عبد الودودالحسني

اسأل الله أن يثبتك على الحق ويهدينا جميعاً الى التوحيد الخالص والعقيدة السليمةوبارك الله فيك وغفر والديك وشكرا.

2012-09-19 00:00:00


عمرو فوزي

بارك الله فيكم اخواني الكرام ممتاز والله

2012-01-07 00:00:00


عبدالله

قصة مؤثرة حقا ،، انها تجعلنا نفكر مليا في روتين حياتنا ،، اللهم ردنا إلى كتابك ردا جميلا ،،

2011-08-13 00:00:00


رجل النجوم

احيي الكاتب على جرأته وشجاعته ،والله اسأل أن يثبتك على الحق ويهدينا جميعاً الى التوحيد الخالص.

2009-09-19 00:00:00


روابط هامة


كن على تواصل


أوقات الصلاة



يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ...

3146 زيارة
|

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...

3489 زيارة
|

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى

3563 زيارة
|

جديد وذكر


استطلاع للرأي


هل أنت من مشتركي صفحتنا على الفيس بوك وهل تراها مفيدة ؟